خلافة أبي بكر الصديق - (2) حركات الردة في الجزيرة العربية بعد وفاة النبي

منذ 2017-04-04

وترجع عوامل الردة إلى: عدم تغلغل الإيمان في القلوب لتأخر إسلامهم، وبسبب قصر الزمن الذي تم فيه تبلغ الدعوة، وطبيعة الأعراب المتسمة بالجفاء، مع ضعف المستوى الثقافي، مما جر إلى ضعف فقه تعاليم الدين وخاصة بالنسبة للزكاة التي اعتبرها البعض ضريبة مهينة، واستثقلوا الصلاة والعبادات الأخرى، كما أن العصبية القبلية لا زالت عميقة في تلك البلاد النائية ووسط نجد..

مصادرة حركة الردة:

يعتبر تاريخ الطبري أهم مصادر حركة الردة، فمجموع الروايات التي أوردها عن حركة الردة يبلغ (104) رواية، معظمها من طريق سيف بن عمر التميمي (73 رواية)، ويليه ابن اسحق (14 رواية)، ثم أبو مخنف (5 روايات)، ثم هشام الكلبي (4 روايات)، ثم المدائني (3 روايات) [1].

 

وهذه الأرقام قد تؤدي إلى لبس حول حقيقة اهتمام الأخباريين المذكورين بأحداث الردة، فقد تكون رواية الطبري عنهم بصورة محدودة ترجع إلى فقدان مؤلفاتهم مبكرًا، أو عدم وقوفه عليها، أو عدم وثوقه بها، وقد سمت المصادر لأبي مخنف كتاب الردة، ولهشام الكلبي كتاب مسيلمة الكذاب وسجاح، وللواقدي كتاب الردة، وللمدائني كتاب الردة [2].

 

وعلى أية حال فإن المصادر اللاحقة أمدتنا بمعلومات واسعة مصدرها هؤلاء الإخباريون أنفسهم.

حيث خصص الكلاعي (ت 634هـ) [3] قسمًا كبيرًا من كتابه "الاكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفا" لحروب الردة [4]،وهو ينقل عن ابن اسحق وله تاريخ الخلفاء والواقدي وله كتاب الردة وهما مفقودان، ويحتمل أن نقله عنهما بواسطة شيخه ابن حبيش (ت 584هـ) [5] الذي اعتمد عليهما كثيرًا في كتابه "الغزوات الضامنة الكاملة".

 

وتزداد أهمية كتابي ابن حبيش والكلاعي بسبب إيرادهما روايات يعقوب الزهري ووثيمة، والأخير عرف بكتابه عن الردة وهو مفقود [6].

ويورد خليفة بن خياط (ت 240 هـ) 42 رواية تتعلق بالردة معظمها من طريق ابن اسحق (19 رواية) والمدائني (16 رواية)، ومعظم الروايات تتعلق بردة بني حنيفة. ولابد من ذكر مصدر آخر مبكر هو فتوح البلدان للبلاذري (ت 275هـ) حيث نقل عن الإخباريين (8 روايات) واستعمل عبارة "قالوا" في بقية الروايات (11 رواية).

 

أماكن المرتدين في الجزيرة العربية:

إن الردة عن الإسلام في عصر الرسالة حركة واسعة جرت في أوساط القبائل العربية الكبيرة، وهي قبيلة أسد وتزعمهم طليحة بن خويلد الأسدي، وبنو حنيفة وتزعمهم مسيلمة بن حبيب، وقبائل عنس ومراد وسعد العشيرة وكلهم من مذحج وتزعمهم الأسود العنسي.

 

وتنفرد ردة بني أسد بقربها الجغرافي من عاصمة الإسلام "المدينة" مما يشكل خطرًا كبيرًا على الدولة الناشئة. أما ردة بني حنيفة في اليمامة وردة مذحج وديارها منتشرة في شمال شرق وجنوب شرق ووسط وغرب اليمن فتبدو خطورتهما بسبب الكثافة السكانية حيث يمكن تقديم الألوف العديدة من المقاتلين بالإضافة إلى الإمكانيات الاقتصادية في المنطقتين بسبب النتاج الزراعي الواسع فضلا عن النشاط التجاري والصناعي.

 

أسباب ظهور حركات الردة:

وترجع عوامل الردة إلى: عدم تغلغل الإيمان في القلوب لتأخر إسلامهم، وبسبب قصر الزمن الذي تم فيه تبلغ الدعوة، وطبيعة الأعراب المتسمة بالجفاء، مع ضعف المستوى الثقافي، مما جر إلى ضعف فقه تعاليم الدين وخاصة بالنسبة للزكاة التي اعتبرها البعض ضريبة مهينة، واستثقلوا الصلاة والعبادات الأخرى، كما أن العصبية القبلية لا زالت عميقة في تلك البلاد النائية ووسط نجد، حيث ترى القبائل أنها أضخم عددا وعُددا من قريش وبالتالي فهي أولى بالزعامة، وعلى الأقل لم تكن ترضى بالخضوع لحكم قريش. وقد ظهر زعماء طموحون تطلعوا إلى القيادة مقلدين الرسول صلى الله عليه وسلم في أسلوب العمل والدعوة، ولم ينتبهوا إلى الفروق الكبيرة بين النبوة الصادقة وانتحالها لأغراض شخصية. ومن هنا كان ادعاء النبوة من قبل زعماء الحركات الانشقاقية.

 

مراكز المرتدين في الجزيرة العربية:

اليمن وردة الأسود العنسي

كانت اليمن تابعة اسميا للإمبراطورية الساسانية، وكان قد أصبح للساسانيين نفوذ في اليمن منذ أن استعان بهم سيف بن ذي يزن لطرد الأحباش، فلما توفي سيف أصبح قائد الحامية الفارسية أميرا على اليمن، وتزوج الفرس من أهل اليمن وسمي أولادهم بالأبناء. ولكن نفوذ الحاكم الفارسي كان محصورًا بصنعاء وما حولها. في حين يتقسم بقية البلاد الأذواء والأمراء المحليون ورؤساء العشائر وهم في نزاع مستمر وخاصة القبائل الكبيرة أزد شنوءة (بنو الحارث والنخع وبجيلة وخثعم وعك والأشاعرة) وتسكن عند الساحل، ومذحج وهمدان وتسكن الهضبة في الداخل.

 

وكان خروج الأسود العنسي -على الصحيح- قبل حجة الوداع في العام العاشر، وكانت أول ردة في الإسلام، ودامت أربعة أشهر. وقد فصل سيف بن عمر أخبارها معتمدًا على شهود عيان مثل فيروز الديلمي وجشيش الديلمي.

 

وينتسب الأسود إلى عنس من مذحج التي تعد أكبر القبائل اليمانية، وكان من كهف خبان قرب نجران، وعرف بذي الخمار وبرحمن اليمن، وكان كاهنًا، وادعى النبوة، وأيدته بعض قبائل مذحج، واحتل نجران ثم صنعاء حيث قتل واليها شهر بن باذام، وتظاهر زعماء الأبناء بالانضمام إليه.

 

وتكمن قوة الأسود في ضخامة جسمه وقوته وشجاعته، واستخدم الكهانة والسحر، والخطابة البليغة "كان الأسود كاهنًا شعباذا، وكان يريهم الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، كما استخدم الأموال للتأثير على الناس"، ومثل هذه الصفات تجعله مشهورًا في قومه، ويبدو أن انتشار الإسلام كان يضعف مركزه؛ لأن الإسلام يحرم الكهانة، ويمنع الناس من استشارة الكهان.

 

وقد أثار الأسود موضوع أخذ الزكاة من اليمن، فكتب إلى العمال المسلمين في مناطق اليمن"أيها المستوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه". وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين المجتمعين في نجران وحضرموت أن يقاوموا الأسود، وقد أفاد معاذ بن جبل من الانشقاق في حركة الأسود حيث أن الأبناء لم يكونوا مخلصين له وكذلك قيس بن المكشوح فتمكنوا من قتله في قصره، وإعلان العودة إلى الإسلام [7].

 

اليمامة وردة مسيلمة الكذاب:

تقع اليمامة في شرقي الجزيرة العربية، وهي واد خصب تتوفر فيه المياه الغزيرة، وتزرع فيه الحنطة والشعير والذرة والنخيل وتقوم فيه القرى حيث يستقر فيها بعض السكان الذين ينتمي معظمهم إلى بني حنيفة وبعضهم ينتمي إلى بني بكر أو إلى بني تميم وخاصة شمال اليمامة، وقد قامت فيها صناعة السيوف والنصال.

 

وكان في قطر مركز مطرنة للمبشرين النصارى النساطرة، الذين أقصاهم البيزنطيون فاحتموا بالساسانيين ومن فارس مدوا دعايتهم إلى اليمامة [8].

وقد دخلت بنو حنيفة في الإسلام وقدم وفدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة في العام التاسع للهجرة ومنهم مسيلمة بن حبيب، وقد أعلن مسيلمة نبوته في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعله فعل ذلك بعد عودته من الوفد، وكان قد تعاظم نفوذه بعد وفاة هوذة بن علي زعيم اليمامة عقب فتح مكة، وادعى أنه يوحى إليه، واتخذ له محرابا ومؤذنا اسمه حجير، وجعل الصلاة ثلاثة أوقات في اليوم، في الصبح والظهر والعشاء، وحدد النسل بابن واحد.

 

ويروي الجاحظ أن مسيلمة كان قبل ادعاء النبوة يدور في أسواق العرب يتعلم الحيل والنيرنجات واختيارات النجوم والمتنبئين، حتى أحكم حيل السدنة والحواة وأصحاب الزجر والحظ ومذهب الكاهن العياف والساحر وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه. وقد نقلت المصادر عن مسيلمة ما ادعاه من آيات عارض بها القرآن، وأسلوبها ينم عن ركاكة، ولعلها من وضع الأخباريين لذلك من الصعب اعتمادها لمعرفة مبادئه العقدية.

 

وقد التف حوله أكثر بني حنيفة فمنهم من تبعه جهلا وتصديقا، وهم العوام، ومنهم من تبعه عصبية، وهم الخاصة "ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر". وتعاظم أمره بعد قدوم الرجال بن عنفوه من المدينة إلى اليمامة، وكان الرجَّال قد تعلم القرآن وتفقه بالدين، فلما رأى بني حنيفة يتابعون مسيلمة انسلخ من الإسلام وأظهر تصديقه لمسيلمة، فكانت فتنته للناس أعظم من فتنة مسيلمة.

 

وراسل مسيلمة النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر العام العاشر بعد حجة الوداع قائلا: "إني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض (أي نصف خراج اليمامة)"، ولما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم زاد نفوذ مسيلمة وتحالف مع سجاح التميمية، وقيل أنه تزوجها، لكن هذا التحالف لم يدم طويلًا حيث انسحبت سجاح بقواتها من اليمامة بعد أخذ نصف خراجها. وقد أدرك أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطر ردة بني حنيفة لقوتهم وكثرتهم ورخائهم واجتماعهم على مسيلمة [9].

 

غطفان وردة طليحة الأسدي:

كانت قبيلة غطفان التي تسكن شرقي خيبر تسيطر على شمال الحجاز بتحالفها مع قبيلة طيء ويهود خيبر، فلما سقطت خيبر سنة 7هـ بيد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يوجه الحملات إلى الشمال، ضعف نفوذ غطفان، وحاول طلحة بن خويلد الأسدي أن يسيطر على شمال شبه الجزيرة عن طريق المحالفات بين قبيلة أسد وطيء وفزارة (وهي أهم فروع غطفان)، ثم ادعى النبوة في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن مَلَكا يدعى ذو النون يأتيه بالوحي، وروت التاريخ بعض الآيات ذات الأسلوب الركيك التي كان يقرأها. وقد سعى إلى مفاوضة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وكان انشغال الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سببًا في تعاظم نفوذه، فلما كانت خلافة الصديق رضي الله عنه اجتمعت أسد وغطفان وطيء على طليحة، وأرسلت وفدا إلى المدينة بطلب من الصديق أن يعفيهم من الزكاة، لكنه رفض وقال: "لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه"، ولعله أدرك أن مطاليب الأعراب لن تقف عند حد، كما أنه ليس بوسعه إعفاؤهم من أحد أركان الإسلام. وقد اطلع الوفد على ضعف القوة العسكرية في المدينة عقب خروج بعث أسامة، لذلك تجرأت هذه القبائل على غزو المدينة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عبد العزيز محمد نور ولي: حركة الردة في اليمن وحضرموت وعمان في خلافة أبي بكر الصديق ص 10.

[2] عبد العزيز نور ولي: حركة الردة 116 - 119.

[3] أبو الربيع سليمان بن موصى من أئمة الحديث في عصره (الذهبي: سير أعلام النبلاء23: 134).

[4] نشره د. أحمد غنيم.

[5] عبد الرحمن بن محمد بن حبش الأندلسي، له كتاب المغازي (الذهبي: سير أعلام النبلاء118:21).

[6] جمع المستشرق الألماني ولهلم هونرباخ ونشرت، مينصة- 1951م.

[7] البخاري: الصحيح، كتاب المغازي باب 70، ومسلم: الصحيح حديث رقم 2272. الطبري: تأريخ 3: 185، 221، 239 - 240. ابن حبيش: المغازي 40، والكلاعي: حروب الردة 213. عبد العزيز نور ولي: حركة الردة 182 - 207.

[8] إحسان صدقي العمد: حركة مسيلمة الحنفي ص 31 - 32 (بحث في حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت، الحولية العاشرة- 1409 هـ (1988م).

[9] البلاذري: فتوح البلدان 1: 105، 118. الطبري: تأريخ 3: 272.أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني 21: 37، وابن طباطبا: الفخري في الآداب السلطانية 74. الجاحظ: كتاب الحيوان 4: 369، 370. إحسان صدقي العمد: حركة مسيلمة الحنفي 36 - 40. ابن هشام: السيرة النبوية 600، وابن سعد: الطبقات الكبرى 1: 273.

  • 7
  • 0
  • 24,429
المقال السابق
(1) وفاة محمد صلى الله عليه وسلم
المقال التالي
(3) بعث أسامة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً