هكذا تتنغص الحياة الزوجية

منذ 2016-08-22

لئن كان من أسباب السعادة: معرفةُ كلٍّ من الزوجين ما له وما عليه؛ فمن المنغصّات العظيمة: أن يتجاوز أحدُهما هذا الأمر، فتجد الزوجةَ تطالب زوجَها بحقوقها وهي مقصّرة ببعض حقوقه، أو العكس، فمِن الرجال مَن هو شديدٌ في مطالبته بحقوقه، لكنه لا يبالي بما قصّر من حقوقها..

إن الحمد لله....، أما بعد:

فإن المتأمل في جميع الأحكام والتشريعات والآداب التي جاءت بها الشريعةُ الإسلامية في أبواب الأسرة سيدرك أن من أعظم مقاصدها أن ترفرف السعادةُ على بيوت الزوجين، وكذلك الأولاد، وقد كنا قبلَ أسابيع تحدثنا عن بعض القواعد التي ذُكرت في القرآن والسنة لتحقيق هذه السعادة، واليوم نشير إلى بعض المنغصات التي تكّدر هذه الحياة الزوجية، من باب استبانة الحق بطرفَيه، ببيان الحق وبيان ضدّه، فإن من الناس من لا تتضح له الصورةُ إلا بذكر الضد، وقد قيل: وبضدّها تتميز الأشياءُ.

أيها المسلمون: لئن كان من أسباب السعادة: معرفةُ كلٍّ من الزوجين ما له وما عليه في ضوء قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة من الآية:228]؛ فمن المنغصّات العظيمة: أن يتجاوز أحدُهما هذا الأمر، فتجد الزوجةَ تطالب زوجَها بحقوقها وهي مقصّرة ببعض حقوقه، أو العكس، فمِن الرجال مَن هو شديدٌ في مطالبته بحقوقه، لكنه لا يبالي بما قصّر من حقوقها، بزعم القوامة، وتعظيم حقّه، ونحو ذلك، وهكذا في صراعٍ على الحقوق ينتهي إما بطلاقٍ أو بحياةٍ متأزمة، مكتومةِ الأنفاس، لا يجد فيها الزوجان طعمَ المودة والرحمة.

وفي المقابل.. فإن بعض الزوجات يطردن السعادةَ من بيوتهن حينما تنقلب إلى امرأةٍ مسترجلة، متسلطة، آمرةٍ ناهية! وعندَ التجمّل يرى منها زوجُها عند خروجها للمناسبات ما لا يرى رُبعه أو نصفه في بيته!

ومن أسباب تنغيص الحياة الزوجية: التطلع إلى ما عند الآخرين، ومقارنة الحياة معهم، خاصة مع الأقارب أو مع العُدَلاء، فقد يتفق أن يكون بعضُ العدلاء فيهم الغني وفيهم الفقير، وقلّ مثل هذا في الأقارب، وسرُّ هذا شيءٌ واحد، لو استقرّ في البيوت لنَعِمت بسعادةٍ عظيمة، ألا وهو القناعة، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه مسلم-: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنّعه اللهُ بما آتاه» (صحيح مسلم [1054])، وليَعلم كلُّ متطلعٍ أنه ما من حالٍ من أحوال الدنيا إلا وفوقها حالٌ أكثر رفاهيةً وتنعمًا، وسيظل القلبُ في عذابٍ ما دامت نفسُه تتطلع بهذه الصورة، وفرقٌ بين أن يَسعى الإنسانُ إلى تحسين مستوى معيشتِه، وبين أن يجعل سعادتَه مرتبطةً بهذا.

وقد ازدادت حمّى هذا التطلع اليوم، واتسع نطاقُها مع وسائل التواصل التي صار الناسُ ينقلون فيها أخبارَ أسفارهم، وأعراسِهم، وتنقلاتهم، فصارت الزوجةُ والأولادُ يضغطون على الأبِ المسكين بضرورةِ محاكاةِ أفعالِ هؤلاء، وهذا بلا ريب امتحانٌ قويٌ للأب، لكن عليه أن يجتهد في توضيح حقيقةِ السعادة، وأن الكنزَ الأكبر لها ـبعد طاعة اللهـ هو القناعة.

ومن منغصات الحياة الزوجية: الحساسيةُ المفرطة من قِبَل الزوجين، فتجد بعضَ الرجال لا يكاد يَغفر زلةً، ويُضخّم أي خطأ، وربما وقع في كفرانِ العشير وهو لا يَشعر، فما إن يقع تقصيرٌ غيرَ مقصودٍ في صنع طعام، أو تجهيزِ ثوبٍ إلا ويُقيم الدنيا ولا يُقعدها، وكأن الزوجةَ أو أهلَ البيت قد تعمّدوا ذلك! أو هو عادة لهم!

وفي المقابل.. فمن النساء من لا تحتمل شيئًا يأتيها من قِبَل الزوج أو أهله، فتجدها تَعرِض على زوجها كلَّ موقفٍ مرّ بها: أمك وبختني، أبوك نهرني، وأختك قلّلت مِن قيمتي، وقد تلاقي زوجَها المسكين بمثل هذا وهو قادمٌ من عمَلِه! فيتكدر الصفو! وتتنغص الحياة! وقد يَصِل بالزوجِ -بسبب سوء التوقيت والأسلوب- إلى الطلاق!!

والحلّ الذي لا بدّ منه: التقليلُ من مستوى الحساسية، وعدم جعل هذه المواقف العارضة مشاكلَ تنغّص، فإذا تكررت التمس كلٌ من الزوجين الوقتَ المناسب لحلّها.

ومن منغصات الحياة الزوجية: إفشاءُ الأسرار، أو نقل المشكلات بين الزوجين خارجَ الأسوار، إلا على سبيل الاستشارة لشخصٍ عاقلٍ كاتمٍ للسر، فليكن هذا من خارج أسرة الزوجين، وسبب كونه منغصًا: أن نقل المشكلة خارجَ السوْر يزيد من تعقيدها، وبدلًا من أن يكون الجهدُ مركّزا على إقناع طرفين؛ فسيكون الجهدُ مبذولًا لإقناع أربعةٍ أو ستةٍ وربما أكثر! فليجتهد الزوجان ما استطاعا في حل مشكلتهما، فإن تعذّر فليكن المستشارُ من خارج أسرة الزوجين.

ومن أسباب تنغيص الحياة الزوجية: اختفاءُ أو ضعف تبادل كلمات الحب والتقدير والاحترام بين الزوجين، فإن خفاءَها يعني صبَّ مزيدٍ من أكوام الجفاف على الحياة الزوجية، بل وعلى عموم أفراد الأسرة.

والعكس صحيح: فإن من أسباب السعادة، بل من أحسن ما تستقيم به أحوالُ الزوجين، وأفضل ما تُبنى عليه حياتُهما: سماع كلماتِ المودّة والاحترام بين جميع أفراد الأسرة، وبين الزوجين خصوصًا، ولقد كان سيدُ ولد آدم، المتربّعِ على عرش الأخلاق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع أزواجه رضي الله عنهن، ولسنا بخيرٍ منه حتى نستنكف عما فعلَه، ولقد سُئل عن سببِ مودّته وحبّه لخديجة فقال: «إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد» (صحيح البخاري [3818])، «إني قد رُزقت حبَّها» (صحيح مسلم [2435])، فلم يتردد بالتصريح بحبّه لزوجته رضي الله عنها، ولما امتدح اللهُ حُورَ الجنة ذكر مِن جميل أوصافهن كونهن {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة:37]، والعَروب: هي المتحبّبة إلى زوجها، والحياة الزوجية التي يُفقَد من قاموسها تلك الكلمات الطيبة الجميلة، والعبارات الدافئة؛ حياةٌ قد غاب عنها نجمُ السعادة، نسأل الله أن يجنّب بيوتَنا أسبابَ الشقاء، وأن يرزق الأزواجَ معرفةَ فقهِ الحياة الزوجية، والتحقق بأسبابِ السعادة.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله...، أما بعد:

فمع دخول شهر شعبان يَكثر الحديث عن مسألتين:

الأولى: عن حكم الصوم بعد منتصف شعبان، وهل الحديث الذي روي: "إذا انتصف شعبانُ فلا تصوموا" صحيح؟

والمسألة الثانية: عن صحة الأحاديث الواردة في فضل ليلة النصف من شعبان.

أما حديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، فإنه حديث ضعيف، وقد نصّ على ضعفه: الإمامُ أحمد، وابن معين، ومسلمٌ، وغيرهم من كبار الحفّاظ، وعليه فمَن كان عليه صومٌ من القضاء، أو اعتاد صومَ الإثنين والخميس، أو صوم يومٍ وفطر يوم؛ فليستمر ولا يضرّه ذلك، إنما الذي صح به الحديثُ: أن يتعمد الإنسانُ صومَ اليومين اللذَين يسبِقان رمضان، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تقدّموا رمضان بصومِ يومٍ ولا يومين، إلا رجلٌ كان يصوم صومًا فليصمه» (صحيح البخاري [1914]، صحيح مسلم [1082]).

أما الأحاديثُ الواردة في فضل ليلةِ النصف من شعبان، كحديث: "يطّلع اللهُ عز وجل إلى خلقه ليلةَ النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لاثنين: مشاحنٍ، وقاتلِ نفس"، وحديث: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلَها، وصوموا نهارَها؛ فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مِن مستغفرٍ لي فأغفر له، ألا مسترزقٍ فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر"، وحديث: "إن الله ليطّلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن"، فلا يصحّ منها شيءٌ أيضًا، وقد نص على ذلك بعضُ الحفّاظ؛ كأبي جعفر العقيلي، والبيهقي، وابن القيم، وغيرهم.

ولولا كثرة السؤال عنها، وتداولها في مواقع التواصل؛ ما نبّهتُ عليها، ولكن للأسف صار كثيرٌ من الناس يَنقل ويُرسِل دون تثبّت، أما المتثبِّت فهذا يُشكَر ويُدعا له.

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا.. اللهم بلّغنا رمضان.


___________

ألقيت في 13/ 8/ 1437هـ.

عمر بن عبد الله المقبل

الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم.

  • 0
  • 0
  • 6,561

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً