الفتوى ودَورها في تحقيق الاستقرار

منذ 2017-10-29

في الإسلامِ أحكامٌ وتشريعاتٌ تتعلَّق بجميع أمورِ حياتنا في المجتمع والنفس وكل ما يتعلَّق بصغائرِ الأمور وكبائرِها، وقد كان مرجعنا في ذلك القرآن الكريم أوَّلًا، والسُّنة النبوية ثانيًا، وإجماع الأمة والقياس ثالثًا ورابعًا. والعلماء الراسخون في العلم هم الأدلاء على ما فيها بالنسبة إلى العوام الذين ليس لديهم دراية للاطلاع على ما فيها من الأحكام وفقًا لما قال الله جل وعلا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ومن هنا تجلَّت أهمية الإفتاء ومكانته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الرحمن، خلق الإنسان، علَّمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيدِ ولد عدنان، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان، أما بعد:

الإسلام دين يتميَّز عن سائرِ الأديانِ بشموليته الواسعة، وبتلبيته لكل متطلبات المجتمع البشري في أيِّ عصر ومصر، دستورُه القرآن يقدِّم الحلول المناسبة لكل قضية من قضايا البشر تلويحًا أو تعريضًا.

وفي الإسلامِ أحكامٌ وتشريعاتٌ تتعلَّق بجميع أمورِ حياتنا في المجتمع والنفس وكل ما يتعلَّق بصغائرِ الأمور وكبائرِها، وقد كان مرجعنا في ذلك القرآن الكريم أوَّلًا، والسُّنة النبوية ثانيًا، وإجماع الأمة والقياس ثالثًا ورابعًا. والعلماء الراسخون في العلم هم الأدلاء على ما فيها بالنسبة إلى العوام الذين ليس لديهم دراية للاطلاع على ما فيها من الأحكام وفقًا لما قال الله جل وعلا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ومن هنا تجلَّت أهمية الإفتاء ومكانته.

1) أهمية الفتاوى ومكانتها:

ومما يدلنا على أهميتها ذكرها في آيات كثيرة في القرآن الكريم حيث إن الله جل وعلا يتولاها بقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النساء: 176]، وقال الله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127]، وتولَّاها الرسول صلى الله عليه وسلم فكان المسلمون يسألونه صلى الله عليه وسلم ويفتيهم، ثم بعد ذلك تولاها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وكان عمر رضي الله عنه إذا عرضت مشكلة جمع لها المهاجرين والأنصار يستشيرهم فيها، فالذي يتولى مهمة الفتوى ويصدرها يجب أن يكون عالمـًا بكتاب الله وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومطلعًا على أقوال العلماء المعتبرين ليختار منها ما قام عليه الدليلُ؛ قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وأهل الذكر هم العلماء، والذكر هو الوحي.

2) التساهل في الإفتاء وخطورته:

قال الإمام الشافعي: ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهةِ العلم، وجهةُ العلم ما نُصَّ في الكتاب أو في السُّنة أو في الإجماع أو في القياس على هذه الأصول وما في معناها، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس: 59، 60].(جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/59).

قال ابن كثير: وقد أنكر الله تعالى على من حرَّم ما أحلَّ الله أو أحلَّ ما حرَّم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها، ثم توعَّدهم على ذلك يوم القيامة.

ومن هنا كان السلفُ الصالح يتحاشون المسارعة إلى الإفتاء والإكثار منه؛ بل كانوا يترامونه فيما بينهم، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدُهم عن المسألة ما منهم من أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه، وفي رواية: فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول.(سنن الدارمي 1/53).

فقال بعض العلماء لبعض المفتين: إذا سُئلتَ عن مسألة فلا يكن همك تخليص السائل، ولكن تخليص نفسك أولًا. (ذم المال والجاه للحافظ ابن رجب الحنبلي، ص 38).

لكن اليوم للأسف الشديد انقلبت الأمورُ رأسًا على عقب، فقد أصبح الإفتاء صهوة يمتطيها كلُّ من هبَّ ودبَّ، ووسيلةً لاستقطابِ أنظارِ الجماهير إليه.

3) دواعي التساهل في الإفتاء:

وهناك أسباب عدة أدَّت إلى هذه الحالة الفوضوية في مجال الإفتاء:

أولًا: الجهالة وعدم دراسة الأحكام من منابعها الصافية من المشايخ والعلماء الذين توارثوا العلم من أهله، والذين يوثق بهم في الدين، كما قال محمد بن سرين: "إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".

وثانيًا: عدم إدراك خطر مسؤولية الفتوى وما يترتب عليه؛ فإن الإفتاء في الحقيقة إخبارٌ عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله أو رسوله أحلَّ كذا، أو حرَّم كذا.

وثالثًا: حبُّ الشهرة والشعبية؛ فصاحب الفتاوى المتساهلة يريد شعبيته، وتكثر جماهيره، ويثنى عليه بأنه معتدل وذو المنهج الوسطي، وغير ذلك.

ورابعًا: إرضاء الكفار والظلمة والفسقة وأصحاب الدنيا لأجل الحصول على حطام الدنيا الفانية.

وخامسًا: العجلة وعدم التأني والوثبة بدون نظر ولا تأمل لكي يشتهر بين الجماهير بسرعة الجواب وحدة الفهم.

4) دور الفتاوى في استقرار المجتمع:

العلماء مشاعل طرق الأمة وسرجها، يخرجون الناس من الظلمات إلى النور، وينتشلونهم من وهدة الجهالة والغواية إلى واحة المعرفة والهداية، وهم أمان لأهل الأرض؛ حيث إنهم خلفاء الأنبياء وورثتهم، والأنبياء لم يبعثوا لإثارة البلبلات وتهييج التوترات؛ بل أُرسلوا رحمةً ونجاةً للناس من كل أنواع البلايا والشرور: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.

فعلى العلماء والمفتين العملُ للحفاظ على استقرار المجتمع وهدوئه، ولحفظ هوية الدول والأمم، واجتناب كل ما يؤدي إلى التوتر والاضطرابات؛ حيث إن الإسلام دينُ أمنٍ وسلامةٍ، ودين تسامح وتفاهم، وليس دينَ إكراهٍ ولا إرهاب، كما تنادي بهذا الآيات القرآنية الكثيرة والأحاديث النبوية العديدة. قال الله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]. وقال تعالى: {إِنَّمَاجَزَاءُالَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْيُصَلَّبُوا أَوْتُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْيُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة 33].وقال تعالى: {وَلَاتُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]. وقال تعالى: {وَلَوْشَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 8].

وقال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142]. وقال تعالى: {وَلَاتَسُبُّواالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِعِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّ الِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوايَعْمَلُونَ} [الأنعام 108].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضلُ من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» (ترمذي). وقال صلى الله عليه وسلم: «من كَظَمَ غيظًا وهو يقدرُ على أن ينفذَه، دعاه الله على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامة حتى يخيرَه في أيِّ الحُورِ شاءَ» (ترمذي). وقال أيضًا: «من حَمَلَ علينا السلاحَ فليس منَّا» (مسلم). وقال أيضًا: «لا يَدخلُ الجنةَ مَنْ لا يأمنُ جارُه بوائقَه» (مسلم). وقال أيضًا: «الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق».

فهذه الآيات والأحاديث تنادي جهارًا بأن الإسلام لا يأذن لأيِّ أمر فاسد أو قبيح أو مؤذٍ أو مخوف قليلا ما في مجال الدعوة والمعاشرة والتعايش بالقول والفعل حتى وبالقلب؛ بل يؤكد الإسلام أن جميع الأمور المذكورة ليس من شأن المسلم، وليس في الإمكان أن نرى ملة غير الملة المحمدية تشير إلى قانون شامل يهدي الناس إلى النهج القويم في أمور المعايش الدنيوية والأخروية، والإسلام كما -يؤذن الاسم- يعلن جهارًا بأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ولا يؤذي الناس بلا فرق بين المسلم والكافر، بإرهاب أو تخويف أو سد الطريق وقتل النفوس بغير حق والظلم والفساد.

فعصارة المقال: أن العلماء وأصحاب الفتاوى خلفاءُ الله تعالى بين عباده، وهم يخبرون الناس عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم قدوة للعوام والجماهير، فإذا اعوجَّ الغصن فلا محالة يعوج الظل أيضًا، فعليهم أن يكونوا نماذجَ حيَّةً لتعاليمِ القرآن والسنة السمحة في حياتهم الشخصية والاجتماعية، وفي أقوالهم وخطاباتهم وفتاويهم، وما إلى ذلك، وألا يكونوا المسؤولين الأُول عن جميع الفوضيات واللا استقرارات التي تسود العباد والبلاد. والله الموفق وهو المستعان.


فضيلة الشيخ أبو بكر أحمد
الأمين العام لجمعية علماء أهل السنة والجماعة بالهند
رئيس جامعة مركز الثقافة السنية الإسلامية بالهند

  • 1
  • 0
  • 4,822

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً