مع حبيبي صلى الله عليه وسلم - جبر الخواطر

منذ 2016-02-26

كم من كاسد عند بنى البشر لكنه غالٍ عند رب البشر؛ قيمة حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم دوماً على أن يرسخها فى نفوس أتباعه وأمته.

- من هذا؟ أرسلني؛ أرسلني.
بنبرات أعرابية غليظة؛ صاح ذلك البدوي بتلك الكلمات؛ بينما يحاول التملص من ذراعين قويتين أحاطتا بجسده فجأة؛ إحاطة السوار بالمعصم.

من هذا الذي يمسك به هكذا؟
من الذي يقترب منه بهذه المودة؛ وهو الذي لم يتعود من الخلق إلا النفور؛ ولم ير منهم إلا المجافاة والحكم على مظهره الرث وهيئته الدميمة.
- «من يشتري العبد؟! من يشتري العبد؟!»
لامست تلك النبرة المازحة والصوت المحبب شغاف قلبه؛ الآن عرف من هذا الذي اعتنقه على حين غرة بشكل لم يتعوده وهو الذي ينفر الناس من شكله؛ إنه حبيبه وقرة عينه.

لقد قالها مازحا وهو يحتضنه بأُلفة ومودة وتبسط؛ ما كان يوما من المتكلفين ولا من المستعلين المستكبرين.
حتى مع هذا الرجل الدميم من أهل البادية الذي يزهد فيه الناس ولا يحبون النظر إلى ملامحه الغليظة.

- «من يشتري العبد؟!»
رغم النبرة المازحة والصوت المحبب إلا أن العبارة قد حركت في القلب شجونا وهيَّجت في الصدر أحزانا
- ومن يشتريني؟ وهل يوجد في الناس من يحرك صرة دنانيره لمثلي؟

أنا الذي ربما لا يعرف الكثيرون اسمي ولا لقبي؛ لا يعرفون عني إلا هيئتي وخلقتي التي لا حيلة لي فيها
أنا الذي نفر مني الخلق وجفوني؛ أفتراهم اليوم يشترونني؟!

دارت تلك الأفكار الحزينة في نفسه ثم لم يلبث إلا أن لخصها بجملة قصيرة؛ رد بها على المزحة اللطيفة وأجاب عن تساؤل صاحبه وأسوته عمن يشتريه.

- يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا
لن تجد من يشتري؛ لن تجد إلا كسادا وبضاعة مزجاة؛ لن تجد إلا بيعا معطلا وعبدا ليس مرغوبا به.

هكذا لخصت تلك الكلمات نظرته المتدنية لنفسه وبينت الجملة القصيرة آلاما تكمن في فؤاده وأحزانا طواها قلبه؛
آلاما وجدت طبيبا بارعا يعرف كيف يداوي مثل تلك النفوس وأحزانا صادفت لمسة حانية في انتظارها؛ تلك اللمسة التي تجلت في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لزاهر بن حرام حين سمع منه وصفه لحاله.

لقد أجاب قائلا: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ» أَوْ قَالَ: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ» (رواه أحمد).

يالها من كلمات قليلة حوَت معانٍ كثيرة جليلة وقيما تربوية نفيسة؛ قيما فُقدت أو كادت فى مجتمعات مادية لا تزن الناس أو تحكم عليهم إلا من خلال المظهر الخارجى أو المقام والمنصب؛ فتحقر هذا وتنتقص من ذاك وتمتهن كرامة هؤلاء وتسخر من أولئك، ولربما كان أدنى المهانين فى نظر الناس خيراً من ملء الأرض ممن يعظمونهم وينحنون لهم؛ ذلك لأنه ببساطة عند الله ليس بكاسد.

بكلمتين لخص رسول الله ذلك المعنى وعلم أمته حقيقة الأمر؛ القضية إذن يا زاهر ليست قضية مظهر أو قشرة خارجية قد لا تعبر عن نفاسة قدر أو نقاء معدن؛ العبرة ليست بمقامك عند الناس؛ العبرة بمقامك وقدرك عنده؛
عند الله.

وكم من كاسد عند بنى البشر لكنه غالٍ عند رب البشر؛تلك قيمة حرصت دوماً على أن ترسخها فى نفوس أتباعك.
حرصت على ترسيخها حين ضحكوا من دقة ساقي الصحابى الجليل عبدالله بن مسعود رضى الله عنه فأخبرتهم حقيقة أن تلك الساقين أثقل عند الله من جبل أحد.

وحرصت على ترسيخها لجليبيب رضى الله تعالى عنه، حين عرضت عليه أن تزوجه فقال: إذن تجدنى كاسداً يا رسول الله؛ نفس نظرة زاهر بن حرام لنفسه ها هو جليبيب يكررها؛ وها هو يسمع منك نفس الإجابة الحانية:
- «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»

وهكذا كان دأبك سيدي يا رسول الله؛ وكذلك كان خلقك وهديك؛ الرفق ولين الجانب؛ خفض الجناح وطيب الكلام؛ الحرص على المشاعر وتضميد جراح النفس؛ جبر الخواطر..والحنان...

  • 12
  • 0
  • 47,308
المقال السابق
النبي وأصحابه
المقال التالي
حنانه صلى الله عليه وسلم

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً