تذوق المعاني - [18] سورة الإخلاص

منذ 2016-06-23

«يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟»، قال: "إني أحبها"، قال: «حبك إياها أدخلك الجنة».

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص:1-4].

 سبب نزول هذه السورة: أن المشركين أو اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم: صف لنا ربك؟ فأنزل الله هذه السورة.

جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول: اتخذ الله ولدًا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد»(البخاري، صحيح البخاري، رقم:[4974]).

وروى البخاري في كتاب الطب في باب النفْثِ في الرقية عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نَفَثَ في كفيه بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده"، قالت: "فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"(صحيح البخاري، رقم:[5748])، وفي واية عنها ذكرها في باب الرَّقى بالقرآن والمعوذات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفُثُ على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثَقُل كنتُ أنفُثُ عليه بهن وأمسحُ بِيَدِهِ نفسِهِ لبركتها

قال البخاري في كتاب الصلاة: "وقال عبيد الله، عن ثابت عن أنس قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة،  فكلمه أصحابه فقالوا: "إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى"، فقال: "ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم"، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟»، قال: "إني أحبها"، قال: «حبك إياها أدخلك الجنة»(1/ 154).

 

هكذا رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به حديث في كونها تعدل ثلث القرآن: قال البخاري: "حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن»(البخاري، صحيح البخاري، رقم:[5013​]).

حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: "حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، أخبرني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن»، فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم دخل فقال بعضنا لبعض: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن»، إني لأرى هذا خبراً جاء من السماء، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن»(الترمذي، السنن، رقم:[2900]).

حديث آخر: قال أحمد أيضاً: "حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختمها، عشر مرات، بنى الله له قصراً في الجنة»، فقال عمر: "إذا نستكثر يا رسول الله؟"، فقال صلى الله عليه وسلم: «الله أكثر وأطيب»".

حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء: قال النسائي عند تفسيرها: "حدثنا عبد الرحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مغول، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا رجل يصلي، يدعو يقول: "اللهم، إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد"، قال: «والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب»(الترمذي في السنن، برقم:[3475]، والنسائي، السنن، برقم:[7619]).  

هذه السورة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في الركعة الثانية في سنة الفجر، وفي سنة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأ بها في الوتر، لأنها مبنية على الإخلاص التام لله، ولهذا تسمى سورة الإخلاص.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: قل أي يا محمد، هو الله أحد، قال البخاري في صحيحه: "أي واحد"، فالله تعالى واحد لا شريك له ولا شبيه له ولا وزير له لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شىء وهو خالق كل شىء، وقال أبو القاسم التميمي في كتاب (الحجة): التوحيد مصدر وَحَّدَ يُوَحّدُ، ومعنى القشيري: "التوحيد وحدت الله اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه"، وقيل: معنى وَحَّدته علمته واحدًا".

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الناس إلى التوحيد ويعلمهم الإيمان وشرائع الدين مبينًا لهم ما نزل إليهم من ربهم، روى ابن ماجه في سننه عن جُندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حَزَاوِرَة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا"، وإسناد هذا الحديث صحيح كما ذكر الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة، والحزاورة: الأشداء.

{اللَّهُ الصَّمَدُ}: قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}؛ قال البيهقي في الأسماء والصفات: "قال الحليمي: معناه المصمود بالحوائج، أي المقصود بها"، فهو الذي تفتقر إليه جميع المخلوقات مع استغنائه عن كل شىء، قال البخاري في صحيحه: "قال أبو وائل: هو السيّدُ الذي انتهى سؤدَدُه". وأبو وائل هو شقيق بن سلمة روى عن عمر وعلي وعمار وغيرهم وعنه الأعمش وغيره.

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "ولما كان الربُّ سبحانه واجبَ الوجود لذاته قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء وكان كل مولود مُحدَثًا انتفت عنه الوالدية، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فتتوالد انتفت عنه الولدية ومن هذا قوله تعالى {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام من الآية:101]" انتهى كلام ابن حجر.

وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}؛ قال الحافظ: "ومعنى الآية أنه لم يماثله أحد"، فالله تعالى لا نظير له بوجه من الوجوه، والكفء: المثيل.

علماً بأن سورة الإخلاص والمعوذتين ومعهما آية الكرسي هن تتمة أذكار الصلاة.

Editorial notes: شارك في التنسيق: رانيا قنديل

سهام علي

كاتبة مصرية، تخرجت في كلية الإعلام، وعضوة في هيئة تحرير موقع طريق الإسلام.

  • 3
  • 0
  • 13,582
المقال السابق
[17] آية الكرسي
المقال التالي
[19] سورة الفلق

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً