عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان - (24) اغتنام يوم الجمعة

منذ 2018-05-09

الاستعداد للجُمُعة مِن ليلة الجُمُعة، فتفرّغ قلبك مِن الشواغل الدنيويَّة، وتشغل نفسك بالتوبة والاستغفار والذِّكر والتسبيح، وتعزم على التبكير إلى المسجدِ؛ لتكونَ مِن السابقين المجدين في الخيرات.

(24) اغتنام يوم الجمعة

يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس؛ ففي صحيح سنن أبي داود قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ مِن أفضل أيَّامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلق آدَم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه قُبض».

 

يوم الجمعة سيِّد الأيام، عيد المسلمين الأسبوعي، ومَن وجبت عليه الجمعة ثم تركها لغير عذر، فهو آثِم إثمًا كبيرًا؛ ففي صحيح سنن الترمذي قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن ترَك ثلاث جمعات تهاونًا بها، طبَع الله على قلبه»، وصلاة الجمعة صلاةٌ مستقلَّة، ليستْ ظهرًا مقصورًا، فُرضت في شهر ربيع الأول في السَّنَة الأولى للهجرة، وسُمِّي اليوم بيوم الجمعة؛ لأنَّه جمع فيه آدم مِن الماء والطين.

 

ومن آداب هذا اليوم العظيم:

 

1 - إخلاص النيَّة لله تعالى، ففي صحيح سنن أبي داود قال -صلى الله عليه وسلم-: «يحضُر الجُمُعةَ ثلاثةُ نفَر: رجلٌ حضرَها يلغو، وهو حظُّه منها، ورجل حضرَها يدعو، فهو رجلٌ دعا الله - عزَّ وجلَّ - إنْ شاء أعطاه وإنْ شاء منَعَه، ورجل حضرَها بإنصات وسُكوت ولم يتخطَّ رقبةَ مسلِم، ولم يؤذِ أحدًا، فهي كفَّارة إلى الجُمُعة التي تليها وزيادَةَ ثلاثة أيام؛ وذلك بأنَّ الله -تعالى- يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]»، وهذا فضلٌ عظيم من ربٍّ كريم، فاحرصْ يا بن الإسلام على استجماع نيَّاتك طلبًا لرضا ربك.

 

2 - الاستعداد للجُمُعة مِن ليلة الجُمُعة، فتفرّغ قلبك مِن الشواغل الدنيويَّة، وتشغل نفسك بالتوبة والاستغفار والذِّكر والتسبيح، وتعزم على التبكير إلى المسجدِ؛ لتكونَ مِن السابقين المجدين في الخيرات.

 

3 - الإكثار مِن الصلاة والسلام على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

4 - الاغتسال مِن بعد صلاة الفجْر، والسواك والتطيُّب، ويمتدُّ الغسل حتى أذان الجُمُعة؛ قال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح سنن أبي داود: «مَن اغتسل يومَ الجُمُعة واستاك ومسَّ مِن طِيب إنْ كان عنده، ولبِس مِن أحسن ثِيابه، ثم خرَج حتى يأتي المسجد، فلم يتخطَّ رقاب الناس، ثم ركَع ما شاء أن يرْكع، ثم أنصَتَ إذا خرَج الإمام، فلم يتكلَّم حتى يفرغ مِن صلاته، كانت كفَّارةً لما بينها وبيْن الجُمُعة التي قبْلها».

 

5 - قص الظفر والأخْذ مِن الشَّعر؛ فقد ثبَت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقصُّ شاربه، ويقصُّ أظافرَه قبل الجُمُعة كلَّ جُمُعة.

 

6 - يندب قراءة سورتي السَّجْدة والإنسان في صلاة الصُّبح؛ فقد روى مسلم وأحمد عن ابنِ عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ يوم الجُمُعة في صلاة الصبح: (الم تنزيل)، و (هل أتى على الإنسان)، وفي صلاة الجُمُعة بسورة الجُمُعة والمنافقون، ولكنني أرَى في كثير من المساجد مَن يقرأ جزءًا مِن السورتين، لا سيَّما الجزء الذي فيه السجْدة في الركعة الأولى؛ ظنًّا أنَّ الهدف في السجْدة، وليس ذلك - والله أعلم - هو المعنى المقصود؛ إنَّما المعنى المقصود تدبُّر ما في السورتَيْن من أمور الآخِرة، فاحذر أخي يا بن الإسلام مِن الخروج على سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- بل صلِّ بالسورتين، واستحضرْ نيَّة الاتباع، والله يوفِّقك.

 

7 - الطِّيب والسواك قبلَ الخروج إلى الجُمُعة.

 

8 - التبكير إلى الصلاة، ساعيًا إليها بالسكينة والوقار.

 

9 - اغتنام ثواب التبكير والصفِّ الأوَّل؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: «مَن اغتسل يومَ الجُمُعة غسلَ الجنابة ثم راح في الساعة الأولى، فكأنَّما قرَّب بَدَنة، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومَن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرتِ الملائكة يستمعون الذِّكر»، بل إنَّ مَن جامع زوجته يوم الجمعة، ثم اغتسل وبكَّر إلى المسجد، وأدرك الجمعة في أوَّل وقتها، وأدرك أوَّل الخطبة، فله أجر لا أظنه يخطر على بالك، فاستعدَّ للعمل أخي يا بن الإسلام؛ قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد، وصحَّحه الألباني: «من غَسَّل يوم الجُمُعة واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يرْكَب، ودَنا من الإمام، فاستمَعَ ولم يلغ، كان له بكلِّ خطوة عمَلُ سَنة؛ أجْر صيامها وقيامها» قوله: "من بكَّر"؛ أي: حضر مبكرًا، و"ابتكر"؛ أي: حضر باكورة الجمعة، و"غسّل" قيل: غسل رأسه واغتسل في نفْسه، وهذا تأكيدٌ للمعنى أنه غُسل مع تنظف، وقيل"غسّل" أهله؛ أي: جامع أهله؛ ليكون أسكنَ لنفسه إذا خرج، و"اغتسل" ثم خرَج، والأوَّل أصح، "ومشى ولم يركب": وهذا هو الأفضل في كلِّ الصلوات أن يذهب إليها ماشيًا، والجُمُعة على وجه الخصوص.

 

10 - تجنّب تخطِّي الرقاب، فيجلس حيث ينتهي الصف، ولا يمرُّ مِن بين أيديهم، إلا أن يرى فرجةً فيأوي إليها، ولا يفرِّق بيْن اثنين ليجلسَ بينهما.

 

11 - الدنو مِن الإمام ما أمكن والإنصات للخُطبة؛ فقدْ قال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح سنن أبي داود: «احضروا الذكر، وادنوا مِن الإمام؛ فإنَّ الرجل لا يزال يتباعد حتى يُؤَخَّر في الجنة وإنْ دخلها»، وقال في صحيح سنن الترمذي: «إذا قال الرجلُ لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت، فقدْ لغَا».

 

12 - إذا دخَل المسجد يصلِّي ركعتين تحية المسجد، فإنْ صعِد الإمام المنبر خفَّف فيهما، وإن لم يكن الإمام قد صعِد المنبر أطال فيهما؛ لحديث سُلَيْك الغطفاني في صحيح مسلم.

 

13 - ألاَّ يقيم غيره ليجلس مكانه؛ ففي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقيمنَّ أحدكم أخاه يومَ الجُمُعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افْسحوا».

 

14 - التحوُّل مِن مكان إلى آخَر إذا غلَب عليه النعاس؛ لأنَّ الحرَكة تُذهِب النعاس، كما قال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح سُنن الترمذي: «إذا نعِس أحدُكم في مجلسه يومَ الجُمُعة، فليتحوَّل منه إلى غيرِه».

 

15 - تجنّب الاحتباء في المسجد يومَ الجُمُعة؛ ففي صحيح سنن أبي داود عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهَى عن الحُبْوَة يومَ الجُمُعة والإمام يخطُب.

 

16 - ترقّب الساعة المباركة التي لا تُردُّ فيها دعوة، والإكثار مِن ذِكْر الله تعالى، وصلاة النوافِل، وهذه الساعة هي آخِر ساعة في يومِ الجُمُعة؛ أي: قبل غروب الشمس بساعة؛ ففي صحيح البخاري قال -صلى الله عليه وسلم-: «في يوم الجُمُعة ساعة لا يُوافقها مسلمٌ وهو قائم يُصلِّي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه».

 

17 - قراءة سورة الكهْف يوم الجُمُعة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الحسَن الذي رواه النسائي والبيهقي: «مَن قرأ سورة الكهْف في يوم الجُمُعة، أضاء له مِن النور ما بيْن الجُمُعتَين»، وقد روى البيهقي وصحَّحه الألباني: «مَن قرأ سورة الكهف في يومِ الجُمُعة، أضاء له مِن النور فيما بينه وبيْن البيت العتيق».

 

18 - عدم إفراد يوم الجُمُعة بصيام؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري: «لا يصومنَّ أحدُكم يومَ الجُمُعة إلا يومًا قبلَه ويومًا بعده».

 

19 - احتساب الأجْر العظيم بالخطوات إلى يومِ الجُمُعة؛ لما في صحيح سنن أبي داود: «من غَسَّل يوم الجُمُعة واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركَبْ، ودَنا مِن الإمام، فاستمع ولم يلْغُ، كان له بكلِّ خطوة عمل سَنَة؛ أجْر صيامها وقيامها» ))، وقد سبَق هذا الحديث في الأدَب التاسع.

 

* واحرص - أخي يا بن الإسلام - على الإكثار مِن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عمومًا، وفي يوم الجُمُعة على وجه الخُصوص؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود وصحَّحه الألباني: «إنَّ مِن أفضل أيامكم يومَ الجُمُعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعْقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ»، قالوا: يا رسولَ الله، وقد تُعرَض صلاتنا عليك وقد أرمِت - بليت -؟! فقال: «إنَّ الله حرَّم على الأرْض أجساد الأنبياء»، وعندَ مسلم: «مَن صلَّى عليَّ صلاة، صلَّى الله عليه بها عشرًا».

 

* واحرص على وصْل الصفوف وسدّ فرجِها؛ ففي الحديث في السلسلة الصحيحة: «إنَّ الله وملائكتَهُ يُصَلُّونَ على الذين يَصِلُونَ الصُّفُوفَ، ومَن سدَّ فُرجةً بَنَى الله له بيتًا في الجنة، ورفعَه بها دَرَجة».

 

الوسيلة الثالثة عشرة: المحافظة على النوافل:

 

قال الله تعالى في الحديث القُدسي الذي رواه البخاري: «مَن عادَى لي وليًّا، فقد آذنته - أعلمته - بالحرْب - أنِّي محارب له - وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورِجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفْس المؤمِن، يكْرَه الموت، وأنا أكره مَسَاءَتَه»، هذا الحديث من الأحاديث الجامعة التي يَنبغي التعرُّض لها عند بيان منهج أهل السنة والجماعة في التزكية، وقد سُقته هنا في المحافظة على النوافل لاستثمار رمضان، ولكن لا أرَى عذرًا لي في المرور مرَّ الكرام على هذا الحديث، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث يبيِّن أنَّ الله يدافع عن أوليائه، وهم الذين ذكَرهم الله في قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[يونس: 62 - 63]، فأولياء الله هم المؤمنون المتَّقون.

 

ثم بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يَرويه عن ربه تعالى طريقَ الوصول إلى مقامِ الولاية، ببيان أنَّ أفضل ما تقرَّب به العبدُ إلى ربه هو ما افترَضه عليه، وما افترَضه الله -تعالى- يشمل فعلَ الواجبات وترْك المحرَّمات؛ فقد فرَض الله علينا ترْكَ الرياء، وترْك الحَسَد، وترك إرادة العلوِّ في الأرض والفساد، وترْك الزنا والرِّبا والفواحش، وغيرها مِن المحرمات الظاهرة والباطنة، كما فرَض علينا رجاءَه والخوف منه، والتوكل عليه وحده، وغير ذلك مِن الفرائض.

 

ثم بعد إتمام الفرائِض يرتقي العبد في مقامات الولاية بالمداومة على التقرُّب بالنوافل، وهي تشمل فعلَ المستحبَّات وترك المكروهات، أمَّا فيما بين العبد وبين الناس، فيجب أن تكون المعاملة معهم بما شرَع الله.

 

فهذا هو طريقُ التزكية كما بيَّنه الحديث؛ قال تعالى: «فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به»، وفي الرواية الأخرى: «فبي يسمع، وبي يُبصِر، وبي يَبطش، وبي يَمشي»، وقد صحَّحها الألباني في تحقيق كتاب الاحتجاج بالقدر، وليس المعنى أنَّ الله يحل فيه - تعالى الله عن ذلك - فهذا بإجماع المسلمين عقيدةٌ كفرية، ولا يدلُّ عليها الحديث بوجْه، بل هذا من المتشابه الذي يجب ردُّه إلى المحكَم، وهذا المحكَم موجود في الحديث نفسه؛ لأنَّ الله تعالى قال: «مَن عادَى لي وليًّا» وقال: «ولئن سألني»، فهناك سائلٌ ومسؤول، وهناك مُعْطٍ ومُعْطًى، وهناك مستعيذ ومستعاذ به، فقد بيَّن الحديث أنَّ ذات الربّ غير ذات العبد، وإنَّما معنى: «كنتُ سمعَه الذي يسمع به»، أنَّه يسمع بالله؛ أي: مستعينًا بالله، وذلك مثل معنى: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فمعنى هذه الكلمة: أنَّ العبد يستعين بالله تعالى في كلِّ أحواله، وأن يجعلَ الله تعالى هذه الجوارحَ في طاعته ومرضاته، فبالله يسمع؛ أي: يستعين بالله في سمعه، وبه يُبصر؛ أي: يستعين به في إبصاره، وأن يجعل الله تعالى هذا السمعَ وهذا الإبصار له - عزَّ وجلَّ - وفي مرْضاته.

 

فتحقيق: (إياك نعبد وإياك نستعين) أن يكون - سبحانه - "سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به..."، فهو يعمل لله وبالله؛ أي: يعمل مخلصًا لله، ويعمل مستعينًا به - سبحانه.

 

ولن يصل إلى تحقيقِ أن يكون السمع لله، والبصر لله، والمشي لله، والبطش لله، إلا بالله؛ أي: بتوفيقه سبحانه، وقد يوفِّقه الله ويُقدِره على ما لا يقدِر عليه غيره في هذه الأمور بأنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القُدرة والتأثير، وسوف يُدرك من ذلك قدْرًا قد لا يصل إليه غيره، بمعنى أنه قد يرى ما لا يراه الناس، ويَسمع ما لا يسمعون، وقد يبطش ويمشي ويفعل ما لا يقدِرون على مثله.

 

كما أنَّ الله -تعالى- فتَح أسماع الصحابة - رضي الله عنهم - لكي يسمعوا تسبيحَ الطعام وهو يُؤكَل - كما روَى البخاري عن ابن مسعود - وفتَح أبصارهم حتى رأى مَن رأى منهم الملائكة التي نزلتْ تستمع الذِّكر - كما حدَث لابن حضير، وحديثه عندَ مسلم وغيره - ورأوا الملائكة وقد نزلتْ تقاتل معهم، وأسمع الله ساريةَ صوتَ أمير المؤمنين عمر يقول: "يا ساريةُ، الجبلَ الجبلَ" - كما روى ابنُ عساكر واللالكائي في السُّنة - ووفَّقهم في غزواتهم حتى كانت الفئة القليلة تغلب أضعافَها في الحروب أمامَ أعدائهم بطاعتهم لله، وطوَى لهم الأرض حتى قطع خالد بن الوليد وجيشه المسافةَ مِن العراق إلى الشام في ثلاثة أيام، في ذلك الزمَن الذي كانت تستغرق فيه شهرًا!

 

وهذا الأمر يدلُّ على أنهم حقَّقوا معاني العبودية الكاملة، واستعانوا بالله تعالى، فهذا معنى الحديث: لا يسمع إلا ما يُرضي الله، ولا ينظر إلا إلى ما يُرضي الله، ولا يَمشي إلا في طاعة الله، ولا يبطش ولا يلمس ولا يستعمل يدَه إلا في مرضاة الله، وهو في كلِّ ذلك يحقِّق الاستعانة بالله.

 

أمَّا الزيادة التي في هذا الحديث، وهي: "حتى يكون عبدًا ربَّانيًّا يقول للشيء: كن فيكون"، فلا توجد في أي كتاب مِن كتب السنة على شُهرتها بين العوام، فهي زيادة ضعيفة، بل هي أقربُ إلى الوضع، فالعبد لا يقول للشيء: كن فيكون، وإنَّما يدعو الله أن يكون هذا الشيء كذلك، فيسأل الله، ويتضرَّع إليه، وإنما الذي يقول للشيء كن فيكون، هو الله ربُّ العالمين وحْدَه لا شريك له.

 

ولكن أهل الانحراف يُريدون حمْلَ هذا على الحلول، فالعبد الربَّاني عندهم هو الذي يحلُّ الله فيه، أمَّا العبد الرباني في كتاب الله فهو العبدُ الذي عَلِمَ الحق وعمِل به وعلَّمه للناس؛ قال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ [آل عمران: 79]، فهو يتعلَّم ويعمل ويُعَلِّم الناس، أما العبد الرباني عندَ القوم فهو الذي حلَّ فيه الرب، أو اتَّحد بذات الرب - جلَّ وعلا وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.

 

* استحضر هذا الحديث - بهذا الفَهم - عند صلاة النوافل؛ لتطلبَ بها حبَّ الله؛ حتى يعطيك ما تسأل، ويُعيذك مما تكْره.

 

* النوافِل حريم الفرائض، فمن فرَّط في السُّنن، أوْشَك أن يفرِّط في الفريضة، ومَن حافظ على السنن، كانتِ الفرائض في حماية، فأحِطْ فريضتك بسنن تحميها.

 

* النوافل تتمِّم الفرائض الناقصة؛ لما روى الطبراني، وصحَّحه الألباني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن صلَّى عليَّ صلاة لم يتمَّها، زيد عليها مِن سبحاته حتى تتم))، فأتمم النواقِص بنوافل كثيرة، يتمَّ الله -تعالى- لك.

 

* السنن الراتبة لا تفرِّط في شيء منها أبدًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن صلَّى في يوم وليلة ثِنتي عشرة ركعةً، بُني له بيتٌ في الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعدَ المغرب، وركعتين بعدَ العشاء، وركعتين قبل صلاةِ الفجْر))؛ رواه الترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

 

* صلاة التطوُّع كثيرة، فأكْثِر ما استطعت؛ قال تعالى: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق: 19]، فكلَّما سجدتَ لله أكثر، كان قربُك من الله أكثر، وصرتَ عن الدنايا أعلى؛ روى مسلم أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((عليكَ بكثرة السجود لله؛ فإنَّك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعَك الله بها درجةً، وحطَّ بها عنك خطيئة))، و: ((ما مِن عبدٍ يسجد لله سجدةً إلا كتَب الله له بها حسنةً، وحطَّ عنه بها سيئةً، ورفَع له بها درجة، فاستكثِروا مِن السجود))، كما في صحيح الجامع الصغير وزياداته.

 

وهاك بعض المستحبَّات:

* ثماني ركعات ضحى: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن صلَّى الضُّحَى ركعتين لم يُكتب مِن الغافلين، ومن صلَّى أربعًا كُتِب من العابدين، ومَن صلَّى ستًّا كُفي ذلك اليوم، ومَن صلَّى ثمانيًا كتَبه الله من القانتين، ومَن صلَّى اثنتي عشرة ركعةً، بنَى الله له بيتًا في الجنة))؛ رواه الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبرانيُّ في الكبير، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي؛ وثَّقَه ابن معين، وابن حبان، وضعَّفه ابنُ المديني وغيره، وبقية رِجاله ثقات، ومع هذا فأكثر المسلمين - وللأسف - يُهملون تلك الصلاة؛ لأنَّها تكون في الوقتِ الذي ينشغلون فيه بأعمالهم، فاحرص - أخي يا بن الإسلام - على صلاةِ الضحى؛ ففيها الخيرُ الكثير؛ فعندَ مسلم والنسائي عن أبي ذرٍّ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يُصبِح على كلِّ سُلامَى مِن أحدكم صدَقة، فكل تسبيحة صدَقة، وكل تحميدة صدَقة، وكل تهليلة صدَقة، وكل تكبيرة صدَقة، وأمْر بالمعروف صدقة، ونهي عنِ المنكر صدَقة، ويُجزئ عن ذلك ركعتانِ تركعهما من الضُّحى)).

 

* أربع ركعات قبلَ الظُّهر وأربع بعدَها؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن حافَظ على أربع ركعات قبلَ الظهر وأربع بعدَها، حرَّمه الله على النار))؛ رواه الترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

 

وهذا الحديث أُهديه إلى الذين لا يصلُّون إلا الفرائض فقط، فيحرمون أنفسهم مِن الخير الذي ذكَره النبي -صلى الله عليه وسلم- فتلك الرَّكَعات إذا حافظ عليها العبدُ كانت سببًا لأنْ يُحرِّم الله جسدَه على النار، وقد قال العزيز الغفَّار - سبحانه وتعالى -: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].

 

* أربع رَكَعات قبل العصر؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((رَحِم الله امرأً صلَّى قبلَ العصر أربعًا))؛ رواه الترمذي وأبو داود، وحسَّنه الترمذي.

 

* ركعتين قبل المغرب وركعتين قبلَ العشاء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بيْن كل أذانين صلاة - قالها ثلاثًا ثم قال في الثالثة -: لمن شاء))؛ كما روى مسلم.

 

* سجود التلاوة: ففي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا قرأَ ابنُ آدَم السجدة فسجَد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلي! أُمر ابن آدم بالسجود فسجَد، فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيتُ، فَلِيَ النار)).

 

واعلم أنَّ مَن قرأ آية سجدة أو سمِعها يستحبُّ له أن يكبِّر ويسجد سجدة، وهذا يُسمَّى سجود التلاوة، ولا تشهُّد فيه ولا تسليم، وقد ذهَب جمهور العلماء إلى أنَّ سجود التلاوة سُنة للقارِئ والمستمع.

 

ومواضع السجود في القرآن خمسة عشرَ موضعًا، ومَن سجد سجودَ التلاوة دعَا بما شاء، وإنْ أتى بالذِّكر المأثور فيها، فهو حسَن، على أنه ينبغي أن يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، إذا سجَد سجود التلاوة في الصلاة.

 

* القيام: وما أدراك ما القيام؟! إنَّ لقيام الليل أسرارًا، إنه إعداد للرجال، يُثَبِّتُ القلوب على الحق ويَزيدها قوةً إلى قوتها، إنه سرُّ فلاح العبد؛ يبعد عن الخطايا والذنوب، ويَزيد الإيمان، يلحق العبدَ بالصالحين، ويبلغه مرتبةَ القانتين المحسنين، يعبد الله كأنَّه يراه، فإنْ لم يكن يراه فإن الله يراه.

 

حسبك أن تعلمَ أنَّ جبريل - عليه السلام - قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- كما عندَ الحاكم والبيهقي، وحسَّنه الألباني: ((.. واعلم أنَّ شرَف المؤمن قيامُه بالليل، وعِزُّه استغناؤه عن الناس)).

 

بل دعَا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة لأهل قيام الليل، فقال - كما عند أحمد وأبي داود وصحَّحه الألباني -: ((رحِم الله رجلاً قام من الليل فصلَّى وأيقظ امرأتَه فصلَّتْ، فإنْ أبَتْ نضح في وجهها الماء، ورحِم الله امرأةً قامت مِن الليل فصلَّتْ وأيقظتْ زوجها، فإن أبَى نضَحَتْ في وجهه الماء)).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم- كما روى أبو داود والحاكم وصحَّحه الألباني: ((مَن استيقظ مِن الليل وأيقظ امرأتَه فصليَا ركعتين جميعًا، كُتِبَا ليلتئذٍ من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ في الجنة لغرفًا يُرى ظهورُها من بطونِها، وبطونُها من ظهورِها))، فقال أعرابي: لِمَن هي يا رسولَ الله؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- كما عندَ الترمذي وحسَّنه الألباني: ((هي لِمَن أطاب الكلام، وأطعَم الطعام، وأدام الصِّيام، وصلَّى لله والناس نيام))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((عليكم بقيامِ الليل؛ فإنَّه دأب الصالحين قبلَكم، وقربة إلى ربِّكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عنِ الإثم))؛ رواه الترمذي وصحَّحه الألباني، وفي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((أفضلُ الصلاة بعدَ الفريضة صلاةُ الليل)).

 

أيها الإخوة الكِرام، يا أبناء الإسلام، شهرُ رمضان شهرٌ كلُّه خيرٌ وبرَكة، وسبحان الله الكريم! أعطى فيه مِن فرص المغفرة للمؤمنين والمؤمِنات ما يفوق الأمنيات.

 

ولكن سبحان الملك العليم القدير، تجِد في شهر رمضان علامةً مميزة عجيبة دون غيره من الشهور، كأنَّها شامة في جبين هذا الشهر، ألا وهي قيام رَمضان، ففضلاً عن أنَّ قيام رمضان يستوجب مغفرةَ الذنوب المتقدمة، فلقيام رمضان لذَّةٌ وبهجة خاصَّة عجيبة، ليس كمثلها شيء.

 

سبحان الله! قد يقوم الإنسان كثيرًا وطويلاً على مدار السَّنة، ولكن قيام رمضان له مذاقٌ خاص يختلف عن جميعِ السَّنَة، والليل في رمضان له مذاقٌ خاص أيضًا يختلف عن جميع ليالي السَّنَة، وهذه مِن خصوصيات رمضان: أن تجِد القيام سهلاً على جميع الناس، حتى إنَّك لتجد بعض مَن كان لا يصلِّي الفرائض في غير رمضان يُصلِّي القيام في رمضان! ومن خصوصيات هذا الشهر الكريم أيضًا: نداوة الأصوات، فأحْلى قرآن تسمعه في حياتك، تسمَعه في ليالي رمضان.

 

وإليك - أخي الحبيب - بعض المنشِّطات لقيام رمضان، وأعْني فوائدَ قيام رمضان، تلكم الفوائد الجليلة التي بأيدي المحبِّين المشتاقين إلى الخِدمة بنشاط، فمِن بين فوائد قيام رمضان ما يلي:

 

* قيام رمضان مِن الإيمان، ومغفرة لسالِف الذنوب؛ قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: ((مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه))؛ قال الشيخ الألباني: "أمَّا إذا لم يكن على الإنسان ذنب، فيظْهر هذا الفضل في رفْع الدرجات، كما في حقِّ الأنبياء المعصومين من الذنوب".

 

* استحقاق قائِمة اسم الصِّدِّيقين والشهداء: جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إنْ شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله، وصليتُ الصلوات الخمس، وأديتُ الزكاة، وصمتُ رمضان وقُمته، فمِمَّن أنا؟! قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مِن الصِّدِّيقين والشهداء))؛ رواه ابن حبَّان، وصححه الألباني.

 

* مَن قام مع إمامه كُتب له قنوت ليلة؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ الرجل إذا صَلَّى مع الإمام حتى ينصرف، حُسب له قيام ليلة))؛ رواه أحمد وصحَّحه الألباني.

 

فاتَّق الله في عُمرك، وأقبل على صلاة التراويح، يُقبل الله عليك، واصبرْ على إمامك حتى ينصرف، ولا تستعجلْ فتخسر ليلتَك.

 

* قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومَن قام بمائة آية كُتب مِن القانتين، ومَن قام بألف آية كُتب من المقنطرين))؛ رواه أبو داود، وحسَّنه الألباني.

 

* القيام شرف: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((شرف المؤمن قيام الليل))؛ رواه الحاكم وصحَّحه الألباني.

 

فهيَّا إلى قافلة الشرفاء، وواظبْ على قيام الليل، تكُن شريفًا عند الله.

 

* قال -صلى الله عليه وسلم-: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنَّه دأب الصالحين قبلكم))، فمن أراد أن ينضمَّ إلى قافلة الصِّدِّيقين والشهداء، ثم يَنضاف إلى قافلة الشرفاء، فليجعل قيام الليل دأبه؛ لأنَّه دأبهم وعلامتهم، وكأنك تستشعر مِن كلمة الدأب المداومة والصَّبر والاجتهاد في هذا العمل، فاجتهد فيه كجهدهم تكُن منهم.

 

* القيام شفاء وعافية؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((عليكم بقِيام الليل... ومطردة للداء عن الجسد))؛ رواه الترمذي وحسَّنه الألباني.

 

سبحان الله العظيم! الذي مَن عَرَفَه لم يبخل عليه بنفَس من أنفاس حياته؛ فإنَّه نِعم التعامل مع الكريم، إذا ضحيتَ لله بجزء من راحتك، عوَّضك عن ذلك راحةً أكثر، وصحَّة أفضل، بل إنه - سبحانه - يجعل قيامَك له، وأنت تُغالِب شهوة النوم فتطردها، فيجعل الجزاء مِن جنس العمل: أن يطرد مقابلَ ذلك الداء عن جسدك، فإلي الباحثين عن الصحَّة: عليكم بقيام الليل!

 

* عصمة من الذنوب؛ ففي الحديث ((ومنهاة عن الإثم))، نعمْ والله! كيف لقلبٍ ذاق حلاوة قيام الليل أن يُصبح فيعصي ربَّه؟! كيف لقلب استشعرَ في الليل وهو قائِم رُؤيةَ الله له ومباهاته به، ثم يُصبح فيعصي الله؟! كيف لقلب بات يُناجي ربه ويتلذَّذ بكلمات الله، ثم يُصبح تاركًا طاعة ربه؟! إنها المكافأة كما قال الحسن البصري: مَن أحسن في ليله كُوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله.

 

* الله يباهي بالقائمين؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا قام الرجلُ من الليل يصلِّي، فغلبته عيناه فنام في سجوده، فإنَّ الله يقول لملائكته: انظروا يا ملائكتي، هذا عبْدي رُوحه عندي، وجسده بين يديّ، اكتبوا له قيامَه، واجعلوا نومَه صدقةً مني عليه))؛ أخرجه ابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

 

سبحان الملك الكريم! الله يُباهي ملائكته بساجد نائم، فما بالك بالمتيقِّظ المقاوِم؟! والله هذا شرفٌ لا يُقاوَم.

 

* سبيل لمحبة الله؛ قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الحاكم وصحَّحه الألباني: ((ثلاثة يحبُّهم الله ويستبشر بهم ويضحَك إليهم - وذكر منهم: رجل عنده امرأةٌ حَسَنة، وفراش حَسَن، ثم قام يصلِّي، فيقول الله للملائكة: انظروا يا ملائكتي: هذا عبْدي عنده فراش حَسَن، وزوجة حسَنة، فتركها ثم قام يتملَّقني، ويتلو آياتي، ولو شاء رَقَد)).

 

انظر أيها الحبيب المحب، كيف أنَّ كل ما تبذله لله له قدْرٌ عند الله، ويقع عندَ الله بموقع، والشاهد قوله -تعالى- للملائكة: ((ولو شاء رَقد))، فالله يحفظ لك أنك غالبتَ الرقود وآثرتَ القيام، فأحبك واستبشر بك، وضحِك لك.

 

* القيام نور الوجوه والقلوب؛ قيل للحسن: ما بال القائمين أحسنُ الناس وجوهًا؟! فقال: إنَّهم خلوا بالله في السَّحَر، فألبسهم مِن نوره.

 

* الكلام عن عدد ركعات قيام رمضان:

قال شيخ الإسلام: إنَّ نفْس قيام رمضان لم يوقّت فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- عددًا معينًا، بل كان هو -صلى الله عليه وسلم- لا يَزيد عن ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يُطيل الركعات، فلما جمعَهم عمر على أُبيِّ بن كعب كان يصلِّي بهم عشرين ركعةً، ثم يوتِر بثلاث، وكان يخفِّف القراءة بقدْر ما زاد مِن الركعات؛ لأنَّ ذلك أخف على المأمومين مِن تطويل الركعة الواحدة.

 

والأفضل يختلِف باختلاف أحوالِ المصلِّين؛ فإنْ كان فيهم احتمالٌ لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدَها كما كان -صلى الله عليه وسلم- يصلِّي لنفسه، فهو الأفضل، وإنْ كانوا لا يحتملونه، فالقيام بعشرين أفضل، وهو الذي يعمل به أكثرُ المسلمين؛ فإنَّه وسط بين العشرين وبيْن الأربعين، ومَن ظَنَّ أنَّ رمضان فيه عددٌ مؤقت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُزاد فيه ولا يُنقص، فقدْ أخطأ، وكذلك لم يُذكَر أنه -صلى الله عليه وسلم- حدَّد مقدار القراءة في كلِّ ركعة، بل يختلف ذلك بحسبِ نشاط القوم؛ فقد أمَر عمر بن الخطاب أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداريَّ أن يقومَا بالناس في رمضان، فقال قائلهم: فكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العِصي مِن طول القيام، وما كنَّا ننصرف إلا في بزوغ الفجر، وقال أبو داود: سُئل أحمد عنِ الرجل يقرأ القرآن مرَّتين في رمضان يؤمُّ الناس؟ قال: هذا عِندي على قدر نشاط القوم، وإنَّ فيهم العمَّال.

 

فيا أخي الحبيب: لا تشتغل بمناقشة عددِ ركعات القيام مع الآخرين، ولا تجادِلْ وتضيِّع رمضان، عليك بالعمل، فاجتهدْ في أن تقوم أكثرَ الليل، ولا تُضيِّع وقتك مع البطالين.

 

ويجوز للنساء حضورُ الجماعة في قيام رمضان إذا تأدبْنَ بآداب الخروج الشرعيَّة؛ مِن الحجاب، وعدم التطيُّب، وعدم رفْع أصواتهن، أو الاختلاط بالرِّجال في المواصلات والشوارع ونحو ذلك، وغضّ البصر، وعدم البقاء لوقتٍ متأخِّر خارجَ المنزل دون محْرَم، وإلا فصلاتهنَّ في بيوتهن أفضل.

 

ويمكن لرجل مِن أهل البيت أن يؤمَّهم للصلاة، ويمكن أيضًا أن تؤمَّ المرأةُ النساءَ في قيام رمضان، وإذا لم يكُن الإمام قارئًا، جاز له أن يُصلِّي بالناس ويقرأ من المصحَف.

 

* إذا قمتَ فأيقظ أهلك: فإنَّ عباد الرحمن لا يَكفيهم أن يبيتون سجدًا وقيامًا فحسبُ، بل ويرجون ذريةً تسير على نهجهم، وأن تكون لهم أزواج مِن نوعيتهم، فتقرّ بهم أعينهم، وتطمئنّ لهم قلوبهم؛ قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور: 21]، وتأمَّل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه أبو داود وصحَّحه الألباني: ((مَن استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليَا ركعتين جميعًا، كُتبَا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات)).

 

* وقد يتساءَل باغي الخير فيقول: لِمَ كل هذا الاهتمام بالليل؟! والجواب: أنه لأسباب كثيرة، أهمُّها خمسة:

فالأول: أنَّ الإنسان عندما يقوم الليل يكون هذا أخلصَ لربِّه؛ لأنَّه يكون في وقت سر لا يطلع عليه أحد.

 

والثاني: أنَّه أشقُّ على النفْس؛ ولذلك يكون الأجْر أكثر؛ فالأجْر على قدْر المشقة.

 

والثالث: أنَّه مع خلوِّ البال مِن مشاغِل الحياة، وسكونِ الليل، والفراغ مِن الدنيا والكد فيها، يكون القلبُ أكثرَ مواطأةً وموافقة للسان في الذِّكْر.

 

والرابع: أنَّ الليل موطِن لتنزل الرَّحَمات، ولنزول ربِّ الأرض والسموات، فعظمت العبادة فيه.

 

وأمَّا الخامس: فلأن قيام الليل عبادةٌ جامعة لطهارة القلْب، وقد قال قتادة: كان يُقال: ما سهِر الليل منافق؛ يعني: في قيام الليل.

 

وفي ختام الكلام على النوافل أنصحُك أن تأخذ مِن كل عبادة بنصيب وافِر؛ حتى لا تملَّ ولا تسأم، ولكن في نفس الوقت أحبُّ أن أنبه في مسألة النوافل على عدَّة أمور:

 

أولاً: تحوّل العبادة إلى عادة؛ لأنَّ البعض يألف بعضَ العبادات حتى يفقِد حلاوتها ولذَّتها، فلذلك تراه لا يستشعِر أجرها، فتصبح العبادةُ حركةً آلية لا أثَر لها في سمْت أو قول أو عمَل أو تربية! فاحذر مِن ذلك.

 

ثانيًا: عدم الاهتمام بالنوافِل على حسابِ الفرائض؛ لأنَّ البعض يُخطئ فيهتم بالأدْنَى على حساب الأعلى - وما في العبادات دنيء - ولكنَّه يقوم الليل مثلاً، ثم ينام عن صلاة الفجْر، لا، ليكن لك مِن كل عبادة نصيب، وعلى حسبِ الأهمية، كالنحلة التي تجمع الرحيقَ من كل الزهور، ثم تخرجه عسلاً مصفًّى شهيًّا سائغًا لذةً للآكلين.

 

ثالثًا: إذا تعارَض واجب ومستحبّ، فالواجِب مقدمٌ ولا شكّ.

 

رابعًا: التركيز على أعمالِ القلوب وتقديمها على أعمالِ الجوارح؛ فالقلوب هي محلُّ الفِقه ومحل التدبُّر ومحل العِلم، والقلْب مع الجوارح كالملِك مع الجنود: ((ألاَ إنَّ في الجسد مضغةً إذا صلَحَتْ صلَح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسَد الجسد كله؛ ألاَ وهي القلب)).

 

وسائل تحصيل لذة الصلاة:

اعلم أنَّ هذه المعاني تكثُر العبارات عنها، ولكن يجمعها ستُّ جمل، وهي: حضور القلْب، التفهم، التعظيم، الهيبة، الرجاء، الحياء، وأبدأ - بعون الله - في ذكْر تفاصيلها ثم أسبابها، ثم العلاج في اكتسابها.

 

أما التفصيل:

فالأول: حضور القلْب: وأعني به أن يفرغ القلب مِن غير ما هو ملابِس له ومتكلّم به، فيكون العِلم بالفعل والقول مقرونًا بهما، ولا يكون الفِكر جائلاً في غيرهما، ومهما انصرَف القلب في الفِكر عن غير ما هو فيه - وكان في قلْبه ذكر لما هو فيه - ولم يكن فيه غفلةٌ عن كلِّ شيء، فقد حصَل حضور القلْب.

 

والثاني: هو التفهُّم لمعنى الكلام، وهو أمْر وراءَ حضور القلْب، فربَّما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ، ولا يكون مع معنَى اللفظ، فاشتمال القلْب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أُريده بالتفهُّم، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه؛ إذ ليس يشترك الناس في تفهُّم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم مِن معانٍ لطيفة يفهمها المصلِّي في أثناء الصلاة، ولم يكن خطَر بقلْبه ذلك قبْله؟! ومن هذا الوجه كانتِ الصلاةُ ناهيةً عن الفحشاء والمنكر؛ فإنَّها تُفهم أمورًا، تلك الأمور تمنع عنِ الفحشاء لا محالة.

 

والثالث: التعظيم، وهو أمرٌ وراءَ حضور القلْب والفهم؛ إذ الرَّجل يخاطب عبدَه بكلام هو حاضِر القلب فيه، ومتفهِّم لمعناه، ولا يكون معظِّمًا له، فالتعظيم زائدٌ عليهما.

 

والرابع: الهيبة، وهي مرتبة زائدة على التعظيم، بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأنَّ مَن لا يخاف لا يُسمَّى هائبًا، والمخافة مِن العقرب وسوء خُلُق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة، لا تُسمَّى مهابة، بل الخوف مِن السلطان المعظَّم يُسمَّى مهابة، والهيبة خوف مصدرُه الإجلال.

 

والخامس: الرَّجاء، ولا شكَّ أنَّه زائد؛ فكم مِن معظِّمٍ ملِكًا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته، ولكن لا يرْجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثوابَ الله تعالى، كما أنه خائف بتقصيره عقابه - عزَّ وجلَّ.

 

والسادس: الحياء، وهو زائدٌ على الجملة؛ لأنَّ مستندَه استشعار تقصير وتوهُّم ذنب، ويتصوّر التعظيم والخوف والرجاء مِن غير حياء؛ حيث لا يكون توهُّم تقصير وارْتكاب ذنب.

 

وأمَّا أسباب هذه المعاني الستَّة، فاعلم أنَّ حضور القلب سببُه الهمَّة؛ فإنَّ قلبك تابع لهمتك، فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمَّك أمرٌ حضَر القلب فيه شاءَ أم أبَى، فهو مجبولٌ على ذلك ومسخَّر فيه، والقلب إذا لم يحضرْ في الصلاة لم يكن متعطلاً، بل كان جائلاً فيما الهمَّة مصروفة إليه مِن أمور الدنيا، فلا حيلةَ ولا علاج لإحضار القلْب إلا بصرْف الهِمَّة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبيَّنْ أنَّ الغرض المطلوب منوطٌ بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأنَّ الآخرة خيرٌ وأبقى، وأنَّ الصلاة وسيلةٌ إليها، فإذا أُضيف هذا إلى حقيقة العِلم بحقارة الدنيا ومهماتها، حصَل مِن مجموعها حضورُ القلب في الصلاة، وبمِثل هذه العِلَّة يحضُر قلبك إذا حضرتَ بين يدي بعض الأكابِر مِمَّن لا يقدر على مضرَّتك ومنفعتك، فإذا كان لا يحضُر عندَ المناجاة مع ملِك الملوك الذي بيده الملك والملكوت، والنفع والضر، فلا تظننَّ أنَّ له سببًا سوى ضعف الإيمان، فاجتهدِ الآن في تقويته، والله المستعان.

 

وأمَّا التفهم، فسببه بعدَ حضور القلب: إدْمان الفِكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى، وعلاجُه الذي هو علاج إحضار القلْب مع الإقبال على الفِكر، والتشمير لدفْع الخواطر، وعلاج دفْع الخواطر الشاغِلة قطع مواردها؛ أعني: النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذِب الخواطرُ إليها، وما لم تنقطع تلك الموادُّ لا تنصرِف عنها الخواطر، فمَن أحبَّ شيئًا أكثر ذِكره، فذكر المحبوب يهجم على القلْب بالضرورة؛ ولذلك ترى أنَّ مَن أحب غير الله لا تصفو له صلاةٌ عن الخواطر.

 

وأما التعظيم، فهو حالةٌ للقلب تتولَّد مِن معرفتين: إحداهما: معرفة جلال الله وعظَمته، وهو من أصول الإيمان، فإنَّ مَن لا يعتقد عظمته لا تُذعن النفس لتعظيمه، والثانية: حقارة النفس وخسَّتها وكونها عبدًا مسخَّرًا مربوبًا؛ حتى يتولد مِن المعرفتين الاستكانةُ والانكسار والخشوع لله - سبحانه - فيعبَّر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفةُ حقارة النفس بمعرفة جلال الله، لا تنتظم حالةُ التعظيم والخشوع، فإنَّ المستغني عن غيره، الآمِن على نفسه، يجوز أن يعرف مِن غيره صفاتِ العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله؛ لأنَّ القرينة الأخرى - وهي معرفةُ حقارة النَّفْس وحاجتها - لم تقترنْ إليه.

 

وأما الهيبة والخوف، فحالةٌ للنفْس تتولَّد من المعرفة بقُدرة الله وسطوته، ونفوذ مشيئته فيه، مع قلَّة المبالاة به، وأنَّه لو أهلك الأوَّلين والآخرين لم ينقصْ ذلك مِن ملكه ذرَّة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء مِن المصائب وأنواع البلاء مع القُدرة على الدفْع، على خلاف ما يشاهد مِن ملوك الأرض، وبالجُملة كلما زاد العِلم بالله، زادتِ الخشية والهيبة.

 

وأمَّا الرجاء، فسببه معرفةُ لطف الله - عزَّ وجلَّ - وكرمه، وعميم إنعامِه ولطائف صنعه، ومعرفة صدقه في وعده الجَنَّة بالصلاة، فإذا حصَل اليقينُ بوعده، والمعرفةُ بلطفه، انبعث من مجموعهما الرجاءُ لا محالة.

 

وأمَّا الحياء، فباستشعاره التقصيرَ في العبادة، وعِلمه بالعجز عنِ القيام بعظيم حقِّ الله -تعالى- ويقَوَى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها، وقلَّة إخلاصها، وخُبث دخيلتها، وميلها إلى الحظ العاجِل في جميع أفعالها، مع العِلم بعظيم ما يَقتضيه جلالُ الله - عزَّ وجلَّ - والعلم بأنَّه مُطَّلع على السرِّ وخطرات القلْب، وإن دقَّتْ وخفيت، وهذه المعارِف إذا حصلت يقينًا انبعث منها بالضرورة حالةٌ تسمَّى الحياء، فهذه أسبابُ هذه الصفات، وكلُّ ما طُلب تحصيله فعلاجُه إحضارُ سببه؛ ففي معرفة السبب معرفةُ العلاج.

 

ورابطة جميعِ هذه الأسباب الإيمانُ واليقين؛ أعني: به هذه المعارف التي ذكَرْناها، ومعنى كونها يقينًا: انتفاءُ الشك واستيلاؤها على القلْب، وبقدر اليقين يخشَع القلب، وباختلاف المعاني التي ذكرْناها في القلوب انقَسَم الناس إلى غافِل يُتمِّم صلاته ولم يحضر قلْبه في لحظةٍ منها، وإلى مَن يتمم ولم يغِبْ قلبه في لحظة، بل ربَّما كان مستوعبَ الهم بها بحيث لا يحسُّ بما يجري بين يديه؛ ولذلك لم يحسَّ مسلمُ بن يسار بسقوط الأسطوانة من المسجد، وقدِ اجتمع الناس عليها! وبعضهم كان يحضر الجماعة مُدَّةً ولم يعرف قط مَن على يمينه ويساره، وجماعة كانتْ تصفرُّ وجوههم وترتعد فرائصهم!

 

وكل ذلك غير مستبعَد، فإنَّ أضعافه مشاهَد في هِمم أهل الدنيا وخوف ملوكِ الدنيا مع عجزِهم وضعْفهم، وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم، حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير ويحدِّثه بمهمته ثم يخرج، ولو سُئِل عمن حواليه أو ثوب الملِك لكان لا يقدِر على الإخبار عنه؛ لاشتغال همِّه عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه؛ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ [الأنعام: 132]، فحظُّ كل واحدٍ من صلاته بقدْر خوفه وخشوعه وتعظيمه، فإنَّ موقع نظر الله -تعالى- القلوبُ دون ظاهِر الحركات؛ ولذلك قال بعضُ الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة على مثل هيئتهم في الصلاة مِن الطمأنينة والهدوء، ومِن وجود النعيم بها واللذَّة، ولقد صدَق؛ فإنَّه يحشر كلٌّ على ما مات عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويراعى في ذلك حال قلْبه لا حالَ شخصه، فمِن صِفات القلوب تُصاغ الصور في الدار الآخِرة، ولا ينجو إلا مَن أتى الله بقلب سليم، نسأل الله حسنَ التوفيق بلطفه وكرِمه.

 

بيان الدواء النافع في حضور القلب:

اعلم أنَّ المؤمن لا بدَّ أن يكون معظمًا لله - عزَّ وجلَّ - وخائفًا منه، وراجيًا له، ومستحييًا من تقصيره، فلا ينفكُّ عن هذه الأحوال بعدَ إيمانه، وإنْ كانت قوتها بقدْر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سببَ له إلا تفرق الفِكر، وتقسيم الخاطر، وغيبة القلب عن المناجاة، والغفلة عن الصلاة.

 

ولا يُلهي عن الصلاة إلا الخواطرُ الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلْب هو دفْع تلك الخواطِر، ولا يُدفع الشيء إلا بدفْع سببه، فلتعلم سببه، وسببُ موارد الخواطِر إمَّا أن يكون أمرًا خارجًا، أو أمرًا في ذاته باطنًا؛ أمَّا الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإنَّ ذلك قد يختطف الهمَّ حتى يتبعه ويتصرَّف فيه، ثم تنجرُّ منه الفِكرة إلى غيره ويتسلسل، ويكون الإبصار سببًا للافتكار، ثم تصير بعضُ تلك الأفكار سببًا للبَعْض الآخر.

 

ومَن قويت نيتُه وعلَتْ همته، لم يلهِه ما جرَى على حواسه، ولكن الضعيف لا بدَّ وأن يتفرَّق به فِكره، وعلاجُه قطْع هذه الأسباب بأن يغضَّ بصره، أو يصلِّي في بيت مظلم، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسَّه، ويقرب مِن حائط عندَ صلاته؛ حتى لا تتَّسع مسافة بصره، ويحترز مِن الصلاة على الشوارع وفي المواضِع المنقوشة المصنوعة، وعلى الفُرش المصبوغة؛ ولذلك كان المتعبِّدون يتعبدون في بيت صغير مظلِم سَعته قدْر السجود؛ ليكون ذلك أجمع للهم.

 

والأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجدَ ويغضُّون البصر ولا يجاوزون به موضعَ السجود، ويرون كمالَ الصلاة في ألاَّ يعرفوا مَن على يمينهم وشمالهم، وكان ابنُ عمر - رضي الله عنهما - لا يَدَع في موضع الصلاة مصحفًا ولا سيفًا إلا نزَعَه، ولا كتابًا إلا محاه.

 

وأمَّا الأسباب الباطِنة، فهي أشد؛ فإنَّ مَن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فِكره في فنٍّ واحد، بل لا يزال يطير مِن جانب إلى جانب، وغض البصر لا يُغنيه، فإنَّ ما وقع في القلْب من قبلُ كافٍ للشغل، فهذا طريقه أن يرد النفس قهرًا إلى فَهْم ما يقرؤه في الصلاة، ويشغلها به عن غيره، ويُعينه على ذلك أن يستعدَّ له قبل التحريم؛ بأن يُحدِّد على نفسه ذِكر الآخرة، وموقف المناجاة، وخطر المقام بين يدي الله - سبحانه - وهو المطَّلع، ويفرغ قلبه قبلَ التحريم بالصلاة عما يهمُّه، فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطِره؛ قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لعثمان بن طلحة: ((إني نسيتُ أن أقول لك أن تخمِّر القِدْر الذي في البيت، فإنه لا يَنبغي أن يكون في البيت شيءٌ يشغل الناس عن صلاتهم))؛ والحديث في صحيح أبي داود، فهذا طريقُ تسكين الأفكار، فإنْ كان لا يسكُن هوائِج أفكارِه بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلاَّ المسهل الذي يقْمَع مادَّة الدَّاء مِن أعماق العروق، وهو أن ينظُر في الأمور الصارِفة الشاغِلة عن إحْضار القلْب، ولا شكَّ أنَّها تعود إلى مهمَّاته، وأنها إنَّما صارتْ مهمَّات لشهواته، فيُعاقب بها نفسه؛ بالنُّزوع عن تلك الشهوات، وقطع تلك العلائق، فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضدّ دِينه، ومِن جند إبليس عدوِّه، فإمساكه أضرُّ عليه مِن إخراجه، فيتخلَّص منه بإخراجه، كما رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جَهْم وعليها علَمٌ وصلى بها، نزعها بعد صلاتِه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((اذهبوا بها إلى أبي جَهْم؛ فإنَّها ألهتني عن صلاتي، وائتوني بأنْبَجَانية أبي جهم))؛ متفق عليه، وأمَر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتجديد شِراك نعْله ثم نظر إليه في صلاته؛ إذ كان جديدًا، فأمَر أن ينزع منها ويردَّ الشراك الخَلِق؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد مرسلاً بإسنادٍ صحيح.

 

فأما ما ذكرته مِن التلطُّف بالتسكين، والرد إلى فَهم الذِّكر، فذلك ينفع الشهوات الضعيفة، والهِمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب، فأما الشهوة القوية المرهِقة، فلا ينفع فيها التسكين، بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك، وتنقضي صلاتُك في شغل المجاذبة، ومثاله: رجل تحتَ شجرة أراد أن يصفوَ له فِكرُه وكانت أصوات العصافير تهوش عليه، فلم يزلْ يطيِّرها بخشبة في يده ويعود إلى فِكره، فتعود العصافير، فيعود إلى التنفير بالخشَبة، فقيل له: إن أردتَ الخلاص فاقطعِ الشجرة، فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعَّبتْ وتفرَّعت أغصانها، انجذبت إليها الأفكار انجذابَ العصافير إلى الأشجار، وانجذاب الذباب إلى الأقذار، والشُّغل يطول في دفعها، فإنَّ الذباب كلما ذُبَّ آبَ؛ ولأجله سُمِّي ذبابًا، فكذلك الخواطر، وهذه الشهوات كثيرةٌ، وقلما يخلو العبد عنها، ويجمعها أصلٌ واحد، وهو حبُّ الدنيا، وذلك رأسُ كل خطيئة، وأساس كل نقصان، ومنبع كل فساد.

 

ومَن انطوى باطنه على حبِّ الدنيا حتى مال إلى شيءٍ منها لا ليتزوَّد ولا ليستعين بها على الآخرة، فلا يطمعنَّ في أن تصفوَ له لذةُ المناجاة في الصلاة، فإنَّ مَن فَرِح بالدنيا لا يفْرَح بالله - سبحانه - وبمناجاته.

 

وهمَّة الرجل مع قرَّة عينه، فإنْ كانت قرَّة عينه في الدنيا، انصرَف لا محالة إليها همُّه، ولكن مع هذا، فلا ينبغي أن يترُكَ المجاهدة وردَّ القلبِ إلى الصلاة، وتقليل الأسباب الشاغِلة، فهذا هو الدواء؛ ولمرارته استبشعتْه الطِّباع، وبقيتِ العِلَّة مزمنةً، وصار الداء عُضالاً، حتى إنَّ الأكابر اجتهدوا أن يصلوا رَكعتين لا يحدِّثون أنفسهم فيها بأمور الدنيا، فعَجَزوا عن ذلك، فإذًا لا مطمعَ فيه لأمثالنا، وليتَه سلِم لنا من الصلاة شطرُها أو ثُلُثُها من الوساوس؛ لنكون ممن خلط عملاً صالِحًا وآخر سيئًا.

 

وعلى الجملة، فهِمَّة الدنيا وهمَّة الآخرة في القلْب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخلٍّ، فبقدر ما يدخُل فيه الماء يخرج مِن الخل لا محالةَ ولا يجتمعان.

 

بيان ما ينبغي أن يحضر في القلْب عندَ كلِّ رُكن وشرْط مِن أعمال الصلاة:

فأقول: حقُّك إنْ كنت من المريدين للآخرة ألاَّ تغفل أولاً عن التنبيهات التي في شُروط الصلاة وأركانها، أمَّا الشروط السوابِق، فهي: الأذان، والطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والانتصاب قائمًا، والنيَّة.

 

فإذا سمعتَ نِداء المؤذِّن، فأحضِرْ في قلبك هولَ النداء يوم القيامة، وتشمَّر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارَعة، فإنَّ المسارعين إلى هذا النِّداء هم الذين يُنادون باللُّطف يوم العَرْض الأكبر، فاعرِضْ قلبك على هذا النِّداء، فإنْ وجدته مملوءًا بالفرَح والاستبشار، مشحونًا بالرغْبة إلى الابتدار، فاعلم أنَّه يأتيك النِّداء بالبُشرَى والفوز يوم القضاء؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ((أَرِحْنا بها يا بلال))؛ والحديث رواه الدارقطني في "العلل" مِن حديث بلال، ونحوه عندَ أبي داود عن رجلٍ مِن الصحابة لم يسمِّه - بإسناد صحيح، والمعنى: أرِحْنا بها وبالنِّداء إليها؛ إذ كان قرة عينه فيها - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

وأمَّا الطهارة، فإذا أتيتَ بها في مكانك وهو ظرفُك الأبْعَد، ثم في ثِيابك وهي غلافُك الأقرَب، ثم في بشرتِك، وهي قِشرُك الأدْنى، فلا تغفل عن لُبك، الذي هو ذاتك وهو قلبُك، فاجتهد له تطهيرًا بالتوبة والنَّدم على ما فرَّطت، وتصميم العزْم على التَّرْك في المستقبل، فطهِّر بها باطنَك؛ فإنَّه موضِع نظَر معبودك.

 

وأمَّا ستْر العورة، فاعلم أنَّ معناه تغطية مقابِح بدنك عن أبصار الخلْق، فإنَّ ظاهر بدنك موقع لنظر الخلْق، فما بالك في عورات باطنِك، وفضائح سرائرِك التي لا يطَّلع عليها إلا ربُّك - عزَّ وجلَّ - فأحضِر تلك الفضائح ببالك، وطالِب نفسَك بسترِها، وتحقَّق أنه لا يستر عن عين الله - سبحانه - ساتِر، وإنما يغفِرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارِها في قلبِك انبعاث جنود الخوف والحياء مِن مكامنهما، ويستكين تحتَ الخَجْلة قلبُك، وتقوم بيْن يدي الله - عزَّ وجلَّ - قيام العبْد المجرِم المسيء الآبِق الذي ندِم؛ فرجَع إلى مولاه ناكسًا رأسه مِن الحياء والخوف.

 

وأمَّا استقبال القِبلة، فهو صرفُ ظاهر وجهك عن سائرِ الجِهات إلى جهةِ بيت الله -تعالى- أفترى أنَّ صرف القلْب عن سائرِ الأمور إلى الله - عزَّ وجلَّ - ليس مطلوبًا منك؟ هيهات، فلا مطلوبَ سواه، وإنَّما هذه الظواهر تحريكاتُ البواطن، وضبْط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهةٍ واحدة؛ حتى لا تبغي على القلْب، فإنَّها إذا بغتْ وظلمت في حرَكاتها والتِفاتها إلى جهاتها، استتبعتِ القلب وانقلبتْ به عن وجْه الله - عزَّ وجلَّ - فليكُن وجه قلبك مع وجه بدَنك.

 

وأمَّا الاعتدال قائمًا، فإنَّما هو مثولٌ بالشخص والقلْب بيْن يدي الله - عزَّ وجلَّ - فليكن رأسُك - الذي هو أرْفَع أعضائك - مُطرقًا مُطأطِئًا مُنكسًا، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهًا على إلزام القلْب التواضع والتذلُّل والتبرِّي عن الترؤُّس والتكبر، وليكن على ذِكرنا ها هنا خطرُ القيام بيْن يدي الله - عزَّ وجلَّ - في هول المطلَع عندَ العرْض للسؤال، واعلم في الحال أنك قائِم بين يدي الله - عزَّ وجلَّ - وهو مطَّلعٌ عليك، فقم بيْن يديه قيامك بيْن يدي بعضِ ملوك الزمان إنْ كنت تَعجِز عن معرفة قدْره - جلَّ جلاله - قبلُ، قدِّر في دوام قيامك في صلاتِك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالِئَة مِن رجل صالح مِن أهلك أو ممَّن ترغب في أنْ يعرفك بالصلاح، فإنَّه تهدأ عند ذلك أطرافك، وتخشع جوارحك، وتسكن جميع أجزائك؛ خيفةً أن ينسُبك ذلك العاجِز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسستَ مِن نفسك خشوعًا عندَ ملاحظة عبد مسكين، فعاتِبْ نفْسَك، وقل لها: إنكِ تدَّعين معرفة الله وحبَّه، أفلا تستحين مِن استجرائك عليه مع توقيرك عبدًا مِن عباده؟! أوَتَخشَيْن الناس ولا تخشينه، وهو أحق أن يُخشَى؟ ولذلك لما قال أبو هريرة: كيف الحياءُ مِن الله؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((تستحي منه كما تستحي مِن الرجل الصالِح من قومك))؛ رواه الخرائطي بإسناد فيه نظَر، وفي رِواية: ((مِن أهلِك)).

 

وأمَّا النية، فاعزم على إجابة الله - عزَّ وجلَّ - في امتثال أمْره بالصلاة وإتمامها، والكفِّ عن نواقضها ومفسداتها، وإخلاص جميع ذلك لوجه الله - سبحانه - رجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه، وطلبًا للقُربة منه، متقلدًا للمِنَّة مِنه بإذنه إيَّاك في المناجاة مع سوءِ أدبِك وكثرة عصيانك، وعظِّم في نفسك قدْر مناجاته، وانظر مَن تناجي، وكيف تناجي، وبماذا تناجي، وعندَ هذا ينبغي أن يعرَقَ جبينك من الخجل، وترتعد فرائصك مِن الهيبة، ويصفرَّ وجهك من الخوف.

 

وأمَّا التكبير، فإذا نطق به لسانُك، فينبغي ألا يكذِّبه قلبُك، فإنْ كان في قلبك شيءٌ هو أكبر مِن الله يشهد إنَّك لكاذب وإنْ كان الكلام صدقًا، كما شهِد على المنافقين في قولهم: إنَّه -صلى الله عليه وسلم- رسول الله، فإنْ كان هواك أغلبَ عليك من أمْر الله - عزَّ وجلَّ - فأنت أطوعُ له منك لله تعالى، فقد اتخذتَه إلهك وكبرته، فيوشك أن يكون قولك: "الله أكبر" كلامًا باللِّسان المجرَّد، وقد تخلَّف القلب عن مساعدته، وما أعظمَ الخطرَ في ذلك! لولا التوبة والاستغفار، وحسن الظن بكرمِ الله -تعالى- وعفوه.

 

وأمَّا دعاء الاستفتاح، فأوَّل كلماته قولك: "وجَّهتُ وجهي للذي فطَر السموات والأرْض"، وليس المراد بالوجه الوجهَ الظاهر؛ فإنَّك إنَّما وجهتَه إلى جِهة القِبلة، وإنَّما وجهُ القلب هو الذي تتوجَّه به إلى فاطِر السموات والأرض، فانظر إليه أمتوجِّه هو إلى أمانيه، وهمه في البيت والسوق، متبعٌ للشهوات، أو مقبلٌ على فاطر السموات؟ وإيَّاك أن تكون أوَّل مُفاتحتك للمناجاة بالكذِب والاختلاق.

 

ولن ينصرفَ الوجه إلى الله -تعالى- إلا بانصرِافه عمَّا سواه، فاجتهدْ في الحال في صرفه إليه، وإنْ عجزتَ عنه على الدوام، فليكن قولك في الحال صادقًا، وإذا قلت: "حنيفًا مسلمًا" فيَنبغي أن يخطُر ببالك أنَّ المسلم هو الذي سلِم المسلمون مِن لسانه ويده، فإن لم تكن كذلك، كنتَ كاذبًا، فاجتهد في أنْ تعزم عليه في الاستقبال، وتندم على ما سبَق مِن الأحوال، وإذا قلت: "وما أنا مِن المشركين"، فأخطرْ ببالك الشرك الخفي؛ فإنَّ قوله -تعالى-: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]، نزل فيمَن يقصد بعبادته وجهَ الله وحمْدَ الناس، وكُن حذرًا مشفقًا مِن هذا الشرك، واستشعر الخجلةَ في قلبك إن وصفتَ نفسك بأنَّك لستَ مِن المشركين مِن غير براءة عن هذا الشرك، فإنَّ اسم الشرك يقَع على القليل والكثير منه.

 

وإذا قلت: "محياي ومماتي لله"، فاعلم أنَّ هذا حالُ عبدٍ مفقودٍ لنفسه، موجودٍ لسيِّده، وأنه إنْ صدر ممَّن رغبتُه في الحياة، ورهبته مِن الموت لأمورِ الدُّنيا، لم يكُنْ ملائمًا للحال.

 

وإذا قلت: "أعوذ بالله مِن الشيطان الرجيم"، فاعلم أنَّه عدوُّك ومترصِّد لصرْف قلبك عن الله - عزَّ وجلَّ - حسدًا لك على مناجاتِك مع الله - عزَّ وجلَّ - وسجودك له، مع أنَّه لُعن بسببِ سجدةٍ واحدة ترَكها ولم يوفَّق لها، وأنَّ استعاذتك بالله - سبحانه - منه بترك ما يحبُّه وتبديله بما يحبُّه الله - عزَّ وجلَّ - لا بمجرَّد قولك، فإنَّ من قصَده سبُعٌ أو عدوٌّ ليفترسه أو يقتله، فقال: أعوذ منك بذلك الحِصن الحصين، وهو ثابت على مكانه، فإنَّ ذلك لا ينفعه، بل لا يُعيذه إلا تبديل المكان، فكذلك مَن يتبع الشهوات التي هي محابُّ الشيطان ومكاره الرحمن، فلا يغنيه مجرَّد القول، فليقترنْ قوله بالعزْم على التعوُّذ بحِصن الله - عزَّ وجلَّ - عن شرِّ الشيطان.

 

واعلم أنَّ مِن مكايده أن يشغلَك في صلاتك بذِكر الآخرة وتدبير فِعل الخيرات؛ ليمنعك عن فَهم ما تقرأ، فاعلم أنَّ كل ما يشغلك عن فَهم معاني قراءتك، فهو وسواس، فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة، بل المقصود معانيها، فأمَّا القراءة فالناس فيها ثلاثة: رجل يتحرَّك لسانه وقلبُه غافِل، ورجلٌ يتحرك لسانه وقلْبُه يتبع اللسان، فيفهم ويسمع منه كأنَّه يسمعه مِن غيره، وهي درجات أصحاب اليمين، ورجل سبَق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللِّسان القلْب فيترجمه.

 

ففرق بيْن أن يكونَ اللِّسان ترجمان القلْب، أو يكون معلِّم القلب، والمقرَّبون لسانُهم ترجمانٌ يتبع القلب ولا يتبعه القلب، وتفصيل ترجمة المعاني أنَّك إذا قلت: {بسم الله الرحمن الرحيم} فَانْوِ به التبرُّكَ لابتداء القراءة لكلام الله - سبحانه - وافهمْ أنَّ الأمور كلها بالله - سبحانه - وأنَّ المراد بالاسم ها هنا هو المسمَّى، وإذا كانتِ الأمور بالله - سبحانه - فلا جرمَ كان {الحمد لله} ومعناه: أنَّ الشكر لله؛ إذ النِّعم من الله، ومَن يرى من غير الله نِعمة أو يقصد غير الله - سبحانه - بشُكْر، لا مِن حيث إنَّه مسخَّر من الله - عزَّ وجلَّ - ففي تسميتِه وتحميده نقصانٌ بقدْر التفاته إلى غير الله تعالى.

 

فإذا قلت: {الرحمن الرحيم} فأحضِرْ في قلبك جميعَ أنواع لُطفه؛ لتتضح لك رحمتُه فينبعث بها رجاؤك، ثم استثرْ مِن قلبك التعظيمَ والخوف بقولك: {مالك يوم الدين} أمَّا العظمة، فلأنَّه لا ملك إلا له، وأمَّا الخوف، فلِهَوْلِ يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه، ثم جدِّد الإخلاص بقولك: {إياك نعبد}، وجدِّد العجز والاحتياج والتبري مِن الحول والقوَّة، بقولك: {وإياك نستعين}، وتحقَّق أنه ما تيسَّرتْ طاعتك إلا بإعانته، وأنَّ له المِنَّة؛ إذ وفَّقك لطاعته، واستخدمك لعبادته، وجعلك أهلاً لمناجاته، ولو حرَمك التوفيق لكنتَ من المطرودين مع الشيطان اللَّعين، ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك: {بسم الله الرَّحمن الرَّحيم} ومِن التحميد، ومِن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقًا، فعيِّن سؤالك ولا تطلب إلا أهمَّ حاجاتك، وقل: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} الذي يسوقنا إلى جوارِك، ويفضي بنا إلى مرضاتك، وزده شرحًا وتفصيلاً وتأكيدًا واستشهادًا بالذين أفاض عليهم نِعمة الهداية مِن النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب عليهم مِن الكفَّار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين، ثم التمس الإجابة وقلْ: {آمين}، فإذا تلوتَ الفاتحة كذلك، فيشبه أن تكونَ مِن الذين قال الله -تعالى- فيهم فيما أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبْدي نِصفين، ولعبْدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين، قال الله -تعالى-: حَمِدني عبْدي، وإذا قال: الرَّحمن الرحيم، قال الله -تعالى-: أثْنَى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يومِ الدِّين، قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة: فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال: إيَّاك نعبُد وإياك نستعين، قال: هذا بيْني وبيْن عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعَبْدي ولعبْدي ما سأل))؛ والحديث رواه مسلم.

 

فلو لم يكُن لكَ مِن صلاتك حظٌّ سوى ذكْر الله لك في جلاله وعظمته، فناهيك بذلك غنيمة! فكيف بما ترْجُوه من ثوابه وفضله؟!

 

وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السُّوَر - كما سبق في الكلام على تلاوة القرآن - فلا تغفُل عن أمره ونهيه، ووعْده ووعيده، ومواعظه وأخبار أنبيائه، وذِكْر مِننه وإحسانه، ولكلِّ واحد حقٌّ؛ فالرجاء حقُّ الوعد، والخوف حقُّ الوعيد، والعزم حقُّ الأمر والنهي، والاتِّعاظ حقُّ الموعظة، والشُّكر حقُّ ذِكر المِنَّة، والاعتبار حقُّ إخبار الأنبياء.

 

ورُوي أنَّ زُرارة بن أوْفَى لما انتهى إلى قوله -تعالى-: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾ [المدثر: 8] خرَّ ميتًا كما في الحلية، وكان إبراهيم النَّخَعي إذا سمِع قوله -تعالى-: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: 1] اضطرب حتى تضطربَ أوصالُه، وتكون هذه المعاني بحسبِ درَجات الفَهم، ويكون الفهم بحسب وفور العِلم وصفاء القلْب، ودرجات ذلك لا تنحصِر.

 

والصلاة مفتاحُ القلوب فيها تنكشِف أسرار الكلمات، فهذا حقُّ القراءة، وهو حقُّ الأذكار والتسبيحات أيضًا، ثم يُراعي الهيبةَ في القراءة، فيرتِّل ولا يسرد؛ فإنَّ ذلك أيسرُ للتأمل، ويفرق بين نغَماته في آية الرَّحمة والعَذاب، والوعد والوعيد، والتحميد والتعظيم والتمجيد.

 

كان النَّخَعي إذا مرَّ بمِثل قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ [المؤمنون: 91]، يخفض صوتَه كالمستحي عن أن يذكُرَه بكلِّ شيء لا يليق به، لكني أنبِّه على أنَّ مثل هذا يحمل على الصلاة انفرادًا، أمَّا الجماعة فالذي ينبغي وصولُ الصوت إلى المأموم؛ لعدمِ ورود السُّنة بخلاف ذلك، ورُوي أنه يقال لقارئ القرآن: ((اقرأ وارقَ ورتِّل كما كنتَ تُرتِّل في الدنيا))؛ والحديث رواه أبو داود والنَّسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح.

 

وأمَّا دوام القيام، فإنَّه تنبيهٌ على إقامة القلْب مع الله - عزَّ وجلَّ - على نعْت واحد مِن الحضور؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - مقبل على المصلِّي ما لم يلتفِتْ))، وكما تجِب حراسةُ الرأس والعين عن الالتِفات إلى الجهات، فكذلك تجِب حراسةُ السِّرِّ عن الالتفات إلى غيرِ الصلاة، فإذا التفتَ إلى غيره فذكِّره باطلاع الله عليه، وبقُبح التهاون بالمُناجَى عندَ غفلة المناجِي ليعود إليه، وألزِم الخشوع القلْب؛ فإنَّ الخلاص عن الالتفات باطنًا وظاهرًا ثمرةُ الخشوع.

 

وكان الصدِّيق - رضي الله عنه - في صلاته كأنه وتدٌ، وابنُ الزبير - رضي الله عنه - كأنَّه عُودٌ، وبعضهم كان يسكُن في ركوعه بحيث تقَعُ العصافير عليه كأنه جماد، وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي مَن يعظم مِن أبناء الدنيا، فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملِك الملوك عندَ مَن يعرِف ملك الملوك؟!

 

وكل من يطمئنُّ بين يدي غير الله - عزَّ وجلَّ - خاشعًا، وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثًا، فذلك لقصور معرفته عن جلالِ الله وعن اطِّلاعه على سرِّه وضميره؛ قال عكرمة في قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ [الشعراء: 218 - 219]، قال: قيامه ورُكوعه وسجوده وجلوسه.

 

وأمَّا الرُّكوع والسجود، فيَنبغي أن تجد عندهما ذكْر كبرياء الله - سبحانه - وترفق يديك مستجيرًا بعفو الله - عزَّ وجلَّ - مِن عقابه بتجديد النيَّة، ومتبعًا سُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ثم تستأنِف له ذلاًّ وتواضعًا بركوعك، وتجتهد في ترقيق قلبِك، وتجديد خشوعِك، وتستشعر ذُلَّك وعزَّ مولاك، واتِّضاعك وعُلُو ربك.

 

وتستعين على تقريرِ ذلك مِن قلبك بلسانك، فتسبِّح ربَّك، وتشهَد له بالعظمة وأنَّه أعظم من كل عظيم، وتُكرِّر ذلك على قلبك لتؤكِّدَه بالتَّكْرار، ثم ترتفع من ركوعك راجيًا أنَّه راحم لك، ومؤكدًا للرجاء في نفسك بقولك: "سمِع الله لمن حَمِده"؛ أي: أجاب لمن شَكَره، ثم تُردِف ذلك الشكرَ المتقاضي للمزيد فتقول: "ربَّنا لك الحمْد"، وتكثر الحمد بقولك: "ملء السموات وملء الأرض"، ثم تهوي إلى السجود، وهو أعْلى درجات الاستكانة، فتمكِّن أعز أعضائك - وهو الوجه - من أذلِّ الأشياء، وهو التراب، وإنْ أمكنك ألاَّ تجعل بينهما حائلاً فتسجُد على الأرض، فافعلْ؛ فإنَّه أجلبُ للخشوع، وأدلُّ على الذل.

 

وإذا وضعتَ نفسك موضع الذلِّ، فاعلم أنَّك وضعتَها ورددت الفرْع إلى أصله؛ فإنَّك من التراب خلقت، وإليه تعود، فعندَ هذا جدِّد على قلبك عظمةَ الله، وقل: "سبحان ربي الأعلى"، وأكِّدْه بالتَّكْرار فإن الكَرَّة الواحدة ضعيفة الأثَر، فإذا رق قلبك وظهَر ذلك، فلتصدق رجاءَك في رحمة الله، فإنَّ رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبُّر والبطَر، فارفع رأسك مكبرًا وسائلاً حاجتَك وقائلاً: "رب اغفِرْ لي اغفِرْ لي"، ثم أكِّد التواضع بالتَّكْرار فعُدْ إلى السجود ثانيًا كذلك.

 

وأمَّا التشهُّد، فإذا جلستَ له فاجلس متأدبًا، وصرِّح بأنَّ جميع ما تُدلي من الصلوات والطيبات؛ أي: من الأخلاق الطاهرة لله، وكذلك المُلك لله، وهو معنى "التحيات"؛ قال في "القاموس": "التحية: الملك"،وأحضر في قلبك النبي -صلى الله عليه وسلم- وشخْصه الكريم وقلْ: "السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته"، وليصدق أمَلُك في أنه يبلُغُه ويردُّ عليك ما هو أوْفى منه، ثم تسلِّم على نفسك وعلى جميع عبادِ الله الصالحين، ثم تأمُلُ أن يرد الله - سبحانه - عليك سلامًا وافيًا بعدَد عباده الصالحين، ثم تشهد له -تعالى- بالوحدانية، ولمحمَّد نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- بالرِّسالة، مجددًا عهد الله - سبحانه - بإعادة كَلمتي الشهادة، ومستأنفًا للتحصُّن بها.

 

ثم ادعُ في آخِر صلاتك بالدُّعاء المأثور مع التواضُع والخشوع، والضَّراعة والابتهال، وصدق الرجاء بالإجابة، وأشرِك في دعائك أبويك وسائرَ المؤمنين.

 

واقصدْ عند التسليم السلامَ على الملائكة والحاضرين، وانوِ ختْمَ الصلاة به، واستشعر شُكر الله - سبحانه - على توفيقه لإتمام هذه الطاعة، وتوهَّم أنك مودِّع لصلاتك هذه، وأنك ربَّما لا تعيش لمثلها، ثم أَشْعِر قلبك الوجلَ والحياء من التقصير في الصلاة، وخَفْ ألاَّ تُقبل صلاتك، وأن تكون ممقوتًا بذنب ظاهِر أو باطن فتردَّ صلاتك في وجهِك، وترجو مع ذلك أن يقبَلَها بكرمه وفضْله.

 

كان يحيى بن وثَّاب إذا صلَّى مكَث ما شاء الله تُعرف عليه كآبةُ الصلاة، وكان إبراهيم يمكُث بعد الصلاة ساعةً كأنه مريض، فهذا تفصيل صلاة الخاشعين: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 2]، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون: 9]، و﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ [المعارج: 23]، والذين يُناجون الله على قدْر استطاعتهم في العبودية، فليعرض الإنسان نفْسَه على هذه الصلاة، فبالقدْر الذي يُسِّر له منه ينبغي أن يفرحَ، وعلى ما يفوته يَنبغي أن يتحسَّر.

 

وأمَّا صلاة الغافلين، فهي مَخْطرة - أي: مكان خطر - إلا أن يتغمَّده الله برحمته، والرحمة واسعة، والكرم فائِض، فنسأل الله أن يتغمَّدَنا برحمته، ويغمرنا بمغفرته؛ إذ لا وسيلةَ لنا إلا الاعتراف بالعجْز عن القيام بطاعته.

 

واعلم أنَّ تخليصَ الصلاة عن الآفات، وإخلاصها لوجه الله - عزَّ وجلَّ - وأداءها بالشروط الباطِنة التي ذكرتها مِن الخشوع والتعظيم والحياء - سببٌ لحصولِ أنوارٍ في القلْب، تكون تلك الأنوار مفاتيحَ علوم المكاشَفة، فأولياء الله المكاشَفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية، إنما يكاشَفون في الصلاة لا سيَّما في السجود؛ إذ يتقرَّب العبد من ربه - عزَّ وجلَّ - بالسجود؛ ولذلك قال -تعالى-: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق: 19]، وإنَّما تكون مكاشفةُ كلِّ مُصَلٍّ على قدْر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوَّة والضعْف، والقلة والكثرة، والجلاء والخفاء، حتى ينكشفَ لبعضهم الشيءُ بعينه، وينكشف لبعضهم الشيء بمِثاله، كما كُشِف لبعضهم الدنيا في صورة جِيفة، والشيطان في صورة كلْب جاثم عليها يدْعو إليها.

 

ويختلف أيضًا بما في المكاشَفة، فبعضهم ينكشف له مِن صفات الله -تعالى- وجلاله، ولبعضهم مِن أفعاله، ولبعضهم من دقائق علوم المعامَلة.

 

ويكون لتعيين تلك المعاني في كلِّ وقت أسباب خفيَّة لا تُحصَى، وأشدُّها مناسبةً الهمة، فإذا كانت مصروفةً إلى شيء معين كان ذلك أوْلى بالانكشاف، ولما كانت هذه الأمور لا تتراءَى إلا في المرائي الصقيلة، وكانت المرآة كلها صدئةً؛ فاحتجبت عنها الهداية، لا لبُخلٍ من جهة المُنعِم بالهداية؛ بل لِخَبَث متراكم الصدأ على مصبِّ الهداية، تسارعتِ الألسنة إلى إنكار مِثل ذلك؛ إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضِر، ولو كان لجنين عقلٌ لأنكر إمكانَ وجود الإنسان في متَّسع الهواء، ولو كان للطفل تمييزٌ ما ربَّما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه مِن ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كلِّ طور يكاد ينكر ما بعده، والمقصود أنَّ كل ذلك لا يحصُل إلا بالخشوع في الصلاة؛ ولذلك قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 2]، فمدحهم بعد الإيمان بصلاةٍ مخصوصة، هي المقرونة بالخُشوع، ثم ختَم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضًا؛ فقال -تعالى-: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون: 9]، ثم قال -تعالى- في ثمرة تلك الصِّفات: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 10 - 11]، فوصفَهم بالفلاح أولاً، وبوراثة الفردوس آخرًا، وأما هَذْرمة اللسان مع غفلةِ القلب، فلا تَنتهي إلى هذا الجزاء؛ ولذلك قال الله - عزَّ وجلَّ - في أضدادهم: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾ [المدثر: 42 - 43]، فالمصلُّون هم ورَثةُ الفردوس، وهم المشاهِدون لنور الله -تعالى- والمتمتِّعون بقربه ودنوه.

 

أسأل اللهَ أن يجعلَنا منهم، وأن يُعيذنا من عقوبة مَن تزيَّنت أقواله وقبُحتْ أفعاله؛ إنَّه الكريم المنَّان، القديم الإحسان، وصلَّى الله على كلِّ عبدٍ مصطفى.

محمود العشري

كاتب له عدد من الكتابات في المواقع الإسلامية

  • 3
  • -1
  • 8,024
المقال السابق
(23) المحافظة على صلاة الفجر خصوصا
المقال التالي
(25) كثرة ذكر الله

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً