نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

توحيد الألوهية - (23) الشفاعة

منذ 2018-01-02

والناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال؛ فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المَشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة مَن يُعظِّمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وغيرِه في أهل الكبائر، وأما أهل السنَّة - كما سبق - فيُقرُّون بهما في أهل الكبائر، لكن يرَون أنه لا يشفع أحدٌ حتى يأذن الله له، ويكون المشفوع له ممن رضي الله عنه؛ أي: أهل التوحيد الخُلَّص.

(23) الشفاعة

لم تكن الشفاعة مَثار خلاف بين المسلمين في الأجيال الثلاثة التي أطراها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عند الترمذي: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام تَسبِق شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه».

 

ولهذا؛ فإن التاريخ لم يَحكِ لنا أن جدالاً قد ثار بين اثنَين أو أكثر في جيل من هذه الأجيال الثلاثة، حول ما إذا كانت هناك شفاعة أم لا؟ وما إذا كانت هذه الشفاعة لزيادة الحسنات فحسب، أم لها ولمحْوِ السيئات؟ وإنما كان الإجماع قائمًا بينهم على ما نزل في شأنها من القرآن، وما ورد من السنَّة من الأحاديث التي تعدَّدتْ طُرقُها، وصحَّتْ أسانيدها، وكادت تَصِل إلى حدِّ التواتر؛ بل وصَل بعضها بالفعل، ومرجع هذا الإجماع هو أنَّ المُسلمين كانوا على عِلم تام ومعرفة كاملة بالأسباب التي من أجْلها نزلت آيات القرآن، والظروف التي واكبتها، والأغراض التي رمتْ إليها، والإيماءات التي تضمَّنتها تراكيبُها، وما أنزل منها في المؤمنين خاصة، وما شمل المؤمنين والمشركين كافة، فإذا التبس عليهم شيء منها أو استغلق، هُرعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيَكشف لهم ما خفي، ويوضِّح لهم ما غمض، فلما قُبض رجعوا إلى الراسخين في العلم ممَّن أنار الله -تعالى- بصائرهم، وأصلح سرائرهم، وأفاض عليهم من علمه وفضله.

 

وفي هذا الجو الهادئ وهذه الحياة الراضية، كان المسلمون يُتابعون مسيرتهم، ويُواصلون فتوحاتهم، مُتعاونين مُتضامِنين، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى، وقد رأى الأعداء ما هم عليه من السلام في أنفسهم، وفي عقائدهم، وفي مجتمعهم، فأكَل الغيظُ أكبادَهم، ونهش الغلُّ أفئدتَهم، وعقدوا الخناصر على تشتيت شملهم، وتفريق جماعتهم، وجعْلِهم طوائف وفِرَقًا يُكفِّر بعضُهم بعضًا، ويَضرب بعضهم أعناق بعض، ومشَوا إلى أهدافهم هذه في ثلاثة طرق متوازية؛ أحدها: التآمُر على الخلفاء الراشدين واغتيالهم، وثانيها: التآمر على الخلافة نفْسِها، وثالثها: التآمر على القرآن، وحمْل المُحكَم منه على المُتشابه؛ طلبًا للفتنة، وحِرصًا على التشرذمِ والاختلاف في العقائد، وما موضوع الشفاعة إلا أحد الموضوعات التي أثيرت في هذا المجال.

 

وصفوة القول:

أن الأجيال الثلاثة الآنفة الذكر كانت خاليةً من الجدال حول الشفاعة، وغيرها من الغيبيَّات التي أخبر عنها الكتاب والسنَّة، والسبب في ذلك - كما سبق - يَقينُهم أن هذه الغيبيات لا مصدر لها إلا الله ورسوله، وليس أمام المؤمنين إلا الإيمانُ بها كما وردتْ، أما العقل والاجتهاد، فليس لهما فيها مجال، وقد كانت هذه الأجيال الثلاثة شديدة الإذعان لله -تعالى- وشديدةَ الانقياد لتعاليمه وأحكامه؛ ولهذا لم تختلف حول غيبِيٍّ قطُّ؛ وإنما كانت تمتَثِل كل ما جاء في الكتاب والسنَّة بكل تسليم وانقياد، فلما ذهب العهد الذي أطراه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وتبعتْه عهودٌ فسدتْ فيها الذِّممُ، ووهنتْ جذوة الإيمان أو كادتْ، أصبح الطريق ممهَّدًا أمام خصوم الإسلام لإشاعة المُفتريات حوله، وزرع الشُّبَه من بين يديه ومِن خلفه، فانتشرتِ النِّحَل، وتعدَّدت الأهواء، وانقسم كثير من المسلمين حولها إلى طوائفَ وفِرَق لا يَعنيها الانتصار للحق بقدْر ما يَعنيها الانتصار لنِحلَتِها وظُهورها على غيرها.

 

وبعد، فإني أستفيض شيئًا ما في هذه السطور لإحقاق الحقِّ في موضوع الشفاعة، ولدفْع الأوهام والأخطاء التي نُشرت بين الناس، وإن كان الأمر قد برَدتْ جَذوتُه، إلا أن هناك شررًا ما زال يتطاير بين آونة وأخرى، يُنذِر باندلاع نار حامية يَصلاها الناس، والخارجون على عقيدة أهل السنَّة منهجُهم وفكرهم واحد في غالب المسائل، فنتعلَّم الردَّ على مسائل - قد تُثار - من ردِّ العلماء على مسائل أُثيرت بالفعل، فأقول وبالله التوفيق:

 

إن من الثوابت العقدية القطعية التي أجمع عليها علماء أهل السنَّة والجماعة: ثبوت الشفاعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللملائكة والصالحين من عباد الله -تعالى- كما نطَق بذلك القرآن العزيز والسنَّة الصحيحة المتواترة، وبذلك انعقد إجماع أئمَّة الأمة، ولم يشذَّ عنهم إلا المُبتدعة من الفِرَق المارقة، ومن ثَمَّ كانت من المعلوم من الدين بالضرورة.

 

ولقد كان عجبًا عجابًا أن يُفاجِئ الأمةَ الدكتورُ: مصطفى محمود - وهو الكاتب الذي طالما أمتعها بكتاباته الأخَّاذة - بمقالات ثلاثة في جريدة الأهرام؛ الأول بعنوان: "الأغلبية والأقلية" وذلك في: 9/4/1999 أنكَر فيه الشفاعة؛ كعقيدة وكأحاديث واردة فيها، ثم ثنَّى بآخَر بعنوان "حول موضوع الشفاعة" بتاريخ 17/4/1999 بدا فيه للقراء وكأنه تَراجع عن إنكاره المُطلَق للشفاعة وللأحاديث التي وردتْ فيها، مُنسحِبًا إلى نفْيٍ مُقيدٍ أو جزئيٍّ؛ بِناء على ردٍّ أرسله له الأستاذ الدكتور: عبدالعظيم المطْعني، لكنه ما لَبِث أن عاد إلى الإنكار المُطلَق للشفاعة، وإلى رفض حجية السنَّة، باعتبار أنها ليستْ محفوظةً بعناية الله -تعالى- مثل القرآن، وهذا في مقاله الثالث بعنوان "وما هم بخارجين من النار" المنشور في 1/5/1999.

 

ولقد اقترَف كاتبُنا الكبير عدَّة أخطاء فادحة في مقالَيه الأول والأخير بالذات، أثارتْ حَفيظة جماهير الأمَّة عليه واستِنكار العلماء؛ لمعارضته للثوابت القطعية المُثبِِتة للشفاعة في الوحيَين النيرَين مِن جِهة، ولإهداره حرمة السنَّة الصحيحة المُتواتِرة الثبوت من جِهة أخرى، ولتحقيره من شأن "صحيح البخاري" الذي هو أصح كتاب في الأرض بعد كتاب الله -تعالى- في نظر أساطين علماء الأمَّة العدول من جِهة ثالثة.

 

ولكم كنت أتمنَّى أن يَبتعد الدكتور: مصطفى بنفسه عن الشكِّ الذي عانى منه في مستهلِّ تعلُّقه بالفكر، واشتغاله به للناس؛ لأن المشتغلين بالتشكيك أصبحوا من الكثْرَة بما لا يحتاج إليه أو إلى غيره، ولم تعدْ لدى الناس طاقة على تحمُّل ما يُثيرونه من قضايا باطلة، وتصوُّرات خاطئة، سيما إذا كانت تلك القضايا وهذه التصورات تستهدف ركائز العقيدة وثوابت الدِّين؛ لتنال منهما، وتجرح مشاعر المؤمنين تجاه ما يؤمنون به.

 

بادئ ذي بدء أعلن تقديري للرجل وحماسِه لِما ظنَّ أنه الحق، ولِما توهَّم أنه دِفاع عن التوحيد، كما أسجِّل له فضْله في دفاعه عن الإيمان بكتاباته المميَّزة، وببرنامجه الممتع "العلم والإيمان"، ولا يَمنعني هذا من ذكر بعض الزلات والأخطاء فيما كتب أخيرًا، أدتْ به إلى هذه النتائج المخالفة للإسلام منهجًا وموضوعًا، وأدعوه إلى الرجوع عنها - إن لم يكن رجع - وأسأل الله -تعالى- لي وله ولكل باحث - متجرِّد - عن الحقيقة الهِدايةَ والتَّوفيقَ؛ فإن الأمة إذا كانت أحبَّت الدكتور لِما قدَّمه من عطاء في خدمة الإسلام من قبْل، فإن اليوم لا بد أن يكون الحق أحبَّ إليها منه، ومن النفوس التي في الجوانح، فليس أحب إلينا جميعًا من الإسلام وعقائده وشرائعه.

 

ومِن ثمَّ فإني أَعرِض بالنقد الخالص لوجه الله -تعالى- لِما جاء في مقالات الدكتور: مصطفى، ليس ردًّا عليه فحسب، فلقد ضَعُفَ ذِكرُه، وخمدت نيران بَلبلتِه؛ وإنما ردًّا على كل من يتبنَّى رأيه وقال به في هذه المسألة أو في غيرها، في عصر اشرأبَّت فيه أعناق المُنافقين والذيول لتمييع قضايا العقيدة، وتذويب الثوابت العقدية عند المسلمين، فتضيع الهُويَّة، وينهار ما تبقّى من صرح الإسلام؛ لعنهم الله وأصمّهم وأعمى أبصارهم، وليس أفضل من دفاع عن دين الله -تعالى- وعقيدة المسلمين بردِّ الشبهات، وتنْقِيَة الزَّغل الذي شاب ثوبَ التوحيد الخالص الذي كانت تَرفُل فيه الأمّة، في القُرون المفضَّلة الأُولى.

 

إن مضمون مقالاته إنكاران لثابتين من ثوابت الإسلام؛ الأول: إنكار حجِّيَّة السنَّة التي هي مع القرآن المصدر الأول للإسلام، وحجَّتُه الوحيدة في إنكار حجِّيتها - والتي تكاد تكون الوحيدة عند كل من يُنكر حجية السنَّة في أي زمان ومكان - هي أن السنَّة ليستْ محفوظةً بعناية الله -تعالى- مثل القرآن، وأمَّا الثابت الثاني في عقيدة الإسلام عند أهل السنَّة والجماعة وحاول الدكتور أن يُبطله، فهو الشفاعة.

 

أولاً: في مقاله الأول قد جزم بأنه "لا شفاعة تُخرج أحدًا من النار، وما ترويه الأحاديث عن أن محمَّدًا سوف يُخرِج من النار من قال: "لا إله إلا الله" ولو لمرَّة واحدة في حياته، هي أحاديث تُخالف صريح القرآن"، وهو يسوق لرفض الشفاعة حُججًا عقليَّةً، فيقول عنها: إنها "فوضى الوسايط التي نَعرِفها في الدنيا، ولا وجود لها في الآخِرة، وكل ما جاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية مشكوك في سنده ومصدره؛ لأنه يُخالف صريح القرآن؛ يقول ربُّنا عن المجرمين: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167]، ثم يسوق بعض الأدلة القرآنية على نفس هذا النمط، كقوله -تعالى-: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] وغير ذلك من آيات يَظهر عند التأمُّل أن سياقها خاصٌّ بالكافرين.

 

ثم يعقِّب بعد الآيات بقوله: "فأضاف في هذه الآية: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] حرف "من" وهو نفْي قطْعيٌّ لأي نوع من ولاية أو شفاعة، هذه الآيات المُحكَمات في نفْي الشفاعة تجعلنا نُعيد النظر بتفهُّم لأيِّ آية تتكلَّم عن الشفاعة في حدود المُتشابه، فلا ننساق وراء هذه الأحاديث الموضوعة التي تملأ كتب السيرة، وتدَّعي بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سوف يُخرج من النار كل مَن قال: "لا إله إلا الله"؛ اهـ، وقوله ذلك استنادًا إلى الآيات القرآنية التي نفَت الشفاعة في حق الكافرين، ولم يَفطِن الدكتور - ولا غيره ممن يستدلُّ بنفس الآيات - إلى أن هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تُثبِت الشفاعة في حق المؤمنين؛ كقوله -تعالى-: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[البقرة: 255]، وكقوله في حق الملائكة: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].

 

ومِن ثمَّ يكون الدكتور - وكل مَن يجري على شاكلته في أي عصر وفي كل مكان - قد أنكر عقيدة أهل السنَّة والجماعة في الشفاعة، مُلقيًا وراء ظهره بتراث الأمة، الذي ساهم في بنائه الأُلوفُ المؤلَّفة من العلماء خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان، مُعتمدًا على فهمِه الخاص للآيات، رافضًا قواعد المحدِّثين في نقد السند، وهكذا يفعل كل من أراد أن ينفي أو يُثبت شيئًا بدون مرجعية إلى الكتاب والسنَّة الصحيحة، فهل تُبنى العلوم على الآراء الشخصية، ونتائج الأبحاث الفردية، والاجتهادات الخاصَّة في موضوعاتها وقضاياها؟ أم لا يُعتمد من النتائج إلا ما اتَّفق عليه أهلُ الاختصاص؟!

 

ولو تصوَّرنا إعمال الأبحاث الفردية في الطبِّ والصيدلة في علاج الناس، فماذا تكون النتائج؟ ولماذا لا نسمح بهذا في الطب وسائر العلوم، ونسمح به في علوم الإسلام؟!

 

ثم أغلق الدكتور باب الشفاعة الحقيقيَّة مُطلقًا بقوله: "ولن ينجو من المُذنِبين إلا من تكرَّم عليه رب العزة، وفتح له بابًا إلى التوبة قبل الممات"، وبقوله: "إذًا، الوسيلة الوحيدة للنجاة من العقاب هي أن يقيَ ربُّنا عبادَه من الوقوع في السيئات أصلاً، أو يفتح لهم باب التوبة في حياتهم إذا تورَّطوا فيها، وهذه هي أبواب الشفاعة المُمكِنة"، والمُلاحِظ الجيد يرى أن هذا هو بعينه مذهب المُعتزلة القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار، وبنفْي وقوع الشفاعة أصلاً في حقِّ المؤمنين، فقد تبنَّى الكاتب وجهة نظر المُعتزلة، ولم يَخرُج عنها قِيدَ شَعرة، وانتصر لها، وادَّعى أنها هي التي تتَّفق وصريحَ القرآن، وأنكَر الأحاديث التي تُخالفها، وادعى أنها مدسوسة، فهو إذًا لم يُضِفْ جديدًا يُذكر له في هذه القضية غير الإثارة والبلبلة في موضوع قد لَفِظ أنفاسَه الأخيرةَ منذ مئات السنين، ولم يعُدْ له مكان إلا بين المطوَّلات مِن كتب الكلام.

 

ولو أنه تبنَّى وجهة نظر السلف فآمن بكل ما ورَد حول الشفاعة في الكتاب والسنَّة الصحيحة، على أساس أنها من الأمور السمعية التي لا مجال فيها لغير المنقول عن الكتاب والسنَّة، لكان أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، ولَمَا أثار البلبلة، واضطرَّ في مقالة رابعة إلى الاعتذار عما حدَث، والعزم على عدم الخوض في هذه القضية في مقالة أُخرى.

 

لكن السلف والخلف من أهل السنَّة أجمعوا على ثبوت الشفاعة ووجوبها سمعًا وشرعًا بصريح الآيتَين السابقتَين وغيرهما، وجاءت الأحاديث الصحيحة والصريحة التي بلغت بمجموعها حدَّ التواتُر بصحَّة الشفاعة في الآخِرة لمُذنِبي المؤمنين، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن جابر في الصحيحَين، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطَهنَّ أحد قبلي))، ومنها: ((وأعطيتُ الشفاعة))، وحيث ثبتَتِ الشفاعة بالكِتاب والسنَّة، وحيث أجمع أهل السنَّة عليها سلفًا وخلفًا، فلا يُلتفَت إلى مُنكريها؛ لأن آراءهم باطِلة، ولا أساس لها من الصحَّة.

 

وقد بنى المُنكِرون للشفاعة رأيَهم الباطل على فهْم غير صحيح لبعض آيات القرآن الواردة في شأن الكافرين - كما سبق عند الدكتور بعضها - فكيف يُستَدلُّ بها على نفْي الشفاعة؟! وكيف توضع الآيات في غير محلِّها، والكفار ليستْ لهم شفاعة أصلاً، وهم مخلَّدون في النار؟!

 

ثانيًا: والعجب العجاب أن يقول هذا الدكتور في مقاله الثالث - كما يقول غيره -: "وهذه الثوابت القرآنية تتناقَض تمامًا مع مرْويَّات الأحاديث النبوية في كُتبِ السيرة عن إخراجه لمَن يشاء من أمَّتِه من النار، مما يؤكِّد أن هذه الأحاديث موضوعة، ولا أساس لها من الصحَّة"، وأقول للدكتور - ولغيره ممَّن هم على شاكلته -: إن أحاديث الشفاعة في السنَّة جاءت متَّفقة تمامًا مع آيات إثبات الشفاعة للمؤمنين بشروطها، وهى ليستْ بأحاديثَ باطلة كما تَزعُمون، وإنما هي أحاديث صَحيحة وردتْ في أمَّهات كتب السنَّة؛ كالصحيحَين، والمسند، والموطأ، وغيرها من عيون مصادر السنَّة الصحيحة، والمقام لا يتَّسع لروايتها، ولكني أكتفي بنموذج واحد منها، وهو ما أخرجه مالك في الموطأ والإمام أحمد في المُسند، وكذلك أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي في الآخِرة))، وأخرج البخاري في صحيحه مثله عن أبي عبدالرحمن، وسرْدُ أحاديث الشفاعة قد أفرَد له العلماء كتبًا، منها: كتاب الشفاعة لأبي عبدالرحمن الوادعي، وغيره.

 

ثالثًا: وهو ما يَندى له الجبين؛ ألا وهو التشكيك في أكبر وأهمِّ مَرجِع لحديث النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث يقول الدكتور - كما يقول غيره أيضًا -: "والقرآن هو الكتاب الوحيد الذي تولى ربُّ العالمين حِفظَه بنفسه من أي تحريف، وقال في كتابه المُحكم: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، ولم يقلْ لنا ربُّ العالمين: إنه حَفِظ كتاب البخاري أو غيره من كُتبِ السِّيرة، وما يقوله البخاري مناقضًا للقرآن لا يَلزمنا في شيء، ويُسأل عنه البخاريُّ يوم الحساب، ولا نُسأل نحن فيه".

 

وهذا كلام خطير، قال به مِن قبْل بعض الذين زعموا أنه يُمكِن الاكتفاء بالقرآن، وهو قول باطل، لا أساس له من الصحَّة؛ فالقرآن نفسه أمرنا أن نأخذ ما أتانا به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن ننتهي عما نهانا عنه؛ حيث قال ربُّ العزة: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، فمَن لم يأخذ بالحديث هو غير آخِذ بالقرآن، فانتبهوا يا أولي الأبصار.

 

إن اجتراء الدكتور - في مقاله الثالث - وغيرِه على البخاري وصحيحِه لا يُغتفر لهم أبدًا، اللهم إلا إذا شفع فيهم صاحب الشفاعة -صلى الله عليه وسلم- لأنه يؤدِّي إلى هدم السنَّة، وبالتالي هدْم الدِّين كله؛ فالأمة قد تلقَّت صحيحَي البخاري ومسلم بالقَبول، وشهد لهما علماء الجرح والتعديل بالصحَّة، فالطعنُ فيهما أو أحدهما طعنٌ في إجماع علماء الأمة، وإني أسائل الدكتور - كما أسائل كل من يطعن في أهل الحديث المتَّفق عليهم -: إذا كان صحيح البخاري عندك مطعونًا في صحَّته - وهو أصحُّ مصادر الحديث - فمن أين نأخذ السنَّة إذًا؟!

 

إن سحْب الثِّقة من صحيح البخاري يعني هدم السنَّة، فكيف نفهم القرآن من غير حديث وهو المفسِّر والمبيِّن والمفصِّل؟! وكيف نَعرِف تفاصيل العِبادات والمُعاملات وسائر الأحكام الشرعية من غير سنَّة؟! من أين نأخذ أركان الصلاة وأحكام الصوم والزكاة، ومناسك الحج وغيرها؟!

 

إنها دعوة خطيرة تلك التي تَرفُض أصحَّ كتاب بعد كتاب الله، فالرافض له رافض لبقية كُتبِ السنَّة، وإن يقيننا بحفْظ الله -تعالى- للقرآن، يُفيء علينا يقينًا قريبًا منه بأنه تكفَّل بحفْظ كل صحيح من السنَّة؛ ليكون بيانًا للقرآن الذي تكفَّل الله -تعالى- بحفْظِه؛ فالسنَّة المطهَّرة حَفِظها الله -تعالى- بحُفَّاظها وعلمائها، وإنَّ عِلم الجرح والتعديل في الحديث لَيعدُّ أدقَّ ميزان علميٍّ صحيح عرفتْه البشرية، بشهادة المُنصِفين مِن المُستشرِقين، وبه يُعرَف الصحيح من الموضوع، وبمُقتضاه لا يجوز إطلاقًا الطعنُ في أيِّ حديث شَهِد علماء الحديث بصحَّته، مهما تراءى للفهم القاصر بطلانُه؛ فالعقل لا يَحكم على الوحي متى صحَّ ثبوته، وبالتالي فإن إنكارَ الأحاديث الصحيحة جنايةٌ لا تُغتفر.

 

رابعًا: قال الدكتور عن المقام المحمود المذكور في قوله -تعالى-: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79]: "وهو مقام البشارة العُظمى، والله أعلم، وليس مقام الشفاعة العظمى كما يَذكُر المُفسِّرون".

 

إن الفيصل في تحديد كلام الله هو مَن أُنزل عليه كلام الله، ولقد قال في سنن الترمذي لَمَّا سُئل عن المقام المحمود في هذه الآية: ((هي الشفاعة))، وقال ابن عباس: المقام المحمود مقام الشفاعة، وكذا قال مجاهد والحسن البصري، وروى البخاري بسنده عن ابن عَمرٍو قال: "إن الناس يَصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع، يا فلان، اشفع، حتى تَنتهي الشفاعة إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- فذلك يوم يَبعثُه الله مقامًا محمودًا"، وحديث: ((من قال حين يسمع النداء))، وهو عند البخاري أيضًا.

 

خامسًا: إن تصوُّرَ الدكتور - وأمثاله - لحقيقة الشفاعة وهدفها تصوُّرٌ عليل، بنى عليه حُكمًا باطلاً؛ فهو يزعم أن الهدف من الشفاعة هو إضافة معلومة عن عُذرِ المُذنِب وظروفه، والله -تعالى- أعلم مِن أي مخلوق!

 

فسبحان الله!! من الذي أنبأكم أن هذا هو هدف الشفاعة؟! إن الشفاعة تضرُّع من المخلوق الشفيع المُرتضَى عند الله، لدى علام الغيوب بإذنه؛ لِيرحم المشفوع فيه بكرمه وفضله، فلا تقدح الشفاعة مُطلقًا في علم الله -تعالى- وإنما هي بعِلمه وإذنه ورحمته، ومن ثمَّ لا يترتب عليها محظور شرعي ولا عقلي، كما أنها لا تقدح في عدل الله -تعالى- لأن فضله فوق عدله، ولو عاملَنا الله بعدْله، لَمَا نجا منَّا أحد، نحن وأنتم على السواء.

 

هذه هي أهم النقاط التي أردتُ أن أتعرَّض لها سريعًا من بحوث الدكتور، لا ردًّا عليه وحده - كما ذكرت - ولكن ردًّا على أصواتٍ وأصوات، لا يزال يتتابع صداها على مدى الأزمان، فالله المستعان.

 

واعلم أن الدكتور: مصطفى محمود ليس أول من أنكر الشفاعة، وبكل تأكيد لن يكون آخِرَهم؛ وإنما سبقه الكثير من أهل الأهواء، ذكرهم ابن تيمية في كتابه: "قاعدة جليلة في التوسُّل والوسيلة"، فمنهم الخوارج والمعتزلة والزَّيدية وغيرهم.

 

واعلم كذلك أن الشفاعة للعُصاة من أمة محمد - عليه السلام - ليستْ وساطةً ولا محسوبيةً، ولكنها بإذن الله الذي وسعتْ رحمته كل شيء - سبحانه وتعالى.

 

وبعد، فإذا كانت الشفاعة ثابتة، فما معنى قول الدكتور وغيره: إنها تزكِّي فكرة الوساطة والمحسوبية؟!

إن الشفاعة ثابتة بالآيات والأحاديث الصحيحة وإجماع علماء الأمة من لدن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد، إلا مَن ساء فهمه، أو ضلَّ رأيُه، وذلك لا يحتاج إلى إثبات ضعيف مثلي له، أما المنكرون لها، فقد بنَوا رأيهم الباطل على فهمٍ سقيم للآيات الواردة في شأن الكافرين، فيُوردونها موردًا عامًّا، ولا يَنظرون إلى تتماتها، ولا إلى سياقها أو سبب نزولها كشأن كل أهل البِدَع، ولقد غاب عن ذهن أولئك الذين حكَموا على ثبوتها بمقاييس طفولية - مثل قولهم: إنها تزكِّي فكرة الوساطة والمحسوبية، أو إنها تُخلُّ بمبدأ: الجزاء من جنس العمل - أن العظيمَ سبحانه لا يخضع لقانون، وأن الله -تعالى- إذا أثاب فبِفضْلِه، وإن عاقب فبحقِّه وعدله، ومَن يثيب بالفضل ويعاقب بالحق والعدل، يملك أن يصفح ويعفوَ عن عصاة عباده المؤمنين، أليس من حقائق الدِّين أن العمل وحده ليس سببًا لدخول الجنة؟! ألم يصحَّ في الحديث: أن أحدًا لن يُدخله عملُه الجنَّة، حتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يتغمَّدَه الله برحمته؟!

 

إن إثبات الشفاعة مُنسجِم مع المبادئ العامة للعقيدة الإسلامية؛ لأن دخول الجنة بالعمل ليس واجبًا على الله -تعالى- وإنما هو فضلٌ منه على عباده، وليس معنى ذلك أن صلاح العمل ليس مطلوبًا، بل هو مطلوب جزمًا بأدلة الشرع التي أوجبتْه، ولكنه ليس سببًا محتَّمًا لدخول الجنَّة، بل مَن يَلتزم صلاح العمل يكون مظنَّةً لحلول فضل الله عليه، وموئلاً لالتماس رحمته، وإذا كان دخول الجنَّة بفضل الله - عزَّ وجلَّ - فليس مما يَمتنع عقلاً أن يَهبَها الله -تعالى- لمن يشاء من عباده، ثم إن شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- خاصةً تَثبُت من وجه آخَر من وجوه الحكمة لا يجوز لمن يتأمله أن يُغفله، فمع كون شفاعته مُنسجِمةً مع ما وصفه الله -تعالى- به في القرآن من كونه: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، ومن كونه: ﴿ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 6] وغير ذلك، فهي أداة من أدوات الدعوة إلى الله -تعالى- لأنها تدلُّ على أن لهذا النبي الكريم من الاختصاصات الربانية ما يجعله في منزلةٍ من الفضل لا تُطاوَل، ومثل ذلك حَرِيٌّ أن يؤمن به كافة البشر، ومن ثمَّ تكون الشفاعة من أعظم أدوات الإغراء بالإقبال على هذا النبي الكريم، والدُّخول في حومة الخير الذي جاء به، فليست محسوبيَّةً كما يقولون؛ وإنما هي محضُ فضْل من الله - تبارك وتعالى.

 

فالشفاعة إذًا عند الله -تعالى- ليست كالشفاعة عند البشر؛ فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شافع في الطلب، بمعنى أنه صار شفعًا فيه بعد أن كان وترًا، فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، وبشفاعته صار فاعلاً للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه، والله -تعالى- وتْر، لا يَشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه فلا شريك له بوجْه، والشفاعة في الدنيا - وهي اتِّخاذ الوسائط عند ذوي الجاه والسلطان في قضاء الحوائج وتحقيق الرغبات - جائزةٌ أو مُستحبَّة، ما دامت الحاجة غير محرَّمة، والدليل على ذلك قول الله -تعالى-: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ [النساء: 85]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه كما في البخاري ومسلم: ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)).

 

أما الشفاعة في الآخِرة، فإنها تَختلف عنها في الدنيا اختلافًا كبيرًا؛ وذلك لأن الأمرَ يومئذٍ كله لله، وليس لأحد غيره -تعالى- منه شيء، كما قال -تعالى-: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [الانفطار: 17 - 19]، فالشفاعة تَنقسم يوم القيامة قسمَين: شفاعة منفية تمامًا، لا حقيقة لها ولا واقع ولا وجود، وشفاعة ثابتة واقعة، لها حقيقة ووجود، وللشفاعة المنفيَّة صور، منها:

1- شفاعة الآلهة التي عُبدت من دون الله أو معه؛ لقوله -تعالى-: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 43، 44]؛ لأن مَن عبد غيرَ الله مشركٌ كافر، ولا شفاعة لكافر، كما قال -تعالى-: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر: 48].

 

2- الشفاعة بدون إذن الله -تعالى- للشافع، أو رضاه عن المشفوع له؛ وذلك لقول الله -تعالى-: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]، وقوله: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء: 28].

 

أما الشفاعة المُثبَتة، فهي قِسمان؛ شفاعات النبي -صلى الله عليه وسلم- وشفاعات غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين من عباد الله -تعالى- فأما شفاعات النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي أنواع:

الأول: الشفاعة الكبرى التي يتأخَّر عنها أولو العزم من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - حتى تنتهي إليه -صلى الله عليه وسلم- فيقول: ((أنا لها))، وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم، حتى يُريحهم من مقامهم في الموقف، وهذه شفاعة يختصُّ بها، ولا يشركه فيها أحد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

الثاني: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لأهل الجنة في دخولها، وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل في الصحيحين.

 

الثالث: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لقوم من العصاة من أمَّتِه قد استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع لهم ألا يدخلوها.

 

الرابع: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم، والأحاديث فيها مُتواترة، وقد أجمع عليها الصحابةُ وأهل السنَّة قاطبة، وبدَّعوا من أنكرها، وصاحُوا به من كل جانب، ونادَوا عليه بالضلال.

 

الخامس: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم، ورِفعَة درجاتهم، وهذه مما لم يُنازع فيها أحد، واعلمْ أن كلَّها مُختصَّة بأهل التوحيد الخالص الذين لم يُشركوا بالله -تعالى- طرفة عين، ولا أقل منها.

 

السادس: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لقوم أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويَحسُن أن يُستشهد لهذا النوع بحديث عُكَّاشة بن مِحصَن، حين دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجعلَه الله من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث مُخَرَّجٌ في الصحيحين.

 

السابع: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- في تخفيف العذاب عمن يستحقُّه؛ كشفاعته في عمِّه أبي طالب أن يُخفِّف الله عنه العذاب، فإن قيل: قال -تعالى-: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر: 48]، قيل: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحِّدين الذين يخرجون منها، ويدخلون الجنة.

 

الثامن: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- أن يؤذن لأهل الجمع من المؤمنين في دخول الجنَّة - كما تقدَّم - وفي صحيح مسلم عن أنس أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أنا أول شفيع في الجنة)).

 

التاسع: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- في أهل الكبائر من أمَّتِه ممن يدخلون النار، فيَخرجون منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديثُ، وقد خَفِي عِلم ذلك على الخوارج والمُعتزلة، فخالَفوا في ذلك؛ جهلاً منهم بصحَّة الأحاديث، وعِنادًا ممن عَلِم ذلك واستمرَّ على بدعتِه، وهذه الشفاعة تُشاركه فيها الملائكة والنبيُّون والمؤمنون أيضًا، وهذه الشفاعة تتكرَّر منه أربع مرات، ومن أحاديث هذا النوع حديث أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).

 

والناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال؛ فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المَشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة مَن يُعظِّمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وغيرِه في أهل الكبائر، وأما أهل السنَّة - كما سبق - فيُقرُّون بهما في أهل الكبائر، لكن يرَون أنه لا يشفع أحدٌ حتى يأذن الله له، ويكون المشفوع له ممن رضي الله عنه؛ أي: أهل التوحيد الخُلَّص.

 

مسألة: هل يجوز الاستِشفاع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وغيره في الدنيا، إلى الله -تعالى- بالدعاء؟

فيها تفصيل؛ فإن الداعي تارةً يقول: بحقِّ نبيك، أو بحق فلان، فيُقسِم على الله بأحد مخلوقاته، وهذا محذور من وجهَين؛ أحدهما: أنه أقسم بغير الله، والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقًّا، ولا يجوز الحلف بغير الله -تعالى- وليس لأحد على الله حقٌّ إلا ما أحقَّه على نفسه، كقوله -تعالى-: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[الروم: 47]، فهذا حقٌ وجب بكلماته التامَّة، ووعْدِه الصادق، لا أن العبد نفسَه مُستحقٌّ على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العِباد بكل خير، وتارةً يقول: باتِّباعي لرسولك، ومحبَّتي له وإيماني به، وسائر أنبيائك ورسلك، وتصديقي لهم ونحو ذلك، فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسُّل والاستشفاع، فلفْظ التوسُّل بالشخص، والتوجه به، فيه إجمالٌ غلِطَ بسببه من لم يفهم معناه؛ فإن أُريدَ به التسبُّب به لكونه داعيًا وشافعًا - وهذا في حياته - يكون، أو لكون الداعي محبًّا له، مطيعًا لأمره، مُقتديًا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسُّل إما بدُعاء صاحب الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، أو يُراد به الإقسام به والتوسُّل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهَوا عنه، وكذلك السؤال بالشيء قد يُراد به التسبُّب به لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به.

  • 0
  • 0
  • 339
المقال السابق
(22) الرقى
المقال التالي
(24) حكم اللاهين من أطفال المسلمين وأطفال المشركين
i