هذا يوم عصيب

محمد علي يوسف

يا لها من خيبة و خزى؛ حين تنتكس الفطرة الإنسانية لهذا الدرك السحيق و يذل البشر المكرمون و يهونون على أنفسهم لهذه الدرجة!

  • التصنيفات: التصنيف العام - قصص الأنبياء -

تمتم الرجل الصالح بتلك العبارة، و هو يتفرس فى الوجوه الوسيمة لأولئك الشباب اليافع، الذين دخلوا عليه و هو يعمل فى أرضه، طالبين منه استضافتهم لبرهة من الوقت، فهم عابرو سبيل يحتاجون إلى مأوى، و قد طال بهم السفر، إنكم قوم منكرون!


بتلك الكلمات أجابهم:

ليست هذه طبيعته، فهو لا يرد ضيفا، لكنه سيىء بهم و ضاق بهم ذرعا، و هو الذى يعلم جيدا ما سيحدث إذا تسرب الخبر لأهل قريته، هو يبغى مصلحتهم، و وجودهم هنا ليس أبدا من تلك المصلحة، و هو رجل ليس له بالقوم قوة، يمنع بها أضيافه، مما حتما سينالهم إذا هم وصلوا إليهم، جئناك من عند عمك، و قد رحب بنا، و أكرم ضيافتنا، و لا نراك إلا كريما مثله؛ لا ترد ضيفا، و لا تصد عابر سبيل يلوذ بك، قضى الأمر إذا، لم يعد هناك بد من ضيافتهم، و ليلطف الله فيما يكون، انطلق الرجل الصالح أمام أضيافه، يتقدمهم إلى داره البسيطة، و هو يعرض لهم بالكلام أثناء سيرهم محذرا إياهم من أهل سدوم، الذين ساكنهم ردحا من الزمان، فلم ير أسوأ منهم خلقا، و لا أخبث منهم طوية، ظل يكرر عليهم تحذيره طوال الطريق، و هم ينظرون إلى بعضهم البعض نظرات ذات مغزى، إنهم يعلمون جيدا طبيعة أهل سدوم، فما جاءوا إلا لذلك!!

وصلوا إلى داره المتواضعة، و دخل الرجل الصالح يتقدم أضيافه، نادى أهل بيته يعلمهم أن فى البيت أضيافا، و يأمرهم بإكرامهم، سارعت ابنتاه لتنفيذ أمره، و إكرام أضيافه بالطعام، إلا أن امرأته كان لها رأى آخر، تلك المرأة التى طالما أذاقته الأمرين، تلك المرأة التى لم تخالط بشاشة الإيمان يوما قلبها!

تلك المرأة التى طالما كان انتماؤها الأول لقومها، و ولاؤها الأوحد لهم، على ما هم عليه من الفحش و الفجور، لقد ظلت تحرص على ما يجعل لها حظوة و مكانة لديهم، بغض النظر عما يرتضيه زوجها، لقد رأت المرأة الشباب الوضىء، و علمت أن قومها منكوسى الفطرة سيفرحون بهم أيما فرح، لم ترع المرأة الكافرة زوجا، و لم تقدر عرفا، و لم تلتفت لحرمة، سارعت المجرمة لتسرب خبر الضيوف إلى قومها، لم تمض دقائق، حتى كان خبر الشبان قد سرى فى القرية الأثيمة، سريان النار فى الهشيم، لوط لديه شبان حسان فى بيته، و قد نهيناه أن يضيف أحدا إن كان يبغى البقاء بين ظهرانينا، هذا الرجل الذى يصر على التطهر، على غير عادتنا، كان الأولى بنا أن نخرجه، و هو الذى يذكرنا - كلما رأينا طهره و عفاف بناته - بنجاستنا و قذراتنا التى نرعى فيها رعى الخنازير فى حظائرها المنتنة، كان الأولى أن نخرجه و أهله، فبضدها تتمايز الأشياء، نحن لا نبغى أن يكون بيننا من لا يعمل بعملنا، هذا الذى يظن نفسه أفضل منا، و تتأفف نفسه عن مشاركتنا فجورنا، إنه الآن يتحدانا، و قد تركناه على مضض، ثم ها هو يأتي بأضياف، يظن أننا لن نصل إليهم، هلموا إليه فلنلقنه درسا لا ينساه، و لنستمتع بأضيافه الذين تجرأ فأتى بهم إلى قريتنا، و لا يلومن إلا نفسه، انطلق رجال القرية، و على رأسهم سادتها و كبراؤها، قد ساوت بينهم جميعا حرارة الشهوة، و جمعت بينهم نيران الفتنة، و صهرتهم فى كيان واحد؛ كيان الفسق وانتكاس الفطرة والفجور، هرع الكل إلى بيت لوط، يمنى نفسه بالفريسة الشهية التى هو مقبل عليها، لقد تعالى ضباب الشهوة ليطغى على كل شىء، لتنخرم المروءة، و لينطمس الخلق القويم، و ليُمحى أى أثر للفطرة السليمة، و الرجولة والشرف، ما أشبههم فى تلك اللحظة بقطيع من الحيوانات المفترسة؛ يسيل لعاب الجوع من بين أشداقها، ما أشبههم بجمع من الضباع الخسيسة، لا تفكر إلا فى سد رمقها، مهما كانت وسائلها، بلى و الله إنهم لأدنى من الحيوانات، فإنها لاتأتي إلا ما فطر الله غريزتها عليه، إبقاء لجنسها وحفظا لنسلها، فلا تنحرف أبدا لشذوذهم و لا تتردى فى دركهم، وهي مع إتيان ما أحل الله لها؛ ربما توارت عن الأنظار، فلا يكاد أحد يشعر بها، و لا تجاهر بما يجاهرون به و يأتونه فى ناديهم بكل صفاقة و وقاحة.

الغريب أن الحيوان ليستقيم فى فطرته، و يعلم وجهته، أفضل من أولئك المنحرفين المعوجين، يا له من سلوك فاحش منتكس مستقذر ممجوج!

يا لها من خيبة و خزى؛ حين تنتكس الفطرة الإنسانية لهذا الدرك السحيق و يذل البشر المكرمون و يهونون على أنفسهم لهذه الدرجة!

تستبشرون؟!!!

و بم تستبشرون؛ برذيلة أنتم عليها مقدمون، بفحش أنتم له مستحلون، و ضلالة مبتكرة، و نقيصة مخترعة، ما سبقكم بها من أحد من العالمين، أحري بكم أن تبتئسوا و تحزنوا، بدلا من ذلكم الاستبشار، لكن هذا شأن الفطرة حين تنتكس؛ تفرح و تسعد بما حق لها أن تتأذى به و تحزن، تعالت الطرقات المتتابعة على باب لوط، مختلطة بضحكات ماجنة رقيعة؛ تلك التى يطلقها المخنثون و أشباه الرجال افتح يا لوط، افتح الباب وإلا فسوف نقتحمه، أولم ننهك عن العالمين؟

أولم نحذرك أننا لن نراعى لك حرمة و لن نقدر لك جوارا؟

الآن ستدفع ثمن اجترائك على تحدينا، الآن ستعلم أن طهارتك و طهارة بناتك لن تنفعك بشىء، إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ؛ هؤلاء بناتى إن أردتم الزواج؛ إن أردتم الفطرة النقية التى فطر الله الناس عليها، صاح لوط من خلف باب داره، بينما يدافع الباب، محاولا إغلاقه، لمنع تلك المسوخ من الدخول، صاح بهم لعل كلماته تجد بقايا سمع أو بصر فى غيابات نفوسهم السكري، صاح بهم لربما صادفت حروفه لحظة وعى فى عقول أترعت حتى الثمالة بالشهوات، لكن هيهات هيهات، إنها السكرات، سكرات الشهوة،و عمى البصيرة، لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون، نعم إن للشهوة لسكرات، وإن للبصيرة لعمى، يشهد بذلك كل من ابتلى بتسلط خمر الشهوة عليه، يشهد إنه يجد نفسه أحيانا كالسكير الذى لا يعى ما يفعل، و لا يدرك ما يقول، و لا يفكر فيما يقترف، لذا كانت الخمر أم الفواحش؛ فهى طريق قصير لحجب العقل، و طمس الفطنة، و هى أسرع وسيلة لإسكار القلب و طمس البصيرة، قد يكون عبد الهوى عالما بخطورة تلك الشهوة المحرمة على دينه و دنياه، لكنه رغم ذلك يقبل عليها حال سيطرتها عليها، يقبل عليها، و لا يجد فى نفسه أدنى قدرة على الممانعة أو الدفاع، قد أغلقت أبواب الحكمة، و سكرت أقفال البصيرة، تماما كالخمر؛ لها سكرة، و عمى..

هكذا كان حال القوم، و هم يدفعون الباب محاولين اقتحامه؛ لا يفكرون، لا يرعوون، هم لا يعون من أمرهم شيئا، فقط يريدون قضاء وطرهم، و ليكن بعد ذلك ما يكون، عميت البصائر، غارت آبار الفكر، وانطمس الفهم، لم تتبق إلا سطوة الهوى، و إلحاح الرغبة النجسة الأثيمة..

لكن نداءً تعالى من خلفه: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} ، ماذا؟! من أنتم؟!!


لستم بشرا؟!

أنتم ملائكة، بعثكم الله لإنهاء هذه الحالة من العبث، و لتطهير الأرض من ذلك المستنقع الآسن؟

لكن: لن يصلوا إليه!!

كيف وهم بالباب؟!

لحظات ويقتحمون و حينئذ لن يستطيع حمايتكم، لن يصلوا إليك، قالها القوم بجزم وحسم، قد أويت إلى ركن شديد يا لوط،
بطهارة ظاهرك التى تشبه طهارة باطنك، بنقاء عقيدتك، و سلامة فطرتك، قد أويت إلى ركن شديد، قد أويت، لن يصلوا بحال إليك، لكن.. ما هذا الذي طرأ؟!

لقد قل الدفع و تخافتت الأصوات، أوتسمعون؟!

لماذا يتخبطون على هذا النحو؟؟

و كأنهم فعلا لا يرون؟

و كأن نور البصر قد لحق بنور البصيرة فانطمس، لقد طمس الله على أعينهم!

هاهم يتوعدون لوطا بالعودة مصبحين، ألا إنهم قد ظنوا انطماس البصر مجرد عرض يزول حين طلوع الشمس، هاهم يضربون موعدا، إنه الصبح، وإن الصبح لقريب، يا لوط إنه أمر قد قضي؛ " إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين "، ما عليك إلا أن تسرى بأهلك بقطع من الليل، فتمضوا حيث تؤمرون، لا تأخذ معك هذه المرأة الكافرة، هذه امرأة منهم و ليست منك، إنما مثلها كمثل امرأة نوح و ولده، إنها عمل غير صالح، و إنها لمصيبها ما سيصيبهم، أما أنت و بناتك؛ أنتم أيها الموحدون الأطهار؛
فهيا تحركوا، فلم يعد الوقت المتبقى كافيا، إلا لخروجكم بالكاد، إياكم أن يلتفت منكم أحد، إن المشهد الذى سترونه إن التفتم لن تتحمله قلوبكم المؤمنة الطاهرة، إنه مشهد مروع، إنه مشهد يليق بهؤلاء الذين تدنت نفوسهم لدرجة أدنى من البهائم، و انقلبت فطرتهم رأسا على عقب، فاستحقوا أن تنقلب قريتهم رأسا على عقب؛ والجزاء من جنس العمل، 
{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}.

جزاء وفاقا من جنس عملهم و ما هى من الظالمين ببعيد، هذا النموذج القرآنى الفريد، يضع أمامنا مآلا واضحا لحالة التمادى فى الشهوة المحظورة المحرمة الأثيمة؛ إنه مآل بئيس خطير، حين يترك المرء العنان لشهوته، و لا يكبح جماحها بالشرع الذى يوافق الخلق و الفطرة التى فطره الله عليه، فإنه لا يدرى إلى أى مدى يمكن أن تذهب به، إن فى النفس باعثا خفيا به استعداد للفجور؛ " بل يريد الإنسان ليفجر أمامه "، فلو لم يعلم متى يوقفه؛ فإن هذا الباعث قد يتضاعف و يتعاظم، لدرجة تطغي عليه فتأسره، حتى يصل إلى تلك الحال؛ حال السكرة و العمى، ثم يئول إلي ذاك المآل؛ مآل البوار والهلاك والخسران،  و المجتمعات التى يترك لها العنان، حتى تتدنى لهذه الدركات من الفواحش، و يصير الجهر بها أمراًعاديا، لهى مجتمعات على شفا جرف هار، ومن المتوقع أن تنزل على مثل هؤلاء الفاحشين المتبذلين عقوبة واضحة صريحة، كما حدث مع سدوم و قوم لوط و غيرهم من الأمم التى ورد ذكرها فى التاريخ القديم و الحديث، حتى أن البعض يفسر ما حدث من هلاك حضارة بومباى فى إيطاليا بذلك، و تلك كانت حضارة قامت على البحر المتوسط، و اشتهرت بالفن و العمارة، و يذكر أن فنهم غلب عليه الطابع الإباحى الماجن، حتى أن بعض ملوك أوروبا لما ذهبوا لمشاهدة آثار تلك الحضارة؛ بهتوا و لم يتحملوا الفجاجة التى سادت، و سطرها ذلك الفن، فاضحا ومؤرخا لطبيعة شعب بومباى، لقد بادت تلك الحضارة المشتهرة بالزنا و الشذوذ ببركان فيزوف الذى انفجر عام ٧٤ من ميلاد المسيح عليه السلام، و الذى أباد سكانها الذين قدرهم المؤرخون بمائتى ألف نسمة، بقيت جثامين بعضهم متحجرة بسبب الغبار البركانى، و هى تزار إلى يومنا هذا..

لا نستطيع أن نجزم بما حدث، لهم لأنه لا يوجد نص صريح بذلك، إلا أن الحال التى وجدوا عليها، و الرسوم التى تحكى تاريخهم و ما اعتادوا العيش عليه، تدعم فكرة أن ما نزل بهم كان عقوبة ربما تكون حلت بهم، لكن هذا العقاب المباشر ليس شرطا، و إنما قد تتدرج العقوبات، و تتعدد، و لا يلحظها إلا العقلاء، الذين لم تسكرهم الشهوة، يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:

«لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم»، و هذا بلا شك أمر ملاحظ و مطرد فى تلك المجتمعات، لكن الأمر الأخطر و العقوبة الأشنع فى تقديرى هى تلك العقوبة العاجلة لمن تمادوا فى شهواتهم حتى عبدوها؛ عقوبة طمس البصيرة، و غياب الوعى و الفهم، و حجاب القلب و العقل، وكفي بها عقوبة، إنها عقوبة لا يعقلها إلا العالمون،  عقوبة السكرة {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.