شرح حديث: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه

منذ 2017-10-13

هذا الحديث أصل عظيم متين، وقاعدة من قواعد الدين، وقد تضمن الأعمال الصالحة التي تدخل الجنة وتبعد عن النار، وهذا أمر عظيم جدًّا؛ لأنه من أجل دخول الجنة والنجاة من النار أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب.

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سألت عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله تعالى عليه: تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقـة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» ، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16].

 ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد».

 ثم قال: « ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟» فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: «كف عليك هذا»، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم»؛ (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).

 ترجمة الراوي:

معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي المدني البدري، أبو عبدالرحمن، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، شهد العَقَبة مع الأنصار السبعين، وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وكان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبَيٍّ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة»[1].

 وأخرج أبو نعيم في الحلية، قال عمر: لو أدركت معاذًا ثم وليته ثم لقيت ربي، فقال: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت نبيك وعبدك يقول: «يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء برتوة»، والرتوة: رمية سهم، وقيل: مد البصر.

 بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة تبوك قاضيًا ومرشدًا لأهل اليمن، فبقي في اليمن إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وولي أبو بكر، فعاد إلى المدينة، ثم كان مع أبي عبيدة بن الجراح في غزوة الشام، ولما أصيب أبو عبيدة - في طاعون عمواس - استخلف معاذًا، وأقره عمر، فمات في ذلك العام، وكان من أحسن الناس وجهًا، ومن أسمحهم كفًّا، له مائة وسبعة وخمسون حديثًا، توفي عقيمًا بناحية الأردن، ودفن بالقصر المعيني بالغور سنة ثماني عشرة، فرضي الله عنه وأرضاه[2].

 

 منزلة الحديث:

هذا الحديث أصل عظيم متين، وقاعدة من قواعد الدين[3].

وقد تضمن الأعمال الصالحة التي تدخل الجنة وتبعد عن النار، وهذا أمر عظيم جدًّا؛ لأنه من أجل دخول الجنة والنجاة من النار أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب[4].

 

 غريب الحديث:

الصوم جُنَّة: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات، وقيل: وقاية من النار.

الصدقة تطفئ الخطيئة: أي تطفئ أثر الخطيئة فلا يبقى لها أثر.

جوف الليل: وسطه.

تتجافى: تتنحى وتبتعد.

عن المضاجع: مواضع النوم.

ذروة سنامه: ذروة كل شيء: أعلاه.

مِلاك: ملاك الشيء - بكسر الميم - مقصوده.

ثكلتك أمك: فقدتك.

يكب: يلقي.

حصائد ألسنتهم: الحصاد في الأصل: قطع الزرع، والمراد هنا: ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه.

 

 شرح الحديث:

((أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار))؛ أي: أرشدني إلى عمل شامل جامع لأعمال القلب واللسان والجوارح، بحيث لو تمسكت به وسرت عليه يكون سببًا في دخولي الجنة وبُعدي عن النار.

 

 فائدة:

لو قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يدخل الجنة أحدٌ منكم بعمله»[5].

 فالجواب: قال ابن رجب رحمه الله: فالمراد - والله أعلم - أن العمل نفسه لا يستحق به أحدٌ الجنة، لولا أن الله عز وجل جعله بفضله ورحمته سببًا لذلك، والعمل نفسه من فضل الله ورحمته على عبده، فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته؛ اهـ[6].

 فالأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة؛ كما قال تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]؛ فالباء هنا سببية؛ أي بسبب أعمالكم رحمة من الله وفضلًا، وليست الجنة مقابل أعمالهم؛ كما في الحديث: «لن يدخل الجنةَ أحدٌ منكم بعمله»، فالباء هنا باء العوض، وليست الجنة عوضًا عن الأعمال، بل ليست الأعمال عوضًا عن نعم الله في الدنيا؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]؛ اهـ..

«قال: لقد سألت عن» اللام واقعة في جواب قسم محذوف، والتقدير: والله لقد سألت عن عظيم، وفي رواية: لقد سألتني، «عظيمٍ»؛ لأن عظم الشيء بعظم الأسباب، والنجاة من النار أمر عظيم، فكيف مع دخول الجنة؟!

  «وإنه»؛ أي: العمل الذي يدخل الجنة ويباعد عن النار «ليسيرٌ»؛ أي: هين «على من يسره الله تعالى عليه»؛ أي: سَهْل على مَن سَهَّله الله عليه بتوفيقه وتهيئة أسبابه له، وشرح صدره إليه، وإعانته عليه.

«تعبد الله لا تشرك به شيئًا» وعبادة الله سبحانه وتعالى هي القيام بطاعته؛ امتثالًا لأمره، واجتنابًا لنهيه، مخلصًا له.

  «وتقيم الصلاة» ومعنى إقامتها أن تأتي بها مستقيمة تامة الأركان والواجبات والشروط.

« وتؤتي الزكاة»؛ أي: المفروضة بأن تدفعها لمستحقيها، «وتصوم رمضان»؛ أي: شهر رمضان، والصوم هو التعبد لله تعالى، بالإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، «وتحج البيت»؛ أي: تقصد البيت الحرام، وهو الكعبة، لأداء المناسك.

  «ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟»؛ أي: الطرق الموصلة إليه.

  «الصوم جُنةٌ» المراد بالصوم هنا غير رمضان؛ لأنه قد تقدم، ومراده الإكثار من الصوم، والجُنة المِجَن؛ أي: الصوم سترة لك ووقاية من النار.

«والصدقة تطفئ الخطيئة» المراد غير الزكاة؛ أي: تمحوها وتذهب أثرها؛ لقوله تعالى:  {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأتبِعِ السيئةَ الحسنة تمحها» [7].

والصدقة تمحو أثر الخطيئة إن كانت من الصغائر بحق الله عز وجل، أما الكبيرة فلا يمحوها إلا التوبة، وأما حق الآدمي فلا يمحوه إلا رضا صاحبه.

«كما يطفئ الماء النار» كما أن إطفاء الماء للنار لا يبقي من النار شيئًا، كذلك الصدقة لا تبقي من الذنوب شيئًا.

«وصلاة الرجل في جوف الليل»؛ أي: وسطه أو آخره؛ إذ في الحديث: «أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر»[8]، والمعنى: أن صلاة الرجل في الليل من أبواب البر، وأنها تطفئ الخطيئة أيضًا كالصدقة، وإنما خص الرَّجل بالذِّكر؛ لأن السائل ذَكَر، وإلا فمِثلُه المرأةُ.

((ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16])) شاهد لما قال، من أن الصلاة من جوف الليل من أبواب الخير؛ لأنه رتب عليها {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، ولأن صلاة الليل هي دأب الصالحين من قبلنا، وشعارهم.

((ثم قال))؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله»؛ أي: دلني وأخبرني.

«قال: رأس الأمر: الإسلام»، وقد ورد تفسير هذا في حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله»؛ أي: إن رأس الدين الذي بعث به صلى الله عليه وسلم هو الإسلام بأركانه الخمسة جميعًا.

«وعموده: الصلاة»؛ أي: المفروضة، وعمود الشيء هو الذي يقيمه، ولا ثباتَ له في العادة بغيره، ولأن الصلاة عماد الدين وقوامه الذي يقوم به، وكما أن العمود يرفع البيت ويهيئه للانتفاع، فكذلك الصلاة ترفع الدِّين وتظهره.

«وذروة سنامه: الجهاد»؛ أي: أعلى ما في الإسلام وأرفعه الجهاد؛ لأن به إعلاء كلمة الله، فيظهر الإسلام ويعلو على سائر الأديان، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو أعلاها بهذا الاعتبار.

وقيل: لا شيء من معالم الإسلام أشهر ولا أظهر منه، فهو كذروة السنام التي لا شيء من البعير أعلى منه، وعليه يقع بصر الناظر من بُعد.

فائدة:

ووجه إيثار الإبل بالذكر في تشبيه مكانة الجهاد بذروة السنام أنها خيارُ أموالهم، ومن ثم كانوا يشبِّهون بها رؤساءهم؛ اهـ.

((ثم قال)) النبي صلى الله عليه وسلم «ألا أخبرك بمِلاك ذلك» الأمر ((كله؟ فقلت: بلى يا رسول الله)) أخبرني، ((فأخذ)) النبي صلى الله عليه وسلم ((بلسانه))، والمعنى أمسك لسان نفسه بيده، والحكمة في ذلك المبالغة في الزجر، «وقال: كف عليك هذا»؛ أي: لا تتكلم بما لا يعنيك، وكفُّ اللسان عن المحارم سلامة، والسلامة في نظر العقلاء مقدمة على الغنيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت».

((قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به))؛ أي: إنا معاقبون بكل ما نتكلم به ((فقال)) له النبي صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك»؛ أي: فقَدَتْك، وهو دعاء عليه بالموت على ظاهره، وليس المراد الدعاء عليه بالموت، بل جريًا على عادة العرب في الخطاب؛ كـ: تربت يداك، ولا أم لك، ولا أبا لك، وأشباه ذلك.

«وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم» - أو قال: «على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم؟» شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل، وهو من بلاغة النبوة، فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء، فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل أنواع الكلام حسنًا وقبيحًا، والمعنى لا يكُبُّ الناسَ في النار إلا حصائدُ ألسنتهم؛ من الكفر، والقذف، والشتم، والغِيبة، والنميمة، والبهتان، ونحوها، وهذا الحكم وارد على الأغلب؛ لأنك إذا نظرت لم تجد أحدًا حفظ لسانه عن السوء إلا نادرًا.

الفوائد من الحديث:

1- حرص معاذ بن جبل رضي الله عنه على الأعمال الصالحة.

2- إثبات الجنة والنار، وهما موجودتان، وهما لا تفنيان أبدًا.

3- أن أول شيء وأعظمه توحيد الله عز وجل، والإخلاص لله؛ لقوله: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا.

4- أهمية الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرها بعد الإخلاص.

5- تقديم الزكاة على الصوم؛ لأنها آكد.

6- تقديم الصوم على الحج؛ لأنه يتكرر كل عام، بخلاف الحج؛ فإنه لا يجب إلا مرة في العمر.

7- التدرج في تعليم الناس؛ فالبدء يكون بأصول الدين وقواعده، ثم التدرج.

8- أن الجهاد فيه علو الإسلام ورفعته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ذروة سنامه الإسلام».

9- خطر اللسان على الإنسان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس...»؛ الحديث.

 

الكاتب: عبدالعال بن سعد الرشيدي


[1] رواه البخاري (4999).

[2] حلية الأولياء (1/ 229) أسد الغابة (5/ 194 رقم 4953) السير (1/ 443).

[3] الجواهر اللؤلؤية شرح الأربعين النووية (282).

[4] الوافي (218).

[5] رواه البخاري (5349) ومسلم (5041) عن أبي هريرة.

[6] جامع العلوم والحكم (2/ 57).

[7] رواه الترمذي (1987).

[8] رواه الترمذي (3499) من حديث أبي أمامة.

  • 1
  • 0
  • 13,698

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً