نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

مفاهيم مهمة.. حول الشريعة والأمة 2

منذ 2016-11-29

الغرض من إفراد الله تعالى بالطاعة والاحتكام لشرعه، أن يرد البشرُ أمرَهم إلى الله وحده، بخضوعهم إليه في شؤون حياتهم كلها

(2) احتكامنا لشريعة الله.. تحقيق لعبوديتنا لله

• بعث الله – تعالى - رسله جميعًا من أولهم إلى آخرهم بالتوحيد، وأنزل لذلك الكتب كلها، فبالتوحيد أمر الله الأولين والآخرين، والقرآن مملوء بالدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة عليه ، في الدنيا والآخرة. وجوهر هذا التوحيد: إخلاص الدين كله لله، وإثبات إلهيته في القلوب، وتصديق ذلك بالعمل، ونفي إلهية ما سوى الله تعالى. يقول ابن تيمية  رحمه الله: (إِنَّ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَلاَ يُدْعَى إلاَّ هُوَ، وَلاَ يُخْشَى إِلاَّ هُوَ، وَلاَ يُتَّقَى إِلاَّ هُوَ، وَلاَ يُتَوَكَّلَ إِلاَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونَ الدِّينُ إِلاَّ لَهُ لاَ لأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَأَلاَّ نَتَّخِذَ المَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُلُوكِ وَغَيْرِهِم). (منهاج السّنّة النّبويّة لابن تيميّة: (3/ 490)) .
• وحقيقة التوحيد – كما قال ابن القيم رحمه الله-: (أن تَغْنَى بعبادة الله عما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وكذلك بموالاته، وسؤاله والاستغناء به، والتوكل عليه، ورجائه ودعائه والتفويض إليه، والتحاكم إليه، واللجأ إليه والرغبة فيما عنده) (مدارج السالكين "(3/ 483)). فهذا التوحيد - بما فيه التحاكم إلى شرع الله والرضا به وعدم الرضا بغيره - هو الغاية المطلوبة في جميع مقامات العباد وأحوالهم وأعمالهم.
• عندما يُحقِق المكلفون في أنفسهم التوحيد بهذا المعنى؛ فإنهم بذلك يتواءمون مع الناموس العام للخلق، ويتناسق موقفهم في الكون مع بقية الخلائق المسخرة المنقادة لله -تعالى- طوعًا أو كرهًا، كما قال سبحانه {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّـهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]. فالكل منقاد مسيَّر، والجميع مقهور مسخر: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]
• إن الآية استوعبت ذكر المخلوقات المشاهدة في الطاعة والخضوع، ولكن الناس وحدهم الذين لم تستوعبهم الآية: {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} إن كثيرًا منهم يسجدون طائعين، ولكنَّ كثيرًا منهم {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} لأنهم عن الشريعة متكبرون .. فالمكلفون وحدهم الذين يقفون موقف الاختيار بين الإيمان والانقياد، أو العصيان والإلحاد، وذلك أيضا في جانب الأعمال الإرادية فقط، وإلا؛ فهذا الإنسان أيضًا - إذا استثنينا أعماله الاختيارية– وجدناه كذلك خاضعًا لله في أعضائه وأجهزته المختلفة، وأفعاله الاضطرارية، وحياته وموته، ونومه ويقظته بما ينطق بعبوديته القهرية لله تعالى.
• الغرض إذن من إفراد الله تعالى بالطاعة والاحتكام لشرعه، أن يرد البشرُ أمرَهم إلى الله وحده، بخضوعهم إليه في شؤون حياتهم كلها، حتى يتحقق معنى شهادة أن لا إله الله بإفراد الله بالربوبية والإلهية، وهما لا يكْمُلان إلا بالطاعة والانقياد لأمر الله وحكمه وشرعه. وإذا فعل المكلفون ذلك أزالوا عنهم تبعة التناقض مع الكون كله. وبهذا يتحقق معنى العبودية والإذعان لله بالوحدانية، بأن يشهد العبد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والرزق والتدبير والحكم قدراً وشرعاً، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، وأن الخلق مقهورون في قبضته جل وعلا.
• وبهذا أيضًا يتحقق الرضا الذي لا يذوق المرء طعم الإيمان إلا به، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طَعْم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً» (أخرجه مسلم:56). يقول ابن القيم عن هذا الرضا: (وأما الرضا بدين الله، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى، رضي كل الرضا، ولم يبقَ في قلبه حرجٌ من حكمه، وسلَّم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها، أو لقول مقلده وشيخه وطائفته). (مدارج السالكين (2/118)) .

  • 0
  • 0
  • 370
i