الاستغفار وأهميته في حياة المسلم

منذ 2016-06-22

من رحمة الله تعالى بعباده أن يسر لهم عبادة جليلة، وطاعة عظيمة، سهلة ويسيرة يُطيقها كلُّ أحد، ويمكن أن تؤدى في كل وقت من ليل أو نهار

من رحمة الله تعالى بعباده أن يسر لهم عبادة جليلة، وطاعة عظيمة، سهلة ويسيرة يُطيقها كلُّ أحد، ويمكن أن تؤدى في كل وقت من ليل أو نهار، وهذه العبادة هي ديدنه عليه الصلاة والسلام في كل أحيانه، فكان يواظب عليها، ويداوم على فعلها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (رواه البخاري)، وهي داخلة في ذكر الله تعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب:41].

فنتوقف اليوم مع هذه العبادة وهي عبادة الاستغفار، وهي دواء الذنوب النافع، «فإنَّ اللَّهَ لم يضَعْ داءً إلَّا وضعَ لَهُ شفاءً» (كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني).

ودواءنا اليوم هو الاستغفار. فالاستغفار ذِكْرٌ لله تعالى، واعتراف للمنعم بالتقصير، ودعاء بالمغفرة، والاستغفار دواء ناجع، وعلاج نافع، فهو يقشع الهموم، ويزيل الغموم.

الاستغفار دواء للذنوب:

فقد خلقنا الله تعالى لعبادته، وطاعته، والشيطان عدو للإنسان يشغله عن عبادة ربه، ويغويه لارتكاب الذنوب والمعاصي، فما المخرج والملجأ من غواية الشيطان إلا بالاستغفار، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلا أَدُلُّكُم عَلى دَائِكُمْ وَدَوَائِكُمْ، أَلا إِنَّ دَاءكُمُ الْذُّنُوب، وَدَوَاءُكُم الاسْتِغْفَار» (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب). قال الربيع بن خثيم مرة لأصحابه: ما الداء؟ وما الدواء؟ وما الشفاء؟ قال: "الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود" (الزهد لإمام أحمد).

معنى الاستغفار في اللغة:

الاستغفار مصدر من استغفر، من مادة غفر التي تدل على الستر، ومن أسماء الله تعالى الغفور، والغفار وغافر الذنب: الغفار هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى، والغفور بمعنى الغفار.

ومعنى الاستغفار في الاصطلاح:

الاستغفار من طلب الغفران، والغفران تغطية الذنب وستره بالعفو عنه. أستغفر أي أطلب منك يارب تغطية الذنوب وسترها. والاستغفار فيه أمان من العذاب، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال :33].

وقد كثر ذكر الاستغفار في القرآن الكريم، فتارة يؤمر به كما في قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل:2] وتارة يمدح أهله، ويعتبره من صفات المتقين كقوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17]، وتارة يذكر الله عز وجل أنه يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء:110].

وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح.

وحكم الاستغفار كحكم الدعاء، إن شاء الله تعالى أجابه وغفر لصاحبه لاسيما إذا خرج من قلب منكسر بالذنوب، أو صادف ساعة إجابة.

إن المداومة على الاستغفار له تأثير عجيب بإذن الله تعالى في دفعِ الكروب، ومحوِ الذنوب، ونيلِ المطلوب، وإخراجِ الغل من القلوب، وتفريجِ الهموم، وإزالةِ الغموم، وشفاءِ الأسقام، وذهابِ الآلام، وحلولِ البركة، والقناعةِ بالرزق، والعاقبةِ الحميدة، وصلاحِ النفس، والأهلِ والذرية، وإنزالِ الغيث، وكثرةِ المال، والولد، وكسبِ الحسنات، وغيرِ ذلك من الفوائد، وسوف نتحدث لاحقا عن ثمرات الاستغفار.

المداومة على الاستغفار: ومن أفضل الاستغفار أن يقول العبد: "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قاله: "غفر له وإن كان فر من الزحف" رواه الترمذي وصححه الألباني. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما  قال: "إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» (رواه أبو داود وصححه الألباني).  وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة» (رواه مسلم).

وأفضل الاستغفار أن يبدأ بالثناء على ربه تعالى، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل ربه سبحانه بعد ذلك المغفرة، كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (رواه البخاري). وقوله: « أبوء لك بنعمتك علي» أي: أعترف لك، و"أبوء بذنبي" أي أعترف وأقر بذنبي.

وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمـًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (رواه مسلم).

أهم الأسباب التي يغفر الله عز وجل بها الذنوب:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئـًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فقول الله تعالى: «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي» يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره.

وقد تضمن هذا الحديث أعظم أسباب المغفرة: الدعاء والاستغفار، وتوحيد الله تعالى، وأولها: الدعاء مع الرجاء: فإن الدعاء مأمور به، موعود عليه بالإجابة كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]، فالدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه، والتي منها حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبـًا لم يرج مغفرة من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله تعالى.

وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء» (رواه مسلم)، فذنوب العباد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها، كما تمثل الإمام الشافعي عند موته بهذه الأبيات:

وَلمّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَت مَذَاهِبِي ***  جَعَلْتُ الرَّجَـا مِنِّي لِعَفْوكَ سُلَّمـًا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمـَّـا قَرَنْتُهُ  ***   بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَـفْوُكَ أَعـظَمَ

ومن أعظم أسباب المغفرة، الاستغفار:

فلو عظمت الذنوب وبلغت كثرتها عنان السماء، ثم استغفر العبد ربه عز وجل، فإنه يغفرها له.  ورد عن لقمان أنه قال لابنه: "يا بني عود لسانك اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً". وقال الحسن: "أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متي تنزل المغفرة".

ومن أعظم أسباب المغفرة التوحيد:

وهو السبب الأعظم ومن فقده حُرِمَ المغفرة، ومن أتى به، فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:166]، قال ابن القيم في معنى الحديث: «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئـًا، لأتيتك بقرابها مغفرة»

 يُعْفَى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك، فلو لقى الموحد الذي لم يشرك بالله البتة، لقي ربه بقراب الأرض خطايا: أتاه بقرابها مغفرة. ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضةٌ، والدافع لها قوي، ومعنى "قُراب الأرض": ملؤها أو ما يقارب ذلك، ولكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر بفضله ورحمته، وإن شاء عذب بعدله وحكمته، وهو المحمود على كل حال".

قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية. فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيمـًا وإجلالاً ومهابة وخشية ورجاء وتوكلاً. وحينئذٍ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كما أن الله عز وجل لا يقبل طاعات المشركين، فنرجو أن يغفر الله عز وجل ذنوب الموحدين".

وإن شاء الله تعالى سوف نتحدث في المرة القادمة عن ثمرات الاستغفار، وآدابه.

كاتب المقال: عائشة محفوظ

  • 6
  • 0
  • 20,685

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً