خطب مختارة - [102] الشفاء في منع اختلاط النساء بالرجال

منذ 2016-08-04

إن أعقل الناس في البلاد الغربية التي جربت الاختلاطَ وذاقت ويلاتِه وقاست مساوِءَه ينادُون بقوة إلى منع اختلاط الرجال بالنساء في بلادهم، بعد أن أحسُّوا بالخطر الداهم، وأعلنوها صريحةً مدوِّية بعد طول عناء.

الخطبة الأولى

إن من عظمة هذه الشريعة ما حفلت به نصوصُها وقواعدها من بيان الوسائل التي تُدرَأ بها المفاسد، وتُسَدُّ بها منافذُ الشرور، وتُحرَسُ بها ساحةُ الحق، وتُحمى بها حِمى الفضائل. وإنَّ الحِكَم التشريعية في سدِّ الذرائع التي يُتوصَّل بها إلى المحظور تتجلى في أبوابَ شتى من أبواب العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها، غيرَ أن من أوضح صور ذلك ما شرعه سبحانه لنساء المؤمنين، وما حدَّه لهن من حدود، وما خطّ لهن من مسالك؛ أصابت بها المرأةُ المسلمة حظًّا موفورًا في التميّز والطهارة وسلامة السيرة.

وإن في طليعة ما شرعه الله في حق المؤمنات إيجابَ الحجابِ ومنعَ الاختلاطِ بالرجال، وإنهما تشريعان مقترنان متلازمان، فكما يجب الإذعان لما أوجبه الله من حجابٍ كاملٍ سابغ ساتر يصُون العفاف ويحفظ الطُّهر، ويستبقي الحياء ويدفع الإيذاء، لقوله سبحانه: {يٰأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، كذلك يجب الإذعان أيضًا لما نهى الله عنه من اختلاط النساء بالرجال، وقد نصَّت عليه أدلةٌ صحيحة صريحة واضحة بيِّنة؛ منها حديث عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان الشيطانُ ثالثَهما» [صحيح ابن حبان: 5586]، وحديث عقبةَ بنِ عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيتَ الحمو؟ يريد أقاربَ الزوج غير المحارم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الحمو الموت» [صحيح البخاري: 5232]، أي: أن الخطر يكون معهم أشد .

أيها الإخوة المؤمنون؛ إن الإسلام لم يمنع المرأة من الخروج من بيتها لقضاء مصالحها، وإنما جعل لذلك ضوابطَ لمصلحتها ومصلحة مجتمعها، وحدّد في ذلك أسباب السلامة، حِفاظًا على كيان الأسرة المسلمة، وطهارةِ قلوبِ الرجالِ والنساء من الفتنة والانحراف.

عباد الله، إن قضية الاختلاط قضيةٌ قديمة تتجدَّد في هذه الأزمنة، حيث يقفُ المروّجون لها في كل زمان ومكان، يحسدوننا على حياة الطهر والعفاف.

إن دعاة الاختلاط لا يُهمُّهم صيانةَ الأعراض، ولا يفهمون معنًى للشَّرف والعِرض، إنما هي في نظرهم كلماتٌ فقدت معانيَها القديمة؛ وَوَأَدتْها الحضارةُ المعاصرة ؛ فيرون الانطلاق من القيود المتحجِّرة زعموا، أصواتٌ شاذة تدَّعي أن الاختلاط لا ضرر منه، وأن فيه مصالح كثيرة، ونقول لهم جميعًا: اسألوا الحضارة الغربية المتهالكة: ماذا جنته من الاختلاط ؟ انحطاطٍ خُلُقي، وآثارٍ مدمرة، واقع الحال أن الاختلاط في البلاد الغربية لم يزد الناس إلا سُعاراً بهيميًا، وهتكًا للأعراض، وتوقّداً للشهوة، وزيادة للجرائم، وفسادًا للأخلاق.

إن أعقل الناس في البلاد الغربية التي جربت الاختلاطَ وذاقت ويلاتِه وقاست مساوِءَه ينادُون بقوة إلى منع اختلاط الرجال بالنساء في بلادهم، بعد أن أحسُّوا بالخطر الداهم، وأعلنوها صريحةً مدوِّية بعد طول عناء.

إخوة الإسلام؛ إن الاختلاط متعةٌ شيطانية مُغرية، تجعل الشباب يؤخر التفكير في الزواج، وتُفقِد المتزوجَ رابطَ الزوجية المتين، إنه عاملُ هدمٍ للحياة الأسرية، ومُنغّصٌ لاستقرارها؛ لأنه في المجتمع المختلَط لن يقنع أحدٌ بما رزقه الله، وتكثر الشكوك والغيرة بين الأزواج، كما تكثر الخيانات الزوجية. فالاختلاط من أكبر الأسباب الميسِّرة للفاحشة، فهو يحرّك في النفس نوازعَ الشر، ويولِّدُ الإغراءَ والإغواء والفساد.

أيها الإخوة الكرام، إن للاختلاط المحرّم في مجتمعاتنا صورٌ متعددة، منها: اختلاط بعضِ النساء مع رجال غير محارم بحجة القرابة وطهارة النفس، ومن هذه الصور التساهل في خلوة خطيب الفتاة بها؛ وربما خروجُها معه قبل العقد بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا، كذلك من هذه الصور عدمُ الضوابط الشرعية في تعامل الأسرة مع السائقين والخدم، كذلك أيضًا اختلاط النساء بالرجال الأجانب عمومًا بحجة أن القلوب بيضاء، وأيضًا اختلاط الطالبات بالطلاب في بعض التخصصات العلمية بالجامعات والمعاهد وغيرها، ومن الصور المحرمة أيضًا الاختلاط في بعض دوائر العمل والمحلات التجارية والمنتزهات، والمكاتب والمعامل والمستشفيات، بدعوى الضرورة؛ وعند النظر والتأمل لا يوجد فيها ضرورة تبيح الاختلاط . وتزداد مشكلة الاختلاط إذا قصد استمراره، وكذلك إذا ربط بترك الحجاب، وكذلك إذا كان تعامل النساء بالرجال بشكل متواصل. كل ذلك يورث الفتنة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه بعض الصور لهذا الاختلاط المحرم الذي له آثاره السيئة في مجتمعاتنا.

أصلح الله أحوال بيوتنا ومجتمعاتنا، ورزقنا العفة والطهر، وحمانا وأهلينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أقول ما سمعتم.

الخطبة الثانية

إن من قواعد الشرع المطهر أن الله إذا حرّم شيئًا حرم الأسباب والطرقَ والوسائل المفضية إليه، تحقيقًا لتحريمه، ومنعًا من القرب من حماه، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} [الإسراء:32]، فالنهي في هذه الآية عن الاقتراب من الزنا يَشمَل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه، فإنَّ مَن حام حول الحمى يوشك أن يقعَ فيه، يقول ابن القيم رحمه الله: "واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا".

إخوة الإيمان، إن من حرص الشريعة على إبعاد أسباب الفتنة أن رغّبت في التباعد بين الرجال والنساء؛ وعدم الاختلاط بينهم حتى في أماكن العبادة، كالصلاة التي يشعر فيها المصلي بأنه بين يدي ربه بعيدًا عما يتعلقُ بالدنيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» [صحيح مسلم: 440]، وما ذاك إلا لقرب أول صفوف النساء من الرجال إذا كانوا في مصلى واحد، قال النووي رحمه الله: "وإنما فُضِّل آخرُ صفوفِ النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهنّ عن مخالطة الرجال، وذُمّ أولُ صفوفهن لعكس ذلك".

وعندما خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم من المسجد فرأى شيئا يسيرًا من اختلاطِ الرجال بالنساء في الطريق قال للنساء: « استأخرن، فإنه ليس لكن أن تُحققن الطريق، عليكن بحافَّات الطريق» [السلسلة الصحيحة: 2/512]، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبَها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. وأخبر رسول الله صلى الل عليه وسلم أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن» [مسند أحمد: 7/234].

يقول ابن القيم رحمه الله : "ولا ريبَ أن تمكينَ النساء من اختلاطهن بالرجال أصلُ كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتَّصلة " انتهى كلامه رحمه الله.

فيجب علينا عباد الله أن نحذر من مظاهر الاختلاط كلها؛ ونحذر منها،ونتجنب الأماكن التي فيها اختلاط قدر استطاعتنا.

اللهم ارزق بيوتنا ومجتمعاتنا الطهر والعفاف والحشمة والحياء. اللهم ارزقنا ونساءَنا وأبناءَنا وبناتِنا محبةَ أمرك وأمر رسولك صلى الله عليه وسلم، والامتثالَ لشرعك. اللهم اكفنا وطهر بيوتنا ومجتمعانتا من شرور دعاة التبرج والاختلاط .

  • 3
  • 0
  • 5,991
المقال السابق
[101] الشعوذة في الفضائيات
المقال التالي
[103] الشكر عند النِعم

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً