نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

عرض كتاب: (الحُكم والتحاكم في خطاب الوحي ) – 2

منذ 2017-03-14

13- الأحكام الخمسة: (التحريم والإيجاب والاستحباب والكراهة والإباحة).. كلها محظور على المخلوقين تشريعها؛ سواءً في العبادة والنُسُك، أوفي المأكل والملبس والمنكح، أو فيما يتعلق بأحكام تقديس الأزمنة أوالأمكنة.

وكذلك فيما يترتب على جزاءات هذه التشريعات ثواباً أو عقاباً، وكل تشريعٍ في شيءٍ من هذه الأمور أو جزاءاتها؛ يُعد اعتداءً على أخص خصائص الإلهية، وهي التحليل والتحريم.

14- الأصل في اعتبار الأحكام ونفاذها؛ موافقتها للشرع ومطابقتها للحق، ووظيفة الحاكم والقاضي: الاجتهاد لفهم الحكم الصحيح والقضاء به ثم تنفيذه، فإن جانب حُكمه الصواب فإنه لا يُحل بذاته الحرامَ ولا يُحرم الحلال، فمن قُضي له بشيءٍ ليس في حكم الله ولا رسوله فلا يحل له أخذه، ولو كان صدر به حكم قضائي.

15- للقرآن الكريم في عرض قضية الحكم والتحاكم أساليب متعددة، تعتبر في مجموعها من الأدلة القوية على إيجاب وفرضية الطاعة لما أنزل الله على رسوله، وكثرة هذه الأساليب وتنوعها من الأمور التي تميز الأصول عن الفروع، وتفيد يقينية الوجوب وأهمية الامتثال.

16- إضافةً إلى أدلة الأساليب الإجمالية، فهناك أدلةً نصيّةً كثيرةً، جاء بها الكتاب وبينتها السُّنة، وهي تفيد إيجاب الحكم بما أنزل الله. وقد جاءت هذه الأدلة النصية على معظم الصيغ التي يعتبرها علماء الأصول صيغاً للوجوب، مثل ما جاء على صيغة الأمر الصريح، والصيغة الطلبية بفعل الأمر أو لام الأمر، وما جاء على صيغة الإخبار بأن الفعل من مقتضى الإيمان، أو أن تركه يناقض الإيمان، وما جاء على صيغة الإخبار بأن ترك ذلك الفعل كفرٌ أو ظلم أو فسق، وما جاء على صيغة الاستفهام التعجبي والإنكاري على ترك الفعل أو إتيان ضده، وما جاء على صيغة حمل الفعل المطلوب على المطلوب منه.

17- وجاءت أدلةٌ نصيةٌ أخرى تدل على إيجاب التحاكم إلى ما أنزل الله، منها ما هو متوجه إلى الحكام، ومنها ما يشملهم ويشمل المحكومين. ولكل من أدلة وجوب الحكم أو التحاكم الإجمالية أو التفصيلية أمثلة كثيرة في القرآن، مفسرةٌ بنصوص متواترة من السنة.

18- هناك بواعث عديدة ذكرها القرآن؛ تقف وراء اتخاذ المعرضين مواقف الإعراض عما أنزل الله ؛ منها: كراهية ما أنزل الله، والاستكبار عن الخضوع لما أنزل، واتباع الأهواء وتقديمها، وإيثار المتاع العاجل، وسوء الظن بالله وحُكمه، والخضوع للأماني الكاذبة، وقصور العقل وجموده عند التقليد ، وفساد النية وخراب الطوية.

19- الانحراف عن شريعة الله تعالى يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسين: الأول: الانحراف فيها، والثاني: الانحراف عنها. فالأول هو ما يشمل كل أنواع الانحراف في التطبيق مثل: تحريف المنزل، أو كتمانه، أو تبعيضه، أو التفريق بين بعضه وبعض، أو تأويله تأويلا غير سائغ، أو هجره. وفي أحكام هذا الانحراف تفاصيل على حسب قدر الانحراف. أما القسم الثاني: وهو الانحراف عن الشريعة، فهو انحراف عن أصل التطبيق، بمعنى إقصاء الشريعة جملةً في أصل التحاكم واستبدال أحكام أخرى بها؛ منسوخةً أو موضوعة، يُحكم بها ويُتحاكم إليها، وهذا النوع من الانحراف لم يختلف أحد من علماء السلف والخلف المعتبرين في كون أصحابه كفاراً مرتدين ردَّةً صريحةً عن الدين، وخارجين خروجاً بيِّناً عن ملة المسلمين. وهذا اللون من الانحراف هو أخطر أنواع الانحرافات كلها، لأنه تبديل لشرع الله .

20- التبديل مصطلح قرآني، يُطلق على فعل من أحلَّ الباطل مكان الحق، وأنزله منزلته ليحكم به ويتحاكم إليه، وهو مصطلح يحتاج إلى إحياء وإعادة استعمال.

21- وضح علماء أهل السنة الضوابط التي بها يُعرف ما يمكن أن يخرج به المرء عن الملة وما لا يخرج، وقرروا أن الكفر المخرج عن الملة هو الكفر بالصفات التي يستلزم الكفر بها نفي الإلهية، مثل الكفر بكون الله تعالى واحدًا أو حكيمًا، أو عليمًا، أو خبيرًا، أو بصيرًا، أو سميعًا، أو أنه أرسل رسلًا لهداية الخلق، وأنزل كتبًا على هؤلاء الرسل وأنه يجازي على ذلك يوم الجزاء.

22- أطلق القرآن على من لم يحكم بما أنزل الله وصف الكفروالفسق والظلم، فهو وصف لازم له، سواءً أكان كفره أو فسقه أو ظلمه مخرجاً عن الملة أو لا.

23- الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة هو أبرز مظاهر تبديل الشريعة، وهو انحرافٌ قديمٌ في الأمم، ولكنه لم يدخل على هذه الأمة إلا في عصر الغزو التتاري، حيث حُكم قطاع كبيرٌ من الأمة قسراً بقانون جنكز خان، ولكن ذلك الانحراف يومئذٍ كان مقصوراً على الطبقة الحاكمة، بخلاف ما حدث في الانحرافات المعاصرة، حيث جرَّ الحكام المبدِّلون للشريعة قطاعات من الأمة خلفهم للتحاكم إلى غير شرع الله .

24- هناك آياتٌ كثيرة توضح موقف القرآن من المبدلين، بما يقطع بأن التبديل مقوض لأركان الإيمان، وناقضٌ لقواعد الإسلام، وأنه إحياءٌ للجاهلية، ودعوةٌ لعبودية البشر، ومحاربة لله ورسوله، وشرك وافتراء وتزوير للحقائق، وفتح لأوسع المفاسد الدنيوية والأخروية.

25- المتحاكمون إلى غير ما أنزل الله يخضعون للتفصيل في أحكامهم على حسب كيفية تحاكمهم إلى غير شرع الله، فهناك المتحاكمون عن علم وقصد، وهؤلاء حكمهم مثل حكم المبدلين في كونهم كفاراً مرتدين، وهناك متحاكمون مطيعون في المعصية لكنهم مقرّون بالشرع كله وغير مستحلين، وهؤلاء حكمهم حكم أهل الكبائر من هذه الأمة، وهناك متحاكمون عن جهل، وهؤلاء مقصرون في طلب العلم، ولكنهم معذورون بالجهل في تحاكمهم - على المختار من قول العلماء في مسألة العذر بالجهل.

وهناك متحاكمون مكرهون على اللجوء إلى القوانين الوضعية، وهؤلاء لا إثم عليهم لأن لهم حكم المكره والمضطر، وهناك متحاكمون إلى أمور ليست من أمرالشريعة ولكنها غير مخالفة لها، كالقوانين التي تنظم إدارة الحياة المعيشية، كالمرور والسفر والهوية ونحو ذلك. وهؤلاء لم يأتوا بمحظور أصلًا، بل إن طاعتهم للأنظمة الإدارية غير المخالفة للشرع يعتبر طاعة لله، إذا كانوا في ظل حكومات تحكم بما أنزل الله.

 

  • 0
  • 0
  • 1,148
i