قارون

منذ 2016-11-30

قارون، لقد كان من قوم موسى، كان واحدًا منهم، تجري في عروقه دماؤهم ويحمل وجهه شبهًا بملامحهم لكنه في الحقيقة كان مختلفًا

قارون، لقد كان من قوم موسى، كان واحدًا منهم، تجري في عروقه دماؤهم ويحمل وجهه شبهًا بملامحهم
لكنه في الحقيقة كان مختلفًا!، فبخلاف المستعبدين المطحونين من قوم موسى كان قارون شيئًا آخر على الأقل في الظاهر الملموس، لقد مثَّل قارون الذراع الآخر لسلطة فرعون...المال.

لعل غناه والثراء الفاحش الذي كان يرفل فيه هو ما حجبه عما تعرض له قومه من الذلة والاستضعاف
لعل ذلك الثراء هو الذي دفع فرعون للتحالف معه ليقدما سويًا صورة نمطية من صور التحالف العتيق الذي عرفته البشرية دومًا....التحالف بين السلطة والمال.

ولقد صنع مال قارون في بني إسرائيل ما لم يفعله سيف فرعون وسوطه!، هذه هي الحقيقة التي يخلص إليها من يتأمل قصة ذلك الثري المتكبر الذي استطاع بزينته أن يفتن قومه أو كثيرًا منهم، كذلك فعل قارون...وكذا يفعل كل قارون.
كل من بغى على قومه ليمتص من خلال بغيه  كنوزًا يستعملها بعد ذلك في مزيد من استعبادهم وتركيعهم ثم لا يكتفي بعد ذلك بالاستعباد والإذلال والظلم بل يتطور الأمر لأن يستعمل الأموال والكنوز في فتنة الخلق وإضلالهم، وما أكثر من ينجحون في ذلك.
إن قصة قارون في القرآن ودوره في حكاية بني إسرائيل يمثِّل بوضوح ما يمكن أن يفعله المال والزخرف والزينة في نفوس القوم، وليس أي قوم، إنهم أناس يحيا بين ظهرانيهم نبيان منهم رسول من أولي العزم ولطالما رأوا بين يديه الآيات والمعجزات وأبصروا كيف أحرج الطاغية فرعون وكيف أظهره الله عليه في كل مشهد

لكنهم رغم كل ذلك فتنوا بقارون وقالوا عنه ما لم يقولوه عن نبيهم المكلم، فبينما واجهوا نبيهم باللوم مرارًا وقالوا له : {قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف جزء من الآية: 129] وقالوا: {أَرِنَا اللَّـهَ جَهْرَةً} [النساء جزء من الآية: 153] وقالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة جزء من الآية: 67] بل وتطور الأمر إلى أن وصل للإيذاء بالقول وربما لو تجرأوا على قتله لفعلوا كما فعلوا بغيره من الأنبياء فريقا كذبوا وفريقا قتلوا
بينما فعلوا كل ذلك مع نبيهن بل مع أنبيائهم كان رد فعلهم تجاه قارون مختلفا تمامًا.
{إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص جزء من الآية: 79] هكذا قالوها وكذلك كان تقييمهم لمن بغى عليهم وظلمهم أو كما يقال عن مثلهم كالقط يحب خانقه!، فقط لأن خانقه خرج بزينته، يالحماقتهم!!

وإن كثيرا من المفسرين ليرون أن الأحداث المتعلقة بقارون إنما حدثت في زمن التيه ويذكرون في إطار ذلك بعض الآثار عن حقد قارون على ابن عمه موسى وكيده له وأن الخسف حدث لأجل ذلك الكيد، والبعض يرى أن  الأصح هو وقوع تلك الأحداث قبل خروج بني إسرائيل من مصر، وذلك الرأي الأخير هو ما أميل إليه وأرى أن السياق القرآني يؤدي إليه بقوة كما يدعمه النظر والمنطق إذ كيف يتصور في زمن التيه أن يصل قارون إلى ذلك الحد من الثراء أو أن تكون لديه مثل تلك الدار التي خسف بها بعد ذلك وأنَّى له تلك الخزائن الهائلة التي تنوء بحمل مفاتحها العصبة أولو القوة؟!
أين تلك الموارد التي وفرت له هذه الثروات في صحراء التيه وكيف خرج بهذه الخزائن وعبر بها البحر مع موسى إن قلنا أنه حصلها في مصر؟
أضف إلى ذلك اقتران اسمه المتكرر في القرآن بضلعي البغي الآخرين فرعون وهامان بل وتقديم اسمه على اسميهما في سورة العنكبوت

{وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ *فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 39-40]

كذلك ما نزل في سورة غافر من إجابة مشتركة أجابها الثلاثة على دعوة موسى واشتركوا من خلالها في تهديد من آمن معه بالقتل {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر:23-25]، فهل يتصور أن يهدد قارون موسى بمثل ذلك بعد عبور البحر والغياب في التيه؟!

الحقيقة أن ما يؤكده السياق وترتاح إليه النفس هو ذلك القول بأن قارون كان ضلعًا من أضلاع المثلث الباغي في مصر، كان ذراعًا من ذراعي فرعون، ذراع المال جنبا إلى جنب مع ذراع النفوذ والتخطيط والتنفيذ وهو ذراع هامان، والله تعالى أعلم
و ثراء قارون لم يكن أبدا ثراءً عاديا أو مألوفًا، إن التعبير القرآني عن ثراء قارون يُعد من أعجب التعابير وأكثرها إبهارًا
لم يحدثنا الله عن وزن الكنوز نفسها ولا عن حجم خزائن أمواله الطائلة، ولكن حدثنا عن المفاتح وهي جمع مفتح أي أداة الفتح، وسواء كان القول بأن مقصود الآية هو المفاتح فعلًا أم أن الكلمة استعملت وأريد بها الخزائن فإن المحصلة في النهاية أن الكنوز كانت هائلة، عصبة من الرجال الأقوياء لا يكادون يستطيعون حملها، قيل العصبة من ثلاثة إلى عشرة وقيل أربعين رجلا وقيل ستين وقيل غير ذلك، هذه المفاتح فقط.
فكم يكون عدد الأبواب التي تفتحها؟!، وكيف يكون ما يقبع خلف الأبواب؟!

هذا المال الوفير والثراء الفاحش جاء ذكره بعد شيء آخر امتلكه قارون، البغي  {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص جزء من الآية: 76]

هل كان البغي سبب الثروة؟، هل كان ظلمه لقومه ومساعدته في استعبادهم طريقا لتحصيل أمواله أم كان نتيجة لها؟، هل بغى وظلم لأنه امتلك المال وعلا؟
ربما هذا وربما ذاك، حرف الواو الذي فصل بين الأمرين لا يمكن من خلاله الجزم بالإجابة، لكنه يدلنا على الاقتران بينها لدى قارون، بين المال والبغي، الثروة والتعدي، الكنوز والظلم، وسواء كان الثراء سببًا أو نتيجة فإنه قد اقترن به ..

بالبغي!، ويبدو أن ثمة وعي وحراك دعوي ومساعٍ إصلاحية  كانت موجودة بين القوم حيث ذكر القرآن في بداية الأمر أن القوم لم يسكتوا عن بغي قارون، لقد نصحوا له قومه {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص جزء من الآية: 76].

هكذا عمم القرآن في البداية ولم يخصص، بعد ذلك سيحدث التخصيص وسينسب النصح لأهل العلم ممن فهموا وأدركوا ما نزل على موسى وقاموا بأداء أمانته {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159].
لكن البداية كانت تعميمية مطلقة، {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ}، كأن ذلك الفهم كان الأصل العام الذي يمكن إطلاقه على جميع القوم حتى لو لم يكونوا كلهم قد شاركوا في نصح قارون لكن ذلك كان الوعي الظاهر فيهم، حتى حدثت الفتنة واستطاع قارون أن يعمل فيهم سيف زينته ورماح أبهته وسهام زخرفه وبهرجه فافترقوا، وبعد أن كان القوم على قلب ووعي واحد صاروا بعد فتنة المال فريقين، فريقًا أراد الدنيا وفريقًا أوتي العلم العلم وأراد به الدار الآخرة!.

ألم أقل لك عزيزي القاريء أن فعل مال قارون ببني إسرائيل كان أشد من سيف فرعون وسوطه

- {لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}

هكذا وجه الناصحون كلماتهم لقارون، لا تفرح، لا تتكبر بدنياك، لا تزهو بمالك ورياشك وسلطانك.
ماذا يقولون؟!، بل كيف جرءوا أن يوجهوا خطابهم إليه بهذا الوضوح الحاسم؟!
إنها عزة الإيمان وقوة المعتقد حين تتعاظم في نفس صاحبها فتصغر في مواجهتها  كل زينة وتتضاءل أمامها كل قوة ومنعة، إن الفرح لا يكون بمثل هذه الأشياء التي يفرح بها قارون وأمثاله، الفرح الحقيقي إنما يكون بفضل الله وبرحمته  {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] ، يكون بنصر الله  {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّـهِ} [الروم: 4 وجزء من الآية: 5].

أما الكبر والبطر والأشر والتعالي والبغي والتعاظم بماديات الدنيا فليس من الفرح في شيء إلا اسم لا يحمل من حقيقته مثقال ذرة، إنه فرح بالباطل كفرح المخلفين {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّـهِ} [التوبة جزء من الآية: 81] ، سميت تلك المشاعر فرحًا لكنه فرح زائف لا قيمة له، فرح كفرح قارون لا يحبه الله ولا يرضاه

- { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص جزء من الآية: 77]

هكذا تنهمر قذائف الحق على مسامع قارون متواليةٌ، واضحةٌ، قويةٌ، معبرة..حاسمة.

إنهم يطالبونه بالقصد، إنهم يطالبونه بالميزان الحق والقسط، يدعونه للمنطق البسيط الذي لا يحتاج إلى كثير تعقيد أو تفلسف، أن يعطي للدنيا قدرها ، وللآخرة قدرها ، وشتان ما بين القدرين!

حين ذكروا الآخرة طالبوه أن يبتغى بما عنده إياها؟، هكذا بإطلاق، بدون تقييد، وحين ذكروا الدنيا نصحوه ألا ينسى نصيبه منها.

لا ينسى؟!!، كيف لا يقولون كما يعتقد البعض في التعامل مع الدنيا: انهل وانهش والتهم  مفاتنها؟

فقط .... لا تنسى!!، ومن ذا الذي تختزل علاقته بالدنيا لدرجة أن يحتاج تذكرة بألا يذر نصيبه منها، إنهم أولئك الذين جعلوا الآخرة همهم، أولئك الذين صح لديهم القياس واستقام الميزان وعرفوا للدارين قدرهما دنيا فانية، وآخرةٌ دائمةٌ باقية، دار زوال، ودار قرار، وبقاء ودوام سرمدي ..

هكذا يقيس العقلاء، وهم مع انحيازهم للآخرة وتفضيلهم لعملها وحملهم همها = فإن لديهم من الحكمة ما يجعلهم يؤدون حق دنياهم ولا ينسون نصيبهم منها، أما قارون وكل قارون فلا يعرفون شيئًا عن ذلك إنها فقط دنياهم ونصيبهم منها، بل فوق نصيبهم يريدون أن ينالوا المهم أن تأتي الدنيا بحذافيرها، الدنيا..وحسب

ثم تستمر موعظة الصالحين لقارون ويظهر في كلامهم أكثر فأكثر ذلكم المنحى المنطقي الرائق والحجة التي لا تُرَد وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ عبارة على قصرها فما أجملها وأجمعها، إنها تلخص بسهولة ويسر تلك العلاقة بين المعتقد والعمل، أنت تعتقد أن ما بك من نعمة فمن الله، أن كل خير أنت فيه إنما هو محض إحسان منه

فهل يقابل الإحسان إلا بالإحسان؟!، في شأن قارون كان الأمر له علاقة بأصل المعتقد كما سيأتي في تبريره ونسبه الفضل لعلمه، لكن ماذا عن غيره؟، ماذا عني وعنك ونحن نؤمن أن ما نتقلب فيه من النعم إنما هو محض فضل منه وإحسان؟!، لماذا إذاً لا نحسن كما أحسن ويحسن إلينا؟!، أهي الغفلة؟، أم هو التغافل؟!
أم أننا قد نسينا في خضم الانغماس والانشغال بالأسباب وتحصيلها أنه هو صاحب الإحسان وأن الفضل كله إليه؟!


- {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [ القصص جزء من الآية: 77]

كانت تلك النصيحة هي التي ختم بها القوم موعظتهم الجامعة لقارون، فبعد أن أمروه بابتغاء شيءٍ، نهوه عن ابتغاء نقيضه، أمروه بابتغاء الدار الآخرة ونهوه عن ابتغاء الفساد.

إنها الإشارة الواضحة لذلك الاقتران المتكرر بين وجود المال وورود الفساد والإفساد، إن العلاقة بين المال والفساد علاقة طردية في الغالب إلا من عصمهم الله، ذلك لأن المال يمثل ترخيصا مفتوحا يسمح لصاحبه باقتحام كثير من الأبواب المغلقة ما دام يملك الثمن، لذلك كثيرا ما يصمد الخلق أمام اختبار المنع بينما يرسبون عند امتحان العطاء، حين تفتح الدنيا وينهمر المال فيصير كل شيء سهلا ويصبح الفساد قريبا ميسورا
وطبيعة الخلق أنهم لا يميلون للوحدة ومن ثم يبتغون الإفساد بعد تورطهم في الفساد وذلك لإرضاء أرواحهم المنهكة وإقناع بقايا ضميرهم أنهم ليسوا وحدهم يتقلبون في مخاضة الفساد، فليفسد الخلق معنا ولا أحد أحسن من أحد ولتترسخ القاعدة التي يحاولون دومًا إثباتها...الكل قديس حتى تأتي العاهرة!
من هنا يقترن الفساد بالإفساد ويمهد طريقهما ذلك الذي امتلكه قارون فأفسده وأفسد به، والله لا يحب المفسدين
ولا يصلح عملهم.


- {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص جزء من الآية: 78].

كانت هذه الجملة المختصرة هي كل ما ورد في القرآن من كلماتٍ منسوبةٍ إلى قارون وحده، جملة على قصرها تلخص الأمر كله، هذا هو قارون، وتلك فتنته هذه الأموال والكنوز والخزائن هي بفضلي أنا، بذكائي، بقدراتي وإمكانياتي، بتحصيلي وإدراكي، بجهدي وبذلي، أو هو علم الله بما عندي من أسباب الاستحقاق، ولذلك أعطاني
لأني ببساطة أستحق ولأنه يعلم ما عندي، كل ذلك أو غيره التفاصيل لا تهم، المهم عندي، أن يعود الضمير على شخص واحد...أنا، أنا محور الكون ومركز كل شيء، أنا… وحسب
هكذا كان لسان حال قارون، وكل قارون، إن ذاته قد تعاظمت و(أناه) قد تضخمت لدرجة ابتلعت معها كل الذوات والأشياء المحيطة التي اقتصر دورها في نظره على (التخديم) على تلميع ذاته وإنزالها منزلتها وإعطائها قدرها، ولابد أن تكون ذاته المتضخمة و(الأنا) المتعاظمة حاضرة بقوة في كل مقامٍ ومقال، تلك الذات التي تبهره ويشعر أن واجب الخلق الرئيسي هو أن ينبهروا بها مثله وأن يقفوا إلى جواره مشدوهين بروعته الفائقة وعبقريته الفذة

أما أن ينسب الفضل لربه، أن يقر بأنه وكل ما عنده نفحةٌ من نفحات عطاء وفضل ربه، وإلا فمن علمه؟، ومن وهبه عقلًا يتعلم به؟، ومن خلق ذلك العلم أصلًا؟، أوليس الله رب العالمين؟!، ألا يعلم أن الفضل كله بيده يؤتيه من يشاء؟، أولم يتدبر ما حل بمن هم أقوى منه وأغنى وأكثر؟
{أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص جزء من الآية: 78].

لكنه الإجرام إذا بلغ بالعبد درجة التعالى على مولاه وخالقه، فكيف يُسأل عن باقى طوامه وآثامه؟
{وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص جزء من الآية: 78].

ولعل أعظم الفوارق بين العبد الشكور والعبد الكفور هو ذلك الإحساس والشعور القلبي بنعمة الله واعتراف المرء داخليا بذلك، فالشكر ليس فقط كلمات يتمتم بها اللسان دون أن يدرك لها معنى أو يستشعر لها أثرًا
الشكر حالة وشعور يملأ كيان العبد ويسيطر على وجدانه ويخفق به قلبه وتتسامى به نفسه وتهفو به روحه
والاعتراف بالفضل هو أول درجات تلك الحالة النورانية، ولذلك تجد أن أخطر ما وقع فيه قارون كنموذج لعبد كفور جاحد هو رفض هذا الاعتراف وإنكار ذلك الفضل الذي تجلى في قوله {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}

شتان الفارق بينه وبن عبد آخر شكور كيوسف عليه السلام حين شكر في موضع ابتلاء وهو خلف جدران السجن إذ يقول: {ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّـهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [ يوسف جزء من الآية: 38]
لقد نظر يوسف دومًا للنعمة حتى في خضم النقمة ونسب الفضل لصاحبه حتى آخر لحظة وبعد موجات الابتلاء المتوالية، تجده لا يقول مثلًا: وقد ابتلانى -ولو قال لما جاوز ما حدث- لكنك لا تراه إلا معترفًا بالفضل لله لا يرى فضلًا لسواه قائلًا: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ } [يوسف جزء من الآية: 100]، وكذلك فعل سليمان عليه السلام حين عاين النعم فقال:  {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل جزء من الآية: 40] ، وإبراهيم عليه السلام تجده يعلنها جامعة محكمة فيقول عن مولاه: {إنه كان بي حفيا}

هؤلاء جميعًا وغيرهم من الشاكرين بحق لم يتكلفوا تلك الكلمات وإنما خرجت من قلوب لم تر للنفس فضلًا ولم تشهد إلا فضل الله ونعماءه
كم من أناس -وأنا أولهم- بحاجة للتخلص من ذلك الخلق القارونى الذميم الذي تسرب لنفوس البعض دون أن يشعروا {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}.

وإن نصح الناصحين ووعظ الدعاة الحريصين لم يشكل فارقا لدى قارون، فبعد أن أعلن قولته الشنيعة وزكى نفسه ونسب ما به من نِعَم لعلمه، استمر قارون في غيه وبدأ أخطر مرحلة من مراحل إفساده

المرحلة التي استطاع فيها أن يؤثر على بني إسرائيل ويغير تصوراتهم وليبدأ الانقسام وتتغير الأوصاف ويتحول القوم إلى فريقين، فريق قاصر النظر يريد الدنيا ويحكم على الأشياء بمعاييرها المادية الظاهرة، وفريق أوتي أهله العلم والحكمة فأدركوا حقائق الأشياء وفهموا مآلات الأمور فلم تبهرهم زينة قارون ولم يؤثر بريق زخرفه على بصائرهم، كل ذلك حدث لما بدأ في مخاطبة الأعين السطحية والعقول الخاوية وخرج في زينته {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص جزء من الآية: 79]، ترى كيف كانت تلك الزينة وكم بلغ ذلك البهرج؟!
يقينا بلغ مبلغًا يكفي لزلزلة الأفكار وإعادة ترسيم التصورات {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص جزء من الآية: 79]، هكذا تحدث الذين يريدون الحياة الدنيا وقد سال لعابهم حين عاينوا زينة قارون وأطلت من أعينهم الأطماع العارمة والشهوات الجارفة التي تمنى أصحابها أن يكونوا هناك، مكانه.
{إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص جزء من الآية: 79] لقد صار معيار التقييم مختلفا عما علمهم إياه موسى، لم يعد للدين أو الصلاح أو التقوى مكانا في نظرتهم بل حلت الدنيا محل كل ذلك وصارت أبهتها معيار الحكم على الأشخاص ومن ثم صار قارون رغم جحوده المعلن وبغيه الظاهر، هو الأفضل مكانا والأوفر حظا

إنه تقييم ذلك الصنف الذي خاطبه قارون بخروجه المقصود والذي يحرص على مخاطبته كل قارون، الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين رضوا بها واطمأنوا بأسبابها، الذين يبتغون العاجلة ويذرون الآخرة، هؤلاء من أثرت فيهم فتنة قارون، وكل قارون

أما الذين أوتوا العلم فقد كان لهم قول آخر:

{وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّـهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص جزء من الآية: 80]

هكذا واجه أهل العلم ذلك البريق الذي خطف أبصار القوم وزلزل أفكارهم وشوَّش على استقامة معاييرهم

إلا أنه لم يزل هناك رجال لم تفتنهم تلك الزينة ، ولم تخلب لبهم الزخارف ، ولم يخطف أبصارهم بريق الجواهر، ولا أرهبتهم القوة أو أسكتهم الجاه، أي رجال هؤلاء ، ومن أي معدن نفيس قدت قلوبهم؟ !
إنهم الذين أوتوا العلم، وأتبعوه بالعمل، لقد نغصوا على قارون  فرحته وحاولوا جاهدين صد هجمته على نفوس مريدي الدنيا حين بينوا أنها ليست المنتهى وأن ثمة ثواب آخر و دار أخر خير وأبقى، لكن السياق القرآني لم يذكر رد فعل مريدي الدنيا الآن لم يظهر تجاوبهم مع موعظة أهل العلم أو استجابتهم لتذكيرهم، يبدو أنهم كانوا بحاجة لأمر أعظم أثرا وأشد وطأة من النصيحة فهؤلاء قوم ماديون يرجع تقييمهم  لمعيار وحيد سبق أن أشرنا إليه، معيار ما تراه أعينهم وتلمسه أيديهم وقد كان...

- {لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّـهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} [القصص جزء من الآية: 82] .. قالها الذين يريدون الحياة الدنيا

قالوها وأدركوا معناها بعد أن كانوا منذ قليل يتمنون مكان قارون ويرجون ما عنده ويظنون أنه ذو حظ عظيم
تغيرت مدلولات النعم والمنن وانتقلت من المادية الحقيرة والتقييم على أساس المظاهر الجوفاء والزخرف الزائل، إلى مجرد النجاة من كل ذلك!

{لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّـهُ} ..المنة هنا أن أمنيتهم التي أرادوها منذ قليل ؛ {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ}   [القصص جزء من الآية: 79] لم تتحقق المنة هنا أنهم لم يمتلكوا خزائن تنوء مفاتحها بالعصبة أولي القوة، المنة أنهم حرموا من مسببات الكبر ونسب الفضل للنفس فنجوا من مصير صاحبها، تلك هي المنة التي أدركوا أخيرا أنها منة!

لكنهم للأسف لم يدركوا ذلك بنصح الناصحين ولا بتذكير الصالحين، لم يدركوا لم يفيقوا إلا بعد ثمن فادح دُفع أمامهم وآية لا يرسل الله مثلها إلا تخويفًا، لقد أدركوا وأفاقوا.... بعد الخسف!، وما بعد الخسف يختلف تماما عما قبله!، لن يتمنى أحد بعد اليوم مكان قارون، لن يطيق أحد ما حل به أو يطمع فيما هو فيه، أين الخزائن ومفاتحها؟!، أين الأموال والكنوز الحلي والجواهر، الجاه والسلطان؟، أين ملكه، أين عزه أين كنزه؟، هل نفعه؟!
وهل سينفعه فيما هو مقبل عليه؟، هل سينفعه في الدار التي لم يؤمن بها ولم يبتغها فيما عنده؟!، لا، أبدًا، إن فاقد الشيء لا يعطيه، والسماء لا تمطر ذهبًا ولا لبنًا، ماذا زرعت، وماذا أنت حاصد غدًا؟!

لقد زال وزال معه قصره وأبهته، كل شيء ضاع!، ابتلعته الأرض، خسف به!، فأين هو الآن؟، وأين كل من تكبر وعلا، إنهم جميعا هناك، تحت التراب حيث لا ينفعهم إلا العمل وابتغاء تلك الدار التي لا يجعلها الله إلا للذين لا يردون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين، وإن المعيار هنالك واحد، والمقياس متفرد، عدلٌ لا يحابي، لا يتبدل ولا يتغير، وليس لقارون ولا لأمثاله فيه مكان، ولا لامتدادٍ عظيم شأنه في الدنيا وجود ولا كيان، فهل تحسب أن تجد هناك غير ما هاهنا كان؟

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 2
  • 4
  • 18,143

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً