نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

قصة أصحاب الأخدود - (2) قصة أصحاب الأخدود من خلال سُنة المصطفى

منذ 2018-01-10

الأولياء لا يعلمون الغيب، فأفضل الأولياء قاطبة هو صِدِّيق الأُمَّة الأكبر: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ما الدليل؟! الدليل أن أفضل الأُمَم هي أُمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- وفي الحديث الذي صحَّحه الألباني في "ظلال الجنة"

(2) قصة أصحاب الأخدود من خلال سُنة المصطفى

ثانيًا: القصة من خلال سُنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وشرح الحديث:

عن صُهيب - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كان مَلك فيمَن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمَّا كبِر، قال للملك: إني قد كَبِرتُ، فابْعَث إليّ غلامًا أُعَلِّمه السِّحر، فبَعث إليه غلامًا يُعلِّمه، فكان في طريقه إذا سلَك راهبٌ، فقعَد إليه وسَمِع كلامه، فأعْجَبه، فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب، وقعَد إليه، فإذا أتى الساحر ضرَبه، فشكى ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خَشِيتَ الساحر، فقل: حبَسَني أهلي، وإذا خَشِيت أهلك، فقل: حَبَسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابَّة عظيمة قد حَبَست الناس، فقال: اليوم أعلم: الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخَذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمرُ الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر، فاقْتُل هذه الدابَّةَ؛ حتى يَمضي الناس، فرماها فقَتَلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنَي، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغَ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليتَ فلا تدلَّ عليّ، وكان الغلام يُبْرِئ الأَكْمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسَمِع جليسٌ للملك كان قد عَمِي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمعُ، إن أنت شَفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا؛ إنما يَشفي الله - سبحانه وتعالى - فإن آمنتَ بالله - سبحانه وتعالى - دعوتُ الله فشَفاك، فآمَن بالله - سبحانه وتعالى - فشفاه الله، فأتى الملك فجلَس إليه كما كان يَجلس، فقال له الملك: مَن ردَّ عليك بصرَك؟ قال: ربي، قال: أوَلك ربٌّ غيري؟ قال: ربي وربُّك الله، فأخَذه فلم يَزَل يُعَذِّبه حتى دلَّ على الغلام، فجِيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بُني، قد بلَغ مِن سحرك ما تُبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل ما تفعل؟ قال: إني لا أشفي أحدًا؛ إنما يشفي الله - سبحانه وتعالى - فأخَذه فلم يَزَل يُعذِّبه؛ حتى دلَّ على الراهب، فجِيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمِنشار فوُضِع في مَفْرِق رأسه، فشقَّه حتى وقَع شِقَّاه، ثم جِيء بجليس الملك، فقيل له: ارجِع عن دينك، فأبى، فوُضِع المِنشار في مَفْرِق رأسه، فشَقَّه حتى وقَع شِقَّاه، ثم جِيء بالغلام، فقيل له: ارجِع عن دينك، فأبى، فدفَعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصْعَدوا به الجبل، فإذا بَلَغْتُم ذِروته، فإن رجَع عن دينه وإلاَّ فاطْرَحوه، فذَهَبوا به فصَعِدوا به الجبل، فقال: اللهم اكْفِنيهم بما شِئْت، فرَجَف بهم الجبل، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعَل أصحابُك؟ فقال: كفانِيهم الله - سبحانه وتعالى - فدفَعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحْمِلوه في قُرقُور، فتوسَّطوا به البحر، فإن رجَع عن دينه، وإلاَّ فاقْذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكْفِنيهم بما شِئْتَ، فانْكَفَأت بهم السفينة، فغَرِقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعَل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله - سبحانه وتعالى - فقال للملك: إنك لستَ بقاتلي؛ حتى تفعل ما آمُرُك به، فقال: ما هو؟ قال: تَجمع الناس في صعيد واحد، وتَصلبني على جذعٍ، ثم خُذ سهمًا من كِنانتي، ثم ضَعِ السهم في كبدِ القوس، وقل: بسم الله ربِّ الغلام، ثم ارْمِني، فإنك إن فعَلت ذلك، قتَلتني، فجمَع الناس في صعيد واحدٍ وصَلَبه على جِذْعٍ، ثم أخَذ سهمًا من كِنانته، ثم وضَع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله ربِّ الغلام، ثم رماه، فوقَع السهم في صُدغه، فوضَع يده في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنَّا بربِّ الغلام ثلاثًا، فأُتِيَ الملك، فقيل له: أرأيتَ ما كنت تَحذر؟ قد والله وقَع بكَ حَذَرُك؛ قد آمَن الناس، فأمَر بالأخاديد في أفواه السِّكك، فَخُدَّت، وأُضْرِم (فيها) النيران، وقال: مَن لَم يرجع عن دينه، فأقْحِموه فيها، أو قيل له: اقْتَحِم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ لها، فتَقاعَست أن تقعَ فيها، فقال لها الغلام: يا أُمَّه، اصبرِي؛ فإنَّك على الحق»؛ والحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي - رحمهم الله.

 

هذا هو الحديث الذي ذكَر لنا قصة أصحاب الأخدود، وواضح أنَّ الحديث مَلِيء بالفوائد الجمَّة، ومَلِيء بالعِبَر والعِظات، والحديث موفور الفوائد، عظيم النُّكت والمعاني.

 

فالنبى -صلى الله عليه وسلم- يقصُّ علينا في هذا الحديث شيئًا من قصةٍ وقعَت لقوم ممن كانوا قبلنا، وهذا يدلنا على أنَّ الله - سبحانه وتعالى - يوحي إلى نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- بما يشاء، فقد أوْحى إليه - سبحانه وتعالى - بقصة لُقمان، وأوحى إليه بقصة الخَضِر مع موسى، وأوحى إليه بقصة أمِّ موسى، وأوحى إليه بالقول الفَصْل والكلام العدل في قصة المسيح ابن مريم، أوحى إليه بالكلام الحقِّ دفاعًا عن سليمان، لَمَّا قال بنو إسرائيل: إنه ساحر، فقال ربُّ العزة - سبحانه وتعالى -: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة: 102].

 

فربُّ العزة - سبحانه وتعالى - يوحي إلى نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- بما يشاء، فما عَلَّمنا إيَّاه ربُّ العزة من طريق الوحي، فهو الحق والصواب، وما خالَفه فهو الباطل الذي لا سبيل أبدًا لأن يكون حقًّا، وما سكَت الله - سبحانه وتعالى - عنه، فهذا لا سبيل لنا أبدًا إلى معرفته.

 

فربُّنا - سبحانه وتعالى - يحدِّثنا هنا عن قصة وقعَت لقوم ممن كانوا قبلنا، والأُمم التي كانت قبلنا من أصحاب الوحي والرسالة كانت أُمم بني إسرائيل، وكانت بنو إسرائيل تَسوسهم الأنبياء، كلما خلَى نبيٌّ، بعَث الله - سبحانه وتعالى - نبيًّا، حتى إذا أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يَختم الرسالات، وأن يُتِمَّ صَرْح النبوَّات، بعَث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً، بشيرًا وهاديًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهو يقول -صلى الله عليه وسلم-: «كان ملك فيمَن كان قبلكم، وكان له ساحر».

 

هذه هي بداية القصة، وهذا هو التحديد التاريخي لأحداثها، دون ذِكر للزمان والمكان؛ لتتجرَّد معاني تلك الأحداث، وتُصبح مجرَّدة ومُطلقة، فيُمكن اعتناقها والاستفادة بها بغير الارتباط أو التعلُّق بظروفها ومُلابساتها.

 

فكان تجريد أحداث هذه القصة هو الأساس التسجيلي لها؛ لأنها أتَت بعد ذلك إثباتًا تاريخيًّا موجَّهًا نحو تحقيق قِيمتها كتجربة قائمة إلى نهاية الزمان وإلى اليوم الموعود؛ ولهذا جاء كلُّ التحديد التاريخي في قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((فيمَن كان قبلكم))، يريد: فيما مضى، ولكنَّه يربط هذا الماضي بحاضر الدعوة في عهده -صلى الله عليه وسلم- فيقول: ((قبلكم))، وبذلك أُضِيفت أحداث هذه القصة - بعد تجريدها - إلى واقع الدعوة القائم الآن؛ حيث إن هذا الواقع القائم الآن هو الامتداد الصحيح لواقع الدعوة منذ بدايتها مع بداية الزمان، وهذا هو المعنى الأوَّلِي المأخوذ من تلك البداية.

 

والمعنى الثاني: هو أنَّ هذه البداية حدَّدتْ باللفظة الأولى ((كان ملك)) طبيعةَ هذه الدعوة، فكان أوَّل ما وضَح منها هو ضرورة المواجهة - منذ البداية - بين واقع الدعوة والسلطة الكافرة، التي تُسَيطر على واقع الناس المراد تحقيق غاية الدعوة فيهم.

ولقد برَزَت ضرورة المواجهة بين الدعوة إلى الحقِّ والحكم الباطل بصورة واضحة جدًّا في دعوة موسى - عليه السلام - إذ قال الله - سبحانه وتعالى - له: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 24].

ذلك أنَّ الرسالة لَم تكن أصلاً إلى فرعون؛ لأن موسى - عليه السلام - كان مرسلاً إلى بني إسرائيل، وكان كلُّ ما يريده هو الخروج ببني إسرائيل من مصر: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الأعراف: 105]، وقال - سبحانه وتعالى - في سورة طه: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ﴾ [طه: 47]، ورغم هذا فإن المواجهة كانت مع فرعون؛ باعتباره مسيطرًا على واقع الناس الذين كانت الرسالة إليهم.

وكانت مواجهة عقديَّة، مرتبطة بتصوُّر الدعوة ومنهجها، مؤكِّدة كلَّ حقائق الرسالة وقضاياها، وبهذا يكون موسى - عليه السلام - قد بدأ بدعوته إلى بني إسرائيل البداية الطبيعيَّة عندما واجَه فرعون ومَلأه.

وبذلك نَفهم أنَّ العداء بين الدُّعاة إلى الحق وبين حُكَّام الباطل، أمرٌ بدهي مفروض من البداية، وبمجرَّد التفكير في غاية الدعوة والنظر إلى واقع الناس.

 

وعلى هذا؛ فإن أيَّ دعوةٍ إلى الحقِّ تظهر في الواقع الباطل وتوجهه توجيهًا نظريًّا، أو فكريًّا مجرَّدًا، لا يتضمَّن تقدير مواجهة هذا الباطل في قوَّته وسلطانه - ستكون قتيلة بسُنن الوجود، وتُلفَظ من واقع الناس، كالجنين الذي يَلفظه الرَّحم وهو غير مُخلَّق.

فالدعوة إلى جميع الناس: حاكمين ومحكومين؛ لأن الدعوة دعوة للحق، فلو كانت للمحكومين دون الحاكمين، لأصبحت فكرًا خاضعًا لِمَن يحكم بالباطل، ولو كانت للحاكمين دون المحكومين، لأصبحت وسيلة من وسائل هذا الحُكم الباطل.

ولهذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- حريصًا في بداية الدعوة على إعلانها على الملأ، والجهر بأنها دعوة إلى جميع الناس، فكان يَبعث إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وهو ما يزال في مرحلة الاستضعاف؛ تأكيدًا لأبعاد الدعوة من البداية، ودون اعتبار للإمكانيَّات، أو مُراعاة لميزان القوة بينه وبين هؤلاء الملوك.

 

فمن الملوك مَن كان يفهم قَصْد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثل "هرقل"، الذي وصَلته رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدعوته إلى الإسلام، فناقَش أبا سفيان الذي كان حاضرًا في بلاد الروم عندما أرادَ "هرقل" بَحْثَ أمرِ الرسالة، وتَمَّ حوار رائع حول الدعوة بين هرقل وأبي سفيان، انتهى بقول هرقل فيما رواه البخاري وأحمد: "والله لو كان ما تقول حقًّا، فسَيَمْلِك موضِعَ قدَمَيَّ هاتين، ولو كنت أعلم أني أَخْلُص إليه، لتَجَشَّمتُ - تمنَّيتُ - لقاءه، ولو كنتُ عنده، لغَسَلْتُ عن قَدَمه".

ثم يواصل تأكيد فَهْمه لطبيعة الدعوة الصحيحة، فيوجِّه نُصحه إلى الروم قائلاً: "يا معشر الروم، هل لكم في أن يَثبتَ مُلكم، فتُبايعوا هذا النبيَّ؟".

ومن الملوك مَن كان لا يَفهم قَصْدَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل كسرى ملك الفُرس، الذي ذُهِلَ لجُرأة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بَعْثه برسالةٍ يدعوه فيها إلى الإسلام، ومزَّق الرسالة التي بعَثها النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه، فكانت النتيجة أن دعا عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمزيق مُلكه كلَّ مُمزَّقٍ، فقال فيما رواه البخاري: ((اللهمَّ مزِّق مُلكه كلَّ مُمَزَّق)).

وعندما يدعو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ملك الفرس، نرى كيف أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يَبعث برسائله وهو يَعتقد أنَّ هذا حقٌّ له، وأنَّ لهذه الرسائل قيمة الدعوة كلها، وأنها يجب أن تكون كذلك، حتى في نفوس هؤلاء الملوك، فليست الدعوة أقلَّ قيمة من ملك الفرس، حتى تُمَزَّق دون أن يُمَزَّق هذا الملك كلَّ مُمَزَّق.

 

ولقد كانت قريش من الذين لَم يَفهموا قَصْدَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- فظنَّت أنه لا يريد إلاَّ الحُكم، فعرَض عليه سادتُها أن يكون سيِّدًا عليهم، قائلين له فيما رواه أبو يعلى وعبد بن حميد، وحسَّنه الألباني: إن كنت تريد سيادة، سوَّدناك علينا، فرفَض الرسول -صلى الله عليه وسلم- تلك السيادة.

فالحُكم ضرورة في تصوُّر الدعوة، ولكنَّه لن يأتِيَ مِنحة من المغتصبين له، ولن يتحقَّق بالمساومات الرخيصة، بل يجب أن يُستَردَّ بالجهاد والعمل؛ ليكون ولاية شرعيَّة حقيقيَّة، وليس مجرَّد تسلُّط شخصي، أو سيادة فردية، دون إمكانيَّات القيام بالحُكم والاستمرار فيه بعد الوصول إليه.

والمثال الذي يُثبت هذه الحقيقة هو النجاشي ملك الحبشة، الذي دخَل الإسلام بنفسه، ولَم تَدخل الحبشة وهو مَلِكها؛ لأن إسلام النجاشي - وهو حاكم - لَم يكن معناه إمكانيَّة الحكم بالإسلام، وكذلك هرقل ملك الروم، يودُّ أن تدخلَ الروم في الإسلام، ويُبدي تلك الرغبة قائلاً: يا معشر الروم، هل لكم في أن يَثبت مُلككم، فتُبايعوا هذا النبي؟ ولكنه لا يزيد شيئًا عن إبداء رغبته الشخصيَّة في إسلام الروم رغم خضوعها لحُكمه.

 

لكن يجب ألاَّ يَمنع الاستضعاف ضرورة المواجهة بين الدعوة والحكم الظالم، وليس في تلك المواجهة - دون اعتبار للإمكانيات المادية - أيُّ تهوُّرٍ؛ ولهذا بيَّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن سيِّد الشهداء مَن يقوم إلى حاكم ظالم يأمُره ويَنهاه، وهو يعلم أنه سيَقتله، فقال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الترمذي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وصحَّحه الألباني: ((سَيِّد الشُّهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام ظالِم، فأمَره ونهاه، فقتَله)).

 

وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه أكَّد ما يؤكِّده الشهداء بقتالهم الكافرين أصحابَ القوة والسلطان، ويزيد عليهم أنَّ الشهداء كانوا يقاتلون باحتمال النصر أو الشهادة، وهو يواجه باحتمالٍ واحدٍ، وهو الشهادة.

 

((وكان له ساحر))، وهذه الجملة تُفيد أنَّ الساحر للملك، والسحر للحكم، وسبحان الله العظيم، لَم يكن السحر مجرَّد ظاهرة موجودة في المجتمع، بل - للأسف الشديد - كان اتجاهًا يحكم هذا المجتمع، وعندما يحكم السحر نفهم طبيعة الواقع الخاضع له، فلا بدَّ أنه واقع فاسدٌ، قائم بالظلم، ومحكوم بالهوى.

فعلى رأسه ملك مَبْدَؤُه السحر، وسلطانه القهر، فلا بد أنَّ المنهج وهمٌ، وأن القيادة قهرٌ، وأن الفكر خرافة، والواقع ضياع، وعندئذٍ يكون الإنسان؛ إمَّا مُتكبِّرًا لا يُعْجَب إلاَّ بنفسه، أو مقهورًا لا يَشعر حتى بنفسه.

والذي يَجعلنا نَفهم ذلك من البداية، هو أنَّ الحكم في أيِّ واقع هو المُحَصِّلة النهائية لكل الأبعاد الاجتماعيَّة، كما أنه الصورة الجامعة للتقاليد، والإطار المحدِّد للأخلاق، فكيف يكون هذا المجتمع ومُحصِّلة أبعاده، وصورة تقاليده، وإطار أخلاقه القهر والسحر؟!

 

وهذه ضرورة الحكم الظالم؛ لأنَّ الحكم بكلِّ أشكاله سيطرة على الواقع الإنساني، فإمَّا أن يكون الحكم سليمًا، فيقوم على بناء كِيان الإنسان وصيانته، وفي هذه الحالة يكون من مصلحة الحاكم أن يكون الإنسان الذي يُواليه عاقلاً عالِمًا قويًّا، وهذا هو الحكم الإسلامي الذي يَرعى الفرد ويُقَوِّيه، وإمَّا أن يكون الحكم جاهليًّا، فيقوم على تَفتيت كِيان الفرد، وتَشتيت كيان المجتمع؛ لأن الحكم الجاهلي لا يريد إلاَّ السيطرة دائمًا ولو إلى الدمار، وفي هذه الحالة يكون من مصلحة الحاكم أن يكون الإنسان الذي يُواليه غبيًّا جاهلاً ضعيفًا.

 

والسحر باعتباره توهُّمًا وكذبًا يُحقِّق أغراض الحاكم الظالم، وأيُّ منهج ليس من عند الله - عز وجل - يَخضع له الناس - يُحقِّق نتائج السحر، وليس هناك فارق بينهما إلاَّ في الشكل والاسم، فالمهم ألاَّ يكون في المجتمع قوَّة عاقلة أو عقل قوي، وهذا ما يتحقَّق بالسحر وبأي منهج بشري مَهْما كان؛ لأن أيَّ منهج غير إسلامي يتَّفق في خصائصه مع السحر؛ إذ إن السحر تخيُّل بتأثير عامل الخوف وباستغلال حالة الجهل، وأي منهج يتخيَّل الإنسان أنه سليم بتأثير الإرهاب الذي يُفرَض به المنهج من خلال الجهل والضَّعف - يُحَقِّق نتائج السحر.

وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((كان ملك فيمَن كان قبلكم، وكان له ساحر))، يدلُّ على أنه لا بدَّ أن يكون لكلِّ ملكٍ من الملوك أصابِعُ خفيَّة مثل الساحر.

وهذا الساحر في حقيقة الأمر هو أهون الناس على الملك؛ فإذا وَجَد الملك مَن هو أفضل منه، تخلَّى عنه في التَّوِّ واللحظة، بل إنه إن حدَث منه أيُّ شيءٍ يُغضب الملك، فسَرعان ما يتحوَّل الملك إلى إعصار مدمِّرٍ يَعصف بحياة الساحر بلا تردُّدٍ.

فالساحر يَخدم الملك طلبًا لرضاه، ويعمل بالسحر ليُسخِط عليه الله - سبحانه وتعالى - وهكذا كلُّ مَن يعمل عند الملوك لا يأْمَن على نفسه أبدًا.

كان في الأمم السابقة مَلِكٌ وأرادَ أن يَبني قصرًا مشيدًا، فأمَر مهندسًا بارعًا اسمه سِنِمَّار أن يَبني له هذا القصر، فبنى له هذا القصر المشيد.

وفي جلسة صفاء، قال المهندس للملك: إنَّ في القصر لبنة لو جذَبها رجل، لانْهَدم القصر كله، فقال له الملك: يا سِنِمَّار؛ هل يعلم هذا أحد غيرك؟ قال: لا، فقتَله الملك؛ ولذلك كانت العرب تَضرب به المثل، فتقول: لَقِي جزاء سِنِمَّار.

وقضية السحر من القضايا الخطيرة جدًّا؛ حيث انتشر في أيَّامنا هذه انتشارًا كبيرًا، ووقَع فيه كثير من الناس، حتى بعض أهل الخير؛ إمَّا جهلاً، وإمَّا عجزًا؛ لوقوعه عليه وعدم قُدرته على دَفْعه بما أحلَّ الله؛ ولهذا فقد وقَفت مع هذه القضية وقفة في كتابي: "عون الرحمن في شرح أركان الإيمان" المبحث الثالث: "توحيد الألوهيَّة"، تناوَلْت فيها الجانب العقدي في هذه القضية، وأوضَحت فيها - بفضل الله - ما يعتقده أهل السُّنة والجماعة، وذلك في عدة محاور، وهي على الترتيب الآتي: هل السحر حقيقة أم لا؟ حكم الساحر، حد الساحر، بيان بعض ألوان السحر، المخرج الشرعى لِمَن أُصيب بالسحر، فارْجِع إلى هذا البحث، تُفد - إن شاء الله.

 

لكنَّ من أخطر أنواع السحر في هذه الأيام، ومن أكثره انتشارًا وتأثيرًا: سحر الكلمة؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه البخاري: ((إنَّ من البيان لسحرًا)).

ولذلك أقول: إنَّ الإعلام هو ساحر هذه الأيام، فهو الذي يُزيِّن الباطل، ويُشَوِّه صورة الحقِّ وأهله؛ حتى هان الدين في قلوب أكثر المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العَلي العظيم.

كم من المسلمين قد صار الحقُّ عندهم باطلاً والباطل حقًّا؛ بسبب ما رسَخ في ذِهنه وعقله من هذا التشويش الذي يراه ويَسمعه كلَّ يوم في وسائل الإعلام!

فهذه الفئة لها في القديم والحديث دورٌ عظيم الخطورة والأهميَّة، وقد كان يُمثِّلها في العصور القديمة طائفة الشعراء الذين كانوا يصوغون الرُّؤَى، ويُشكِّلون الفكر، ويُحدِّدون الهُويَّة والصبغة، وهم الذين كانوا يُكوِّنون الرأي العام، ويُوَجِّهونه إلى الوجهة التي تَخدم مصالح السادة.

 

إن تبعيَّة الشعراء الذليلة لطبقة المُترَفين واضحة، وإن نِفاقهم لَبَيِّنٌ جَلِيٌّ، وقَلْبَهم للحقائق ظاهر معلوم، يُلبسون الباطل ثوبَ الحقِّ، يصفون الضلال بأنه هدًى، يُشَوِّهون صورة أهل الإيمان؛ تارة يُسمونهم: المُتطرفين، وأخرى بالأصوليين الرَّجعيين!

وإنَّ الشعراء قديمًا لهم الإعلاميُّون حديثًا، النفاق - إلاَّ مَن رَحِم الله - بِضاعتهم، والكذب - إلاَّ مَن عافاه الله - دَيْدَنهم.

 

هذا هو الحجاج بن يوسف الثقفي، ذلك الطاغية الظالم الذي قتَل عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه - وقتَل سادات التابعين: سعيد بن جبير، وحطيط بن الزيَّات، وغيرهما - رحمهم الله - هذا هو الحجاج الظالم، قاتل الآلاف، وببضع دراهم تُدفع إلى شاعرَي الأمويين: جرير والفرزدق، يتحوَّل إلى ولِىٍّ من أولياء الله الصالحين، وإلى رسول من رُسل الخير والعدل!

فيقول جرير:

إنَّ ابْنَ يُوسُفَ فَاعْلَمُوا ♦♦♦مَاضِيالبَصِيرَةِوَاضِحُالْمِنْهَاجِ

 

ويَردُّ عليه الفرزدق بقوله:

وَلَمْ أَرَ كَالحَجَّاجِ عَوْنًا عَلَى التُّقَى

وَلاَ طَالِبًا يَوْمًا طَرِيدَةَ نَابِلِ

بِسَيْفٍ بِهِ للهِ يَضْرِبُ مَنْ عَصَى

عَلَى قِصَرِ الأَعْنَاقِ فَوْقَ الْكَوَاهِلِ

 

إنه يقتل نعم، ولكن بسيف به لله يَضرب مَن عصى؛ أي: لا يَقتل إلاَّ بسيف الحقِّ، يقتل العصاة غضبًا لله - سبحانه وتعالى!

 

وهكذا تُبرَّر للطاغية - ولكل الطواغيت - الجرائم والأوزارُ، وتتناقَل الألْسِنة هذه الأبيات - كما تتناقل الألسنة الأغنية التي تمجِّد الزعيم - في مجتمع لا يُجيد ثلاثة أرباعه القراءة ولا الكتابة، تتناقل الألسنة الأبيات هذه، ويتحوَّل كلُّ حجاجٍ إلى رجل الإيمان والتُّقى، ويُصبح كلُّ سعيد بن جبير إرهابيًّا متطرِّفًا، رجعيًّا مُتخلِّفًا، ظلاميًّا متأخِّرًا.

وهكذا يصنع شعراء العصر؛ ولهذا تجد أنَّ الأمر بالجهر بالدعوة قد جاء في سورة الشعراء، وهو لَم يأتِ اتِّفاقًا - من غير عمدٍ - بل كأنَّ الله - سبحانه وتعالى - أراد أن يلفتَ نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- ونظر المؤمنين عبر العصور والأجيال إلى تلك الفئة الضالة المُضِلَّة، فئة الشعراء - الإعلاميين - وأنها ستكون حربًا على أهل الحق.

وتلك قاعدة لا بدَّ وأن لها استثناءً، وشواذ القاعدة - كما أُكَرِّر كثيرًا - لا تَنفيها، بل تُثبتها.

 

قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ [الشعراء: 224]؛ أي: يَنطلي نفاقُهم وكذبُهم على السُّذَّج والمستَغفَلين، لماذا؟ الآية التي بعدها تُعطينا الإجابة: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ [الشعراء: 225]، ألاَ يرى هؤلاء المخدوعون السُّذَّج الذين يُصدِّقون كتابات الشعراء، ويَنفعلون بما يَبثون من سمومٍ في الأفلام والمسلسلات، ألاَ يرون فضائحهم التي تفوح روائحها الكريهة في الأجواء؟! ألا يرون أنهم يرفعون هذا فوق الأعناق نفاقًا، ثم هم هم الذين يَطرحونه أرضًا ويَطَؤُونه بالأقدام غدًا؟! يسبِّحون بحَمْد هذا ويُمَجِّدونه اليوم، ثم يَلعنونه غدًا! يُصوِّرون هذا في دَوْرة المياه اليوم، ثم يَحملونه هو ودورة مياهه على الأكتاف غدًا! ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 225 - 227].

 

ذكَر الله - سبحانه وتعالى - فئة الإعلاميين أو الشعراء الصالحين، الذين لا يَبتغون بأقوالهم وكتاباتهم إلاَّ مَرضاة الله - سبحانه وتعالى - ثم تهدَّد وتوعَّد فئة الضلال، الذين يبغضون الحقَّ، ويُبغِّضونه إلى الخَلْق، ويُحبون شيوع الرذائل والفواحش في المجتمع، توعَّدهم الله - سبحانه وتعالى - بأليم العذاب، وشديد العقاب.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((كان مَلِك فيمَن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمَّا كَبِر، قال للملك: إني قد كَبِرت، فابْعَث إليّ غلامًا أُعَلِّمه السحر)).

عجبًا لأمر هذا الساحر الذي عاش حياته كلها كافرًا بالله - سبحانه وتعالى - واقعًا في المُوبقات، وعلى الرغم من ذلك بدلاً من أن يُفكِّر في التوبة قبل أن يموت - فقد اقترَب أجله - إذا به يُفَكِّر كيف يستمرُّ هذا الشر من بعده؛ ليكون ذلك في ميزان سيِّئاته من بعده؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه أحمد ومسلم، والترمذي والنسائي وابن ماجه: ((ومَن سَنَّ في الإسلام سُنة سيِّئة، فعليه وزرها ووزر مَن عَمِل بها من بعده، من غير أن يَنقص من أوزارهم شيء)).

 

ومن هذا القول نجد نموذجًا لبطانة السوء التي يَهمها أن تبقى الأوضاع التي يَستفيدون منها وينعمون فيها، ومَثَلُهم الواضح سحرة فرعون الذين جاؤوا إلى المدائن لمواجهة موسى، فكان أوَّل ما قالوا: ﴿ أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [الشعراء: 41 - 42]، فلم يسألوا عمَّن سيواجهون، وما هي قضيَّته؛ فهذا لا يهمُّ، ولكنَّ الذي يهمُّ هو الأجر.

غير أننا نَلحظ أنَّ الساحر في طَلبه للغلام، لَم يكن يريد منفعة شخصيَّة؛ لأن الطلب جاء لَمَّا أحسَّ الساحر بدُنوِّ أجله، فلم يكن يريد بهذا الطلب شَخْصَه.

وهنا يَبرز معنًى جديد، وهو أنَّ الساحر لَمَّا كَبِر وعاش عمره في تهيئة الواقع للملك مستفيدًا ومُنعَّمًا، لَم يُصبح الأمر بالنسبة له منفعة ذاتيَّة، بل أصبَح ذاتَه نفسَها التي أحبَّ أن تستمرَّ في شخص الغلام، فقد قضى عمره ساحرًا، ولا بدَّ من امتدادٍ لهذا العمر بعُمر جديد، فكان طلبُه للغلام.

 

ولكنَّنا لا يجب أن نتوقَّف عند هذا الحدِّ في تفسير طلب الساحر للغلام؛ إذ إننا نرى الدافع إلى هذا الطلب هو الشيطان القائم على أمر الجاهليَّة بأجيالها الممتدَّة؛ حيث إن الشيطان يَملِك تجربة الوجود الإنساني كله من بدايته، والتي يستطيع بها رَبْطَ الأجيال الجاهلية كلها جيلاً بعد جيلٍ؛ ليَستهلك تلك الأجيال كلها باستمرار الفساد وبقائه.

وبهذا يجب أن نُدرك خطورة الوجود الجاهلي باعتباره وجودًا ممتدًّا، وخطورة التفسير الذي يُعطيه الجاهليون لبقائه في أجيال متعاقبة.

فليس الامتداد تعاطفًا بين الأجيال؛ لأن الجيل الجاهلي مُفَتَّت ومُشَتَّت، لا يمكن أن يتعاطَف حتى مع نفسه، وأي جيل جاهلي يدَّعي أنه يعمل للمستقبل الإنساني، إنما يكون كاذبًا في اختلاقه التعاطُفَ مع أبناء المستقبل، كما كذب في اختلاقه جذورًا تاريخيَّة له في هذا الواقع الإنساني.

كذلك فليس هذا الامتداد الجاهلي (حتميَّة تاريخيَّة) مفروضة على الواقع الإنساني، لا سبيلَ إلى إنهائها أو تغييرها؛ لأن التاريخ وأحداثه لا يتحقَّق إلاَّ بقَدر الله وحده - سبحانه وتعالى.

والمسلمون وحدهم هم الذين يَمِلكون - بعقيدتهم وتصوُّرهم - سُنن هذا القدر وأسباب تحقيقه، وهم وحدهم أيضًا القادرون على إنهاء الوجود الجاهلي إذا الْتَزَموا تلك السُّنن، وأخذوا بهذه الأسباب.

 

لكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن:

لماذا طلَب الساحر من الملك أن يبعثَ إليه غلامًا صغيرًا، ولا يَبعث إليه شابًّا أو شيخًا كبيرًا؟!

والجواب: أنَّ الساحر إنما فعَل ذلك؛ ليتشبَّع الغلام بالسحر من صِغَره، ويَتَشرَّبه قلبه وعقله، وليَبقى مع الملك أكبر وقتٍ مُمكن؛ ليَخدمه في تنفيذ ما يريد، ومعلوم لدى الجميع أنَّ التعليم في الصِّغَر كالنَّقش على الحجر.

 

فإذا كان أهل الباطل يَحرصون كلَّ الحرص على تعليم الأولاد كلَّ هذا الشر والفساد، فأين المسلمون الذين يُعَلِّمون أولادهم الخير والصلاح؟!

أقول: إننا في أشدِّ الحاجة إلى أن نربِّي أولادنا على حبِّ الله وحبِّ رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليَنشأ الولد نشأة طيِّبة مباركة، فيحب الله حبًّا يحول بينه وبين مَعصيته، ويأخذ بناصيته إلى طاعته ورِضوانه، ويستنفر هِمَّته إلى العمل لنصرة هذا الدين.

كما أننا في أشدِّ الحاجة لأن نربطَ الطفل بالقدوة والمعلِّم الأوَّل محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم- فهو القدوة وهو الأُسوة لِمَن أراد القدوة والأسوة؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

 

فلا يَنبغي أن يمرَّ علينا يومٌ إلا ونعلِّم أولادَنا سُنةً من سُنن النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى يخرج هذا الجيل عالِمًا بالسُّنة، كارِهًا لكلِّ بدعة، مُتَأَسِّيًا بنبيِّه وقُدوته - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ونحن أيضًا في أشد الحاجة لأن نأخذ بنواصي أولادنا إلى حِفظ القرآن والعمل بما فيه؛ فإن النصرة لن تأتي إلاَّ من خلال التعايش مع كلِّ آية من آيات القرآن الكريم، الذي يمثِّل منهج حياة مباركة لكلِّ مَن أراد الحياة الحقيقيَّة التي عاش في ظلالها أصحابُ النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين تربَّوا في ظلال القرآن، وامْتَزَجت دموعهم ودماؤهم بكلِّ حرفٍ من حروفه؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30].

كان سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه - في حروبه ضد الفرس إذا مرَّ بخيمة من خيام المسلمين بالليل، فسَمِعهم يقرؤون القرآن، كان يقول: من هنا يأتي النصر، وإذا مرَّ بخيمة أخرى فوجَد أصحابها قد ناموا، كان يقول: ومن هنا تأتي الهزيمة!

وكانت أُمُّ سفيان الثوري تقول له وهو طفل صغير: يا بُني، كلَّما تعلَّمت آية، فاعْرَض نفسك عليها، فإن ازْدَدتَ خشيةً بعِلْمك، وإلاَّ فاعْلَم أنَّ العلم وبالٌ عليك.

 

ونحن أيضًا في أشد الحاجة لأن نعلِّمَ أطفالنا سيرة الأنبياء، وبخاصة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك سيرة الصحابة - رضي الله عنه - ونعلِّمهم المغازي؛ ليعرفوا كيف كان الصحابة يضحون بالنَّفس والمال من أجْل إعلاء كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ومن أجل نُصرة دين الله - سبحانه وتعالى.

كان بعض السلف يقولون: كنا نعلِّم أولادنا السِّيَر والمغازي، كما كنَّا نُعَلِّمهم السورة من القرآن.

فعليك أيها الأخ الكريم أن تربِّي ولدَك تربية القادة، لا تربية العبيد، فتَجعله يعدُّ نفسه؛ لكي يكون خليفة للمسلمين الذي سيوحِّد الله به صفوف الأمة المسلمة، ويُعيد إليها مُقَدَّساتها المسلوبة - بإذن الله.

فكلُّ ما ذكرتُه عن تربية الأولاد ما هو إلاَّ خُطوة في طريق بَعْث الأُمة؛ لكي ينشأ جيلٌ يعرف الله ويحبُّه، فيَنصر الله بهم الإسلام، ويُعِز بهم المسلمين في كل مكان، كما نصَر بأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وبأولادهم الذين تربَّوا على القرآن والسُّنة.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((فأتاه بغلام))، والغلام في لغة العرب: هو مَن كان بعد سنِّ الفِطام وقبل البلوغ.

 

وحينما يقرأ الإنسان هذه العبارة، يودُّ لو أنه يستطيع أن يمدَّ ذراعه؛ ليأخذ ذلك الغلام ويُنجيه من هؤلاء الناس؛ فإنه لا يُحزِن شيءٌ أكثر من ضياع الفطرة وإفسادها في مناخ المجتمعات الظالمة، فماذا لو نرى إنسانًا يَضيع، وفطرة تَفسُد، ثم لا نتقدَّم من أجْل حماية هذه الفطرة بأي جُهد أو عملٍ؟!

وماذا لو نرى إنسانًا قد مات على الكفر بعد أن وُلِد على الفطرة، ولَم نكن قدَّمنا له أسباب الهداية والحقِّ؟!

إن الداعية الحقيقي هو الذي يشعر بمسؤوليَّته تُجاه الفطرة الإنسانيَّة وحمايتها من أي تأثير جاهلي، ويحسُّ إحساسًا عميقًا بقيمة تلك الفطرة في واقع دعوته؛ فالفطرة هي رصيد الدعوة في الواقع الجاهلي، وحينما تَفْسُد، فلن يكون للدعوة أيُّ وجود أو امتدادٍ.

وهذا هو ما قصَده نوح - عليه السلام - عندما دعا بهلاك قومه، لَمَّا رأى وجودَهم في ضلال، وامتدادَهم في فُجر وكفر؛ ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [نوح: 26 - 27].

فقد بلغ الضغطُ الجاهلي بطونَ الأمهات، فأصَبَحت النساء لا تَلِدن إلاَّ: ﴿ فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾، فعند هذا لا يكون ثَمَّةَ أملٌ.

 

وقد جاء طَلَبُ الساحر - في رواية الترمذي - بعبارة: ((انْظُروا لي غلامًا فَهِمًا - أو قال: فَطِنًا - لَقِنًا، فأُعَلِّمه علمي)) وهذا يكشف بُعدًا خطيرًا للخطة الجاهليَّة الرامية إلى إفساد الفطرة، وهي: التركيز على النابهين المتفوِّقين أصحابِ المواهب والقدرات الخاصة؛ لضمان السيطرة الجاهلية على الواقع البشري.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وكان في طريقه إذا سلَك راهبٌ، فقعَد إليه وسَمِع كلامه، فأعْجَبه)).

بقدر الله - سبحانه وتعالى - يلتقي الغلام بالراهب في طريقه إلى الساحر بصورة عجيبة، فقد قعَد إليه وسَمِع كلامه فأعْجَبه، ولكنَّ القعود قبل السماع لَم يُذكر له سببٌ.

 

ولَم يكن هذا سهلاً على نفس الغلام؛ فقد كان يتعلَّم السحر من الساحر والدِّين من الراهب بما بينهما من تناقُض؛ فالدين حقائق واضحة وفِكر منظَّم، والسحر ضلالات غامضة وكَذِب ملفَّق، والدِّين يربي العقول والسحر يَغتالها، والدين يعالج الواقع، والسحر يُضلل عنه، والدين يبني الحياة، والسحر يَهدمها؛ ولهذا كان صعبًا على الغلام أن يستمرَّ في تلقِّيه الدينَ والسحر باطمئنانٍ، ولكنَّه يَجلس إلى الراهب راغبًا، وإلى الساحر كارهًا.

 

وسبحان الله، تدبَّروا - عباد الله - كيف أنَّ الملك وكلَّ من حوله يُجَنِّدون كلَّ طاقاتهم؛ ليصنعوا من هذا الغلام ساحرًا كافرًا، ولكنَّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يصنعَ منه مؤمنًا موحِّدًا، بل وداعية إلى دين الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾ [يوسف: 21]، فيكون ما أراده الله - سبحانه وتعالى.

وهذا درْسٌ كبير لكلِّ مسلم نشأ ولدُه على معصية الله، أقول له: لا تيئَس، بل اجْتَهد أن تُنقذ ولدك من براثن الكفر والمعاصي، وخُذْ بيديه إلى أنوار التوحيد والإيمان، وسَلْ ربَّك - سبحانه وتعالى - أن يربِّي لك أولادك، وأن يَصنعهم على عينه، وأن يَجعلهم بركة على أُمَّة الحبيب محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

فقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((وكان في طريقه إذا سلَك راهبٌ، فقعَد إليه وسَمِع كلامه، فأعْجَبه))، في رواية الترمذي قال: ((وكان الرُّهبان إذ ذاك على دين الحقِّ))، فهذا يدل على أنَّ هذه الحادثة كانت بعد زمن المسيح - عليه السلام - لأن الرهبانيَّة لَم تظهر إلاَّ في أتْباعه - عليه السلام - ولكن يتَّضِح من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ هذا الراهب كان موحِّدًا لله - سبحانه وتعالى - ولَم يكن من أصحاب التثليث.

ومما يدلُّ على أنه كان هناك رهبان يعيشون على التوحيد في هذا الزمان، قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في وصْف حال الناس قبل البعثة: ((وإنَّ الله نظَر إلى أهل الأرض، فمَقَتَهم: عربَهم وعجَمَهم، إلاَّ بقايا من أهل الكتاب))؛ والحديث في صحيح مسلم.

 

فالتوحيد هو رصيد الفطرة؛ قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30].

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو يعلى والطبراني وصحَّحه الألباني: ((كل مولود يولَد على الفطرة؛ حتى يُعرب عنه لسانه، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه)).

فالفطرة هنا هي الإسلام والتوحيد، ولقد فطَر الله - سبحانه وتعالى - الناس جميعًا على تلك الفطرة النقيَّة، وهذا هو الذي جعَل الغلام يُعجَب بكلام الراهب؛ لأنه لا يتكلَّم إلاَّ بالتوحيد، أمَّا الساحر، فهو لا يقول له إلاَّ طلاسمَ سحرية، تأْبَاها النفس المؤمنة، والقلوب التَّقيَّة النقيَّة.

وهذا يؤكِّد ما أُكَرِّره دائمًا - ويُكَرِّره كلُّ الدعاة الصادقين - من أن التغيير لا يكون من قمة الهرم، بل من القاعدة، فهؤلاء الذين يَزعمون أنَّ التغيير لا بدَّ أن يكون من قمة الهرم، لا شكَّ أنهم أخطؤوا كلَّ الخطأ؛ ولذلك كانوا يتعجَّلون النتائج، فأضرُّوا بأنفسهم وبغيرهم.

 

أمَّا أصحاب العقول السليمة، فيعلمون يقينًا أنَّ التغيير لن يكون إلاَّ من قاعدة الهرم؛ وذلك من خلال تربية جيلٍ على طاعة الله - سبحانه وتعالى - وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وبذلك تَنصلح أحوال الأمة جملة واحدة، وبداية الألف ميل خُطوة، والله المستعان.

قال -صلى الله عليه وسلم-: ((فكان إذا أتى الساحر، مرَّ بالراهب وقعَد إليه، فإذا أتى الساحر ضرَبه، فشكا ذلك إلى الراهب)).

وتلمح من هذا النصِّ أنَّ الغلام كان على إصرار في القعود إلى الراهب؛ لأنه كان يقعد إليه كلما أتى الساحر، رغم أنَّ الساحر كان يَضربه كلما تأخَّر عنه، وهذا الضرب يمثِّل - بالنسبة للغلام - بلاءً وامتحانًا إذا راعَيْنا أنه غلامٌ صغير.

 

ولكنَّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يتربَّى هذا الغلام - من البداية - تربية حقيقية كاملة، ويريد أن يكون ارتباطه بالدعوة متَّفقًا مع طبيعتها؛ لأن هذا الغلام سيكون منطلَقًا أساسيًّا لتلك الدعوة، وسيكون دليلَ الناس إليها؛ لذا كان لا بدَّ من أن يكون شخصية متكاملة بمعنى التكامل الشخصي للدعاة، والذي لا يتحقَّق ولا يتم إلاَّ بالاستعداد للبلاء والصبر عليه عندما يقع.

فطبيعة التلقي لهذا الدين هي التي تُحدِّد طبيعة اعتناقه والالتزام به والدعوة إليه، والذين يتلقون هذا الدين على أنه بلاءٌ، هم الذين يبقون إلى النهاية، وأخْذ هذا الدين بقوَّة هو ضمان الاستمرار عليه.

وبذلك أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يتَّفق تكوين هذا الغلام مع طبيعة الدعوة، وألاَّ تَشُذَّ شخصيته عن تكاليفها؛ فابتلاه الله - سبحانه وتعالى - في لحظات التكوين ووقت النموِّ وفترة التربية، فصدَق وصبَر.

ولكنَّ الغلام يشتكي إلى الراهب هذا البلاء شكوى الذي يُعاني من مشكلة تعوق انطلاقه واستمراره، ولَم تكن شكوى الذي يقدِّم المعاذير ليتخلَّى ويتراجع، والحاسة السليمة للدعاة هي التي تَكْشف علَّة أيِّ شكوى.

فلمَّا كان الأمر كذلك، كان لا بدَّ أن يعالج الراهب له مشكلته، وهذا واجب تَفرضه الدعوة على الدعاة؛ ليُمَهِّدوا الطريق أمام مَن يستجيب لهم.

 

ولقد بيَّن الله - سبحانه وتعالى - قيمة هذا التمهيد، حينما أمَر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى فرعون، فعرَض موسى مشاكله على الله - سبحانه وتعالى - فقال - عليه السلام -: ﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ [الشعراء: 14]؛ ولذلك جاء في تفسير الآيات: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ﴾ [الشعراء: 12- 13] قولُ ابن كثير: هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه، و ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴾ [طه: 25 - 37].

 

وكذلك لَمَّا بعَث الله نبيَّنا -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول فيما رواه عنه مسلم: ((إن الله نظَر إلى أهل الأرض، فمَقَتَهم - عربَهم وعجَمَهم - إلاَّ بقايا من أهل الكتاب، وإنَّ الله ابتَعَثني في قريش، قلت: ربِّ، إذًا يَثلَغُوا رأسي ويَذروه خبزًا، قال: قاتل بِمَن أطاعك من عصاك، وابْعَثْ جيشًا نَبعثْ خمسة أمثاله، وأنْفِق فسَنُنفق عليك)).

فواضح من النصِّ كيف عرَض النبي -صلى الله عليه وسلم- مشكلته على ربِّه ومخاوفه من قريش، كما عرَض موسى مخاوفه من آل فرعون، وكيف طمْأَنه الله - سبحانه وتعالى - كما طمْأَن موسى - عليه السلام.

وبضرورة تمهيد طريق الدعوة أمام السالكين له، فإن الراهب يقول للغلام: "إذا خَشِيت الساحر، فقل: حبَسَني أهلي، وإذا خَشِيت أهلك، فقل: حبَسَني الساحر".

 

ومن قول الراهب تتبيَّن لنا نظرته إلى الواقع، فقد كان يعتبره "دار حرب"؛ ولهذا أجاز لغلامه أن يَكذب؛ إذ إن الكذب لا يجوز إلاَّ في ثلاث حالات؛ كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الترمذي وأحمد: ((لا يَحِلُّ الكذب إلاَّ في ثلاث: يُحَدِّث الرجل امرأته ليُرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليُصلح بين الناس)).

والحرب هي الحالة التي كان الراهب يَعتبر نفسه عليها مع المجتمع الذي يعيش فيه.

 

ولتوضيح فكرة جواز الكذب في هذه الحالات الثلاث التي جاءت في الحديث، نجد أنَّ الجواز جاء بتلك الصيغة: "إن الله أجاز"؛ كما في رواية الصحيح؛ ولذلك ذكَر الإمام النووي في شرْح مسلم، باب قصة أصحاب الأخدود، والساحر والراهب والغلام، وقال: هذا الحديث فيه إثبات كرامة الأَوْلياء، وفيه جواز الكذب في الحرب ونحوها، وفي إنقاذ النفس من الهلاك؛ سواء نفسه أو نفس غيره ممن له حُرمة.

وذكَر صاحب "فتح الباري شرح صحيح البخاري": قال ابن المُنَيِّر: معنى الحرب خَدْعة، إنما هي المخادعة لا المواجهة؛ وذلك لخَطر المواجهة وحدوث الظَّفر مع المخادعة بغير خطرٍ.

قال ابن العربي في فتح الباري: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنهي؛ رِفقًا بالمسلمين لحاجاتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، فالجواز هنا ليس أساسه أمْرٌ أو إباحة مُطلقة، ولكنه إباحة مقيَّدة بحالات محدَّدة.

والذي يقوم على توضيح الأمر بعد ذلك، هو الحالة التطبيقية التي وقَعت في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانت في غزوة الأحزاب عن نُعيم بن مسعود الغطفاني - رضي الله عنه - أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إني أسْلَمْتُ، وإن قومي لَم يعلموا بإسلامي، فمُرني بما شئتَ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما أنت فينا رجل واحد، فخذِّل عنَّا إن استطعْتَ؛ فإن الحرب خَدْعة)).

 

فخرَج نُعيم بن مسعود - رضي الله عنه - حتى أتى بني قُريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهليَّة، فقال: يا بني قريظة؛ قد عرَفتم وُدِّي لكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدَقت، لستَ عندنا بمتَّهم، فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم؛ البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تَقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نُهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك، لَحِقوا ببلادهم، وخَلَّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تُقاتلوا مع القوم؛ حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثِقة لكم على أن تُقاتلوا معهم محمدًا حتى تُناجزوه، فقالوا: لقد أشرْتَ بالرأي، ثم خرَج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومَن معه من رجال قريش: قد عرَفتم وُدي لكم وفراقي محمدًا، وبأنه قد بلَغَني أمرٌ قد رأيت عليَّ حقًّا أن أُبلغكموه نُصحًا لكم، فاكْتُموه عني، فقالوا: نفعل، قال: تعلمون أنَّ معشر يهود قد نَدِموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنَّا قد نَدِمنا على ما فعلنا، فهل يُرضيك أن نأخُذَ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم، فنُعطيكهم، فتَضرب أعناقهم، ثم نكون معك على مَن بَقِي منهم؛ حتى تَستأصِلهم؟ فأرْسل إليهم: أن نعم، فإن بعَث اليهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحدًا، ثم خرَج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أهلي وعشيرتي، وأحب الناس إليَّ، ولا أراكم تتَّهموني، قالوا: صدَقت؛ ما أنت عندنا بمتَّهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فما أمرُك؟ ثم قال لهم ما قال لقريش، وحَذَّرهم ما حذَّرهم، وبذلك أوْقَع بينهم، وانتصَر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك عليهم.

وأما قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الحرب خَدْعة))، فقد ورَد في البخاري كتاب الجهاد 157، المناقب 25، الاستتابة 6، ومسلم في الزكاة 153، جهاد 19، 18، وأبي داود في الجهاد 92، وفي السُّنة 38، والترمذي في الجهاد 5، وابن ماجه في الجهاد 28، والدارمي في السير 13، وأحمد ج 1، 2، 3، 6.

 

قال الإمام النووي - رحمه الله -: "اعْلَم أنَّ الكذب وإن كان أصلُه محرَّمًا، فيجوز في بعض الأحوال بشروط قد أوْضَحتُها في كتاب الأذكار، ومختصر ذلك أنَّ الكلام وسيلة إلى المقاصد؛ فكلُّ مقصود محمود يُمكن تحصيله بغير الكذب، يَحرُم الكذب فيه، وإن لَم يُمكن تحصيله إلاَّ بالكذب، جاز الكذب.

ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا، كان الكذب واجبًا، فإذا اختَفى مسلم من ظالِم يريد قَتْله، أو أخذ ماله، وأخفى ماله، وسُئِل إنسان عنه، وجَب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالِم أخْذَها، وجَب الكذب بإخفائها، والأحوط في هذا كله أن يُوَرِّي، ومعنى التورية: أن يَقْصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يَفهمه المخاطب، ولو ترَك التورية، وأَطْلَق عبارة الكذب، فليس بحرام في هذه الحال.

 

واستدلَّ العلماء بجواز الكذب في هذه الحال بحديث أُمِّ كلثوم أنها سَمِعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ليس الكذَّاب الذي يُصلح بين الناس، فيَنْمي خيرًا، أو يقول خيرًا))؛ والحديث مُتَّفق عليه، وزاد مسلم في رواية: قالت أُمُّ كلثوم: "ولَم أسْمعه يرخِّص في شىء مما يقول الناس إلاَّ في ثلاث؛ تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه، وحديث المرأة زوجَها".

 

ولكن ينبغي أن يَحذر كلُّ مَن يُمارس الدعوة من الخروج عن حدود النصوص التي حدَّدها النبي -صلى الله عليه وسلم- في جواز الكذب؛ حتى لا تتسرَّب تلك الصفة إلى طبيعته، فيُكتب عند الله كذَّابًا، ويَفقد أقوى إمكانيَّات التأثير على الناس؛ إذ إن الثقة في الداعية هي باب الإيمان بالدعوة، وأساس التحرُّك فيها.

ولهذا؛ فإن أوَّل كلمة قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته، كانت لتأكيد أساس الثقة فيه، فقال فيما رواه عنه البخاري ومسلم: ((أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقيَّ؟))، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: ((إني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد)).

 

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فكان إذا أتى الساحر، مرَّ بالراهب وقعَد إليه، فإذا أتى الساحر ضرَبه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا خَشِيت الساحر، فقل: حبَسني أهلي، وإذا خَشِيت أهلك، فقل: حبَسَني الساحر))، هذا القول يترتَّب عليه مسألتان في غاية الأهمية:

الأولى: الحرص على طلب العلم، وهذا واضح جدًّا من حِرص الغلام على الذهاب إلى الراهب، على الرغم من تعرُّضه للأذى الشديد من أهله ومن الساحر، فأين طلاب العلم ليتعلَّموا هذا الدرس الغالي من هذا الصبي الصغير الذي لا يَفْتُر عن طلب العلم رغم هذا الإيذاء؟!

والثانية: هل يُطيع المسلم وَالِدَيه في تَرْك طلب العلم؟!

والجواب: إذا كان هذا العلم فَرْضَ عينٍ على المسلم، كتعلُّم التوحيد وفقه العبادات الواجبة عليه، كالطهارة والصلاة، والصيام والزكاة - لِمَن يَملِك مالاً يُخرج منه الزكاة - وعِلم الحلال والحرام، فلا يجوز له أن يُطيع والديه في تَرْك هذا العلم.

أمَّا إن كان العلم فَرْضَ كفاية، فلا يجوز له أن يَعصي وَالِدَيه، بل عليه أن يُطيع أمرهما، وبالجملة، فعليه أن يَسعى إلى برِّهما في كلِّ الأحوال.

 

ونعود إلى الغلام في مرحلة البلاء، ودائمًا مع شِدَّة البلاء والأذى تظهر الآيات التي تُعين على الصبر، وتُطَمْئِن النفوس: "فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابَّة عظيمة قد حبَسَت الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخَذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر، فاقْتُل هذه الدابَّة؛ حتى يَمضي الناس، فقَتَلها، ومضى الناس".

وهنا نَكتشف أنَّ الغلام كان قلقًا لتَلَقِّيه من الراهب والساحر في وقتٍ واحد، ولقد كان من الممكن أن يستمرَّ الغلام في تلقِّيه للدِّين والسِّحر دون قلقٍ، إذا كان يسمع للراهب والساحر دون شعور أو تفكيرٍ؛ لأن السماع حينئذٍ سيكون مجرَّدًا من التأثُّر، وسيُصبح الدين والسحر عند الغلام مجرَّدَ فكرٍ وكلام، ولكنَّ القلق الذي نشأ في نفس الغلام، كان بسبب تأثُّره العميق بكلام الراهب وإدراكه السليم لمعنى الدين.

ومن هنا نُدرك الصعوبة الكبيرة التي يُعانيها المسلم الأصيل في مواجهة الواقع الفاسد، ونُدرك أنَّ الأصالة الإسلامية لا بدَّ أن تُحرِّك المسلم لتحديد موقفه؛ كما فعَل الغلام.

وليس سبب القلق أنَّ الراهب والساحر كانا في نظر الغلام سواء، ويريد أن يَطْمَئِنَّ إلى أحدهما، ولكنَّه كان يطلب اليقين من الواقع بعد اليقين بالفطرة في صِدق ما عليه الراهب؛ لأنه كان يَطْمَئِنُّ إليه؛ بدليل أنَّ الغلام لَمَّا أراد الدعاء الذي سيتَحقَّق به الاطمئنان فعلاً، قال: "اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر"؛ لنَفهم أنَّ البَدء بذِكر أمر الراهب قبل الساحر يعني أنه يريد أن يرتبطَ إيمانه بالراهب، وكذلك نجد أنَّ الغلام قال: "اللهمَّ"، وهذا بلا شكٍّ مما تَعلَّمه من الراهب، ويكون هذا معناه أنَّ المقياس الذي أراد الغلام أن يُفاضِل به بين الراهب والساحر، هو من عند الراهب وبتعاليمه؛ مما يدلُّ على أن حقيقة الدين استقرَّت في ضمير الغلام، ومَلأتْ عقله وكِيانه.

 

ويدلُّ طلب الغلام لليقين - من خلال الواقع - بفَضْل الراهب على الاتجاه الذي يريد الغلام أن يأخُذَه بدينه؛ لأنه كان يريد أن يتحرَّك به في حياة الناس، وسيُواجههم بما يؤمن به مواجهة واقعيَّة عمليَّة، فلا بدَّ أن تبدأَ هذه المواجهة بيقينٍ من خلال هذا الواقع؛ فليست الدعوة في نظر الغلام مجرَّد فكرة واقتناع شخصي بها، ولكنها فوق ذلك واقعٌ يتحقَّق بالقَدَر الذي يَسير به الوجود.

ولقد أحسَن الغلام في طلبه لليقين لَمَّا اختار حادِثَ الدابَّة التي تسدُّ على الناس الطريق؛ إذ إن هذا الحادث وما تَمَّ فيه يعتبر بحقٍّ تجربةً كاملة للدعوة بجوهرها وأبعادها، كما تتضمَّنه التجربة من خلال القصة كلها.

 

فهناك دابَّة تسدُّ على الناس طريق سَيْرهم، تُمَثِّلُ في إحساس الغلام أيَّ طاغوت يسدُّ على الناس طريق هدايتهم، فيأخُذ حجرًا؛ ليكون سببًا للقدر الإلهي في قَتْل هذه الدابة، ويدعو الله - مع أخْذه بالسبب - بأن يَقتل الدابَّة إذا كان أمر الراهب أحبَّ إليه من أمر الساحر، فيَقتلها، ويمضي الناس، فيعلم الغلام أنَّ الحق الذي أكَّده قدر الله - سبحانه وتعالى - بقَتْل هذه الدابة هو الحقُّ الذي عليه الراهب.

 

ومعنى استغلال الغلام لموقف الدابة التي تسدُّ على الناس الطريق، هو حياة الدعوة في كِيان الغلام، فهذه الحياة هي التي جعَلته يلتقط الموقف بمعناه الكامل وأبعاده النهائيَّة.

وهذا شأن الدعوة حينما تكون حياة الداعية، فيَنظر إلى كلِّ شيء من خلالها، ويُفسِّر بها أيَّ معنى أو حدَثٍ؛ لأنها عقيدتُه وتصوُّره وواقعه، وليست رغبة شخصيَّة قد تتغيَّر، أو مَيْلاً بالفكر قد يُنسى.

إذًا عندما يختلط الحقُّ بالباطل، فإن الله - سبحانه وتعالى - يُسبِّبُ الأسباب التي تجعل الحقَّ واضحًا جليًّا كوضوح الشمس في وسط النهار، فعندنا الغلام الآن كان يتعلَّم التوحيد في نفس الوقت الذي كان يتعلَّم فيه السحر، فامْتَلأ قلبه وعقله بالحقِّ والباطل في آن واحدٍ، وكان لا بد من التنقية والتصفية.

 

وهنا تتدخَّل العناية الإلهيَّة، فيبعث الله - سبحانه وتعالى - تلك الدابة؛ لتسدَّ الطريق أمام الناس، في نفس الوقت الذي يمرُّ فيه الغلام في هذا المكان؛ ليرى المشهد أمام عينه، فوجَدها فرصة ليَعلم أيُّ الأمرين أفضل: أمر الراهب أو أمر الساحر؟ فأخَذ الغلام حجرًا صغيرًا - لأنَّ يده لا تستطيع حَمْل الحجر الكبير - وقال: "اللهمَّ إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر، فاقْتُل هذه الدابة؛ حتى يمضي الناس، فقَتَلها ومضى الناس".

 

وفي هذا المشهد نرى فوائد كثيرة، أذكر بعضها باختصار:

الفائدة الأولى: أنَّ الغلام تضرَّع إلى الله - سبحانه وتعالى - أن يوضِّح له أيهما أفضل: أمر الراهب أو أمر الساحر؛ وذلك لأن الغلام كان على يقينٍ من أنه لا يعلم ما في القلوب إلاَّ الله - سبحانه وتعالى - وهو - سبحانه وتعالى - الذي يعلم الخير من الشر؛ ولذلك فالمؤمن يقول في دعاء الاستخارة: "فإنك تَقْدِر ولا أقْدِر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب".

والمؤمن يعلم أنه لا يقدر على إجابة الدعاء إلاَّ الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].

 

الفائدة الثانية: أنه قدَّم أمر الراهب على الساحر، وهذا دليل على أنَّ فطرة الإنسان تميل دائمًا إلى حبِّ التوحيد، وتَنْفِر من الشِّرْك.

 

الفائدة الثالثة: أنه قال: "اللهمَّ إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك"، ولَم يقل: أنفع لي، فهو لا يبحث عن الشيء الذي يَنفعه هو، بل يبحث عن الشيء الذي يحبُّه الله - عز وجل - ولذلك يجب على كلِّ مؤمن أن يفعلَ كلَّ ما يحبُّه الله، ويَبتعد عن كلِّ ما يُغضبه؛ سواء كان ذلك موافقًا لأهوائه ورغباته، أم لا.

 

الفائدة الرابعة: حِرصه الشديد على إنقاذ الناس من هذه الدابَّة، وهذا هو الواجب على المؤمن؛ أن يسعى دائمًا لجَلْب الخير لكلِّ مَن حوله، وإنقاذهم من الشرور والمهالك؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77]، وفي الصحيحين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((المسلم أخو المسلم؛ لا يَظلمه ولا يُسلِمه، مَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرَّج الله عنه بها كُربة من كُرَب يوم القيامة، ومَن ستَر مسلمًا، ستَرَه الله يوم القيامة)).

 

الفائدة الخامسة: أنه كان على يقين وثقة في قدرة الله الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو يعلم أنه لا يستطيع أحدٌ أن يَقتل تلك الدابة إلاَّ بتقدير الله - سبحانه وتعالى.

وقد روى الطبراني أن تلك الدابَّة كانت أسدًا.

لذلك علينا أن نتخيَّل هذا المشهد: غلام صغير لا يستطيع أن يحمل إلا حجرًا صغيرًا، فكيف يضرب الأسد بذلك الحجر الصغير فيموت؟!

إن هذا الحجر الصغير الذي أمسَك به الغلام، لا يَقتل فأرًا صغيرًا، فضلاً عن أن يقتل أسدًا كبيرًا، لكنَّها كرامة من الله - سبحانه وتعالى - أكرَم بها هذا الغلام؛ لأنه لجأ إلى الله - سبحانه وتعالى - وتوكَّل عليه، وفي نفس الوقت أرادَ الله - سبحانه وتعالى - أن يُعَرِّفه طريق الخير من طريق الشر؛ ليكون على يقينٍ من أنه على الحقِّ، فيَبذل من أجْله كلَّ ما يَملِك، حتى نفسه التي بين جَنْبَيه.

 

الفائدة السادسة: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فرماها فقَتَلها، ومضى الناس))، هذا دليل على وقوع كرامات الله لأوليائه المؤمنين، وهذا كثير جدًّا في كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكُتب التاريخ والسِّيَر.

فها هي مريم - عليها السلام - يُكرمها الله - سبحانه وتعالى - بهذه الكرامة: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37].

وها هو جُريج العابد يُنطق الله له الصبيَّ الصغير؛ ليُثبت براءَته.

وها هم أصحاب الكهف الذين لَبِثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا بلا طعام ولا شراب.

وها هو حنظلة - رضي الله عنه - تُغَسِّله ملائكة الرحمن - جلَّ جلاله.

وها هو جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - يطير بجناحَيْه في الجنة مع الملائكة؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه الترمذي والحاكم وصحَّحه الألباني: ((رأيتُ جعفر بن أبي طالب مَلَكًا يَطير في الجنة مع الملائكة بجَناحَيْن)).

وها هو بلال - رضي الله عنه - يسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- صوت نَعْليه في الجنة.

وها هو سعد بن معاذ - رضي الله عنه - يهتزُّ عرشُ الرحمن لِمَوته، ويُشيِّعه سبعون ألف ملك.

ولو استطردتُ في ذكر الأمثلة، لرأيتَ العجب العُجاب؛ قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: "ومن أصول أهل السُّنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، والمأثور عن سالف الأُمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأُمَّة من الصحابة والتابعين، وسائر فِرَق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة".

 

وقال الشيخ محمد خليل هرَّاس: "وقد تواتَرَت نصوص الكتاب والسُّنة، ودَلَّت الوقائع قديمًا وحديثًا على وقوع كرامات الله لأوليائه المُتبعين لهَدْي أنبيائهم، والكرامة أمرٌ خارق للعادة، يُجريه الله على يد وَلِي من أوليائه؛ معونةً له على أمر ديني أو دنيوى، ويُفَرِّق بينها وبين المعجزة: بأن المعجزة تكون مقرونة بدعوى الرسالة بخلاف الكرامة".

 

ويتضمَّن وقوع هذه الكرامات حِكمًا ومصالحَ كثيرة، من أهمها ما يلي:

أولاً: أنها كالمعجزة تدلُّ أعظم دَلالة على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته، وأنه فعَّال لِمَا يريد، وأنَّ له فوق هذه السُّنن والأسباب المعتادة سننًا أخرى لا يقع عليها عِلْم البشر، ولا تُدركها أعمالهم، فمن ذلك قصة أصحاب الكهف، والنوم الذي أوقَعه الله بهم تلك المدة الطويلة، مع حِفظه - سبحانه وتعالى - لأبدانهم من التحلُّل والفناء، ومنها ما أكرَم الله به مريم بنت عمران من إيصال الرزق إليها وهي في المحراب؛ حتى عَجِبَ من ذلك زكريا - عليه السلام - وسألها: أنَّى لك هذا؟! وكذلك حَمْلها بعيسى بلا أبٍ وولادتها إيَّاه، وكلامه في المهد، وغير ذلك.

 

ثانيًا: أنَّ وقوع كرامات الأولياء هو في الحقيقة معجزة للأنبياء؛ لأن تلك الكرامات لَم تحصل لهم إلاَّ ببركة متابعتهم لأنبيائهم، وسَيْرهم على هَدْيهم.

 

ثالثًا: أنَّ كرامات الأولياء هي البشرى التي عجَّلها الله لهم في الدنيا؛ فإن المراد بالبشرى كلُّ أمرٍ يدلُّ على ولايتهم وحُسن عاقبتهم، ومن جملة ذلك الكرامات.

هذا ولَم تَزَل الكرامات موجودة، لَم تَنقطع في هذه الأُمَّة إلى يوم القيامة، والمشاهدة أكبر دليل.

وأنْكَرت الفلاسفة كرامات الأولياء، كما أنكروا معجزات الأنبياء، وأنكَرت الكرامات أيضًا المعتزلة وبعض الأشاعرة؛ بدعوى الْتِبَاسها بالمعجزة، وهى دعوى باطلة؛ لأن الكرامة - كما سبق أن ذكَرتُ - لا تَقترن بدعوى الرسالة.

لكن يجب التنبُّه إلى أنَّ ما يقوم به الدجاجلة والمشعوذون من أصحاب الطُّرق المُبتدعة، الذين يُسمون أنفسهم بالمتصوِّفة من أعمال ومخاريق شيطانيَّة، كدخول النار، وضَرْب أنفسهم بالسلاح، والإمساك بالثعابين، والإخبار بالغيب، إلى غير ذلك - ليس من الكرامات في شيء؛ فإن الكرامة إنما تكون لأولياء الله بحقٍّ، وهؤلاء أولياء الشيطان.

 

"ورجَع الغلام إلى الراهب، فأخبَرَه"، وهذا هو التصرُّف التلقائي عندما يواجه الداعية موقفًا خطيرًا أو حدثًا هائلاً، فيذهب متلهِّفًا إلى مَن تلقَّى منه منهج الدعوة؛ ليسمع منه تفسير هذا الموقف بتصوُّر الدعوة: "فقال له: أي بُني، أنت اليوم أفضل مني".

 

ولَم يكن الموقف الذي وقَفه الراهب موقفًا عاديًّا عندما قال للغلام ذلك، ولكنَّه موقف فاصل في حياة كلِّ داعية، فقد تُخفي الدعوةُ في الإنسان الذي يُمارسها حبًّا خفيًّا للتميُّز، باعتبار أنَّ هذه الممارسة صورة من صُوَر تميُّزه على الناس، ولكن هذه العورة النفسيَّة القبيحة تَنكشف حتمًا إذا واجَه الإنسان موقفًا يَشعر فيه أنَّ هناك مَن هو أفضل منه في فَهم الدعوة، وأقْدَر على تحقيق مصلحتها، ولكنَّ الراهب لَم يكن من هذا النوع، بل كان تقيًّا نقيًّا؛ "فقال له: أي بني، أنت اليوم أفضل مني"، كلمات كلها إخلاص وتجرُّد، فهذا الراهب المعلِّم كان أصيلاً؛ إذ أخبَر الغلام أنه قد أصبَح أفضلَ منه بلا حرَجٍ، ومن أين سيأتيه الحرَج وقد خلَصَت نفسه لله - سبحانه وتعالى؟! فهو لَم يكن يُعلِّم ليُقال عنه: عالِم، ولَم يكن يدعو ليكون على رأس أتْباع؛ ولهذا يَفتح الطريقَ لِمَن يظنُّ أنه يَملِك خدمة الدعوة أكثر منه، فيجعل من نفسه نقطةً على محيط دائرة النمو العقَدي والحركي للغلام، فيقول له: "أنت اليوم أفضل مني"، وإذا تذكَّرنا أن الغلام كان صغيرًا سنًّا، وأنه ما الْتَقَى بالراهب إلاَّ منذ وقت قريبٍ، فإننا نُدرك مدى الفَهم الصحيح عند الراهب للدعوة، فالدعوة ليستْ بالعمر الذي يَعيشه الإنسان، ولكن بالإيمان والكفاءة والأثر.

وبذلك يُمَثِّل الراهب في واقع الدعوة ضرورة القيادة الزاهدة، ويُمَثِّل الغلام ضرورة الاستجابة الفطريَّة.

فالقائد كان راهبًا لا يريد حظًّا من الدنيا، والمستجيب كان غلامًا حديثَ عهدٍ بالدنيا، فالقيادة الزاهدة والاستجابة الفطرية هي الارتباط الصحيح الذي يُبارك الله - سبحانه وتعالى - فيه؛ ليكون بداية البناء وأساسه، وهي المقياس الذي يُقبل به أيُّ ارتباط أو يُرفض منذ البداية؛ حتى يتمَّ البناء، وبعد أن رأينا التجرُّد في قول الراهب، نرى الوجدانية؛ إذ إن الراهب أخبَر غلامه بأنه أفضل منه بنفس راضية مُطْمَئنة، وبقوله: "أي بُني".

وإذا تذكَّرنا أنَّ العلاقة بين الراهب والغلام علاقة إنسانيَّة ناشئة في مجال الدعوة، ونجدها قائمة بهذه الوجدانيَّة، نعلم أنه مَهْمَا كانت العلاقة الإنسانيَّة في العمل الحركي حاسمة وساخنة، فلا بدَّ ألاَّ تَنقصها الوجدانيَّة.

 

والدرس المستفاد من هذه الجملة دَرْسٌ عظيم في التواضع؛ لأن الراهب أفضل من الغلام - بلا شك - فهو الذي علَّمه التوحيد ولقَّنه العلم، وعلى الرغم من ذلك يقول له: أنت اليوم أفضل منى! قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 215]، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54].

 

وعن عِيَاض بن حِمَار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ الله أوحى إليّ أن تواضَعوا؛ حتى لا يَفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد))، والحديث رواه مسلم.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما نَقَصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا، وما تواضَع أحد لله إلاَّ رفَعَه الله))، والحديث رواه مسلم.

وعن أنس - رضي الله عنه - أنه مرَّ على صِبيان، فسلَّم عليهم، وقال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَفعله"، والحديث رواه البخاري ومسلم.

وعنه - رضي الله عنه - قال: "إن كانت الأَمَة من إماء أهل المدينة لَتأخذ بيد النبي -صلى الله عليه وسلم- فتَنطلق به حيث شاءَت"، والحديث رواه البخاري.

 

وعن الأسود بن يزيد قال: سُئِلت عائشة - رضي الله عنها -: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصنع في بيته؟ قالت: "كان يكون في مِهْنة أهله - يعني في خدمة أهله - فإذا حضَرَت الصلاة خرَج إلى الصلاة"، والحديث رواه البخاري.

وعن أبي رفاعة تميمٍ بن أُسَيْد - رضي الله عنه - قال: "انتَهَيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يَخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟ فأقبَل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وترَك خُطبته حتى انتهى إليّ، فأُتِي بكُرسي، فقعَد عليه، وجعَل يُعَلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خُطبته، فأتَمَّ آخِرَها"، والحديث رواه مسلم.

وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أكَل طعامًا لَعِق أصابعه الثلاث، قال: وقال: ((إذا سقَطَت لُقمة أحدكم، فليُمط عنها الأذى وليَأكُلها، ولا يَدَعها للشيطان))، وأمَر أن تُسْلَت القصعة، قال: ((فإنكم لا تَدرون في أيِّ طعامكم البركة))، والحديث أخرَجه مسلم.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما بعَث الله نبيًّا إلاَّ رعى الغنم))، قال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة))، والحديث رواه البخاري.

وعنه - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لو دُعيت إلى كُراع أو ذراع، لأَجْبت، ولو أُهدِي إليّ ذراعٌ أو كُراع، لقَبِلت))، والحديث رواه البخاري.

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كانت ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العَضباء لا تُسْبَق، أو لا تكاد تُسْبَق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسَبَقها، فشقَّ ذلك على المسلمين حتى عرَفه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((حَقٌّ على الله ألاَّ يرتفع شيء من الدنيا إلاَّ وضَعه))، والحديث رواه البخاري.

ومن الدروس المستفادة من هذه الجملة أيضًا، استحباب تشجيع طالب العلم النجيب؛ ليكون ذلك دافعًا له على التفوق والاستمرار على طريق الخير والهدى، ولكن في هذه المسألة لا بدَّ من مُراعاة أمر آخر في غاية الأهميَّة؛ وأعني بذلك الأمر: التربية الحركيَّة الصحيحة.

 

فبعد أن رأينا التجرُّد والوجدانيَّة، نرى التربية الحركية الصحيحة؛ إذ إنَّ الراهب لَمَّا ذكَر للغلام مِيزته، أتْبعها بالمسؤوليَّة التي تقع عليه باعتبار تلك المِيزة، وهذا في الواقع حماية للإنسان من الغرور؛ لأنَّ الإحساس بالمِيزات دون الإحساس بتكاليفها، يجعل الإنسان يعيش في شعور دائم بمِيزاته، فيَنحرف به ذلك الشعور إلى الغرور؛ ولهذا لَمَّا قال الراهب للغلام: "إنَّك اليوم أفضل مني"، قال له: "وإنَّك ستُبْتَلَى".

وهذا دليلٌ على أنَّ كلَّ مَن سلَك طريق الهدى والإيمان والدعوة إلى الرحيم الرحمن، فإنه سيُعاني من البلاء والعداء من أصحاب النفوذ والسلطان؛ ولذلك قال الرحيم الرحمن - سبحانه وتعالى -: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 4].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن يُرِد الله به خيرًا، يُصِب منه))، والحديث رواه البخاري.

ولذلك لَزِمنا جميعًا العلمُ بأنَّ طريق الجنة هو الصبر، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه البخاري ومسلم: ((حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات)).

والمكاره لا بدَّ لها من الصبر، ولكن كيف يَصِل العبد إلى درجة الصبر مع ما نعلم جميعًا من شدَّة البلاء الذي يَصُبُّه أعداءُ الدعوة على أهلها؟

أقول: هناك أمور تُعين على الصبر، وثَمَّة أيضًا وسائل بعينها اتَّخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزَرْع الصبر في قلوب الصحابة - رضي الله عنهم - وقد آتَت أُكلها بفَضْل الله - سبحانه وتعالى - وقد تناوَلت هذه القضيَّة بالتفصيل في كتابي: "صفحات من حياة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم" عند الكلام عن الدعوة الجهريَّة، فلا داعى لإعادته هنا، بل ارْجِع إليه، يَنفعْك الله به - إن شاء.

 

لكنَّ الخلاصة أنَّ البلاء سُنة لا تتبدَّل ولا تتغيَّر؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157].

 

وليَكُن عزاؤك في كلِّ هذا أنَّ سيِّد الأوَّلين والآخرين -صلى الله عليه وسلم- أُوذي في الله إيذاءً شديدًا في الطائف وفي مكة، فتلك سُنة الله - سبحانه وتعالى - في خَلْقه؛ أنَّ الإنسان كلما ازداد إيمانًا، اشتدَّ عليه البلاء والإيذاء؛ ولذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه: ((أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حَسب دينه؛ فإن كان في دينه صُلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة، ابْتُلي على قدر دينه، فما يَبرح البلاء بالعبد؛ حتى يتركَه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة))، والحديث في صحيح الجامع.

فما علينا إلاَّ أن نتسلَّى بأخبار الأنبياء والصالحين الذين صبَروا على البلاء صبرًا عظيمًا، وما علينا إلاَّ أن نتلَّمس حُسْن الجزاء المترتب على الصبر على البلاء، وذلك في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157]، وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الترمذي وابن ماجه: ((إنَّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رَضِي فله الرِّضا، ومَن سَخِط فله السَّخَط))، والحديث في صحيح الجامع.

فتَشعر أنَّك بهذا الابتلاء أصبَحت حبيبًا للرحمن، وتعلم أنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد أراد بك كلَّ الخير بهذا الابتلاء، وتوقِن أنه - سبحانه وتعالى - قد أجزَل لك العطاء في قوله: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157].

 

وأمَّا قول الراهب للغلام: "فإنِ ابْتُلِيت، فلا تدلَّ عليّ"، ففيه دليل على أنه يَحرُم على المسلم أن يقذِفَ بنفسه في البلاء، ويُعرِّض نفسه للفتنة في دينه؛ ففي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا تَتمنَّوا لقاء العدوِّ، وإذا لَقِيتموهم فاصبروا)).

ولذلك يَنبغي على المسلم أن يأخذ بالأسباب؛ من أجْل أن يحافظَ على نفسه وعلى دينه ودعوته، فها هو النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسِرُّ بدعوته ثلاث سنوات؛ خوفًا من بَطْش قريش بأصحابه - رضي الله عنهم - حتى لا يَفتنوهم في دينهم، وعندما هاجَر، هاجر سرًّا؛ أخْذًا بالأسباب، ولا يقولَنَّ إنسان: كيف هاجَر سرًّا وقد هاجَر عمر - رضي الله عنه - جهرًا أمام المشركين؟! فإن عمر قد أخَذ بالعزيمة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخَذ بالرُّخصة؛ رَحْمة بأُمَّته من بعده؛ لأنَّ فِعْل النبي -صلى الله عليه وسلم- تشريع للأمة، وأمَّا فِعْل عمر - رضي الله عنه - فليس تشريعًا للأُمَّة.

إذًا فقول الراهب: "فلا تدلَّ عليَّ"، هذه هي فكرة السريَّة في منهج الحركة، التي يعطي بها الدعاة لأنفسهم فرصةً لتجميع الطاقات وحَشْد الإمكانيات.

والسريَّة من الناحيَّة العملية ضرورة تُنشئها ظروف الدعوة، وتتحدَّد ضرورتها بمنهجيَّة الفكر وواقعيَّة الأسلوب الشجاع، أمَّا من الناحية التاريخية، فقد كانت السرية مرحلة أساسية في تاريخ الدعوة منذ بدايتها، فهذا نوح - عليه السلام - أوَّل رسول لأهل الأرض، يقول: ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾ [نوح: 8 - 9].

 

بَيْدَ أني سأذكر مثالاً تفصيليًّا بدعوة موسى - عليه السلام - حيث نشَأت ضرورة السرية فيها منذ اللحظة التي وُلِد فيها، فإننا نعلم أنَّ فرعون كان يُذبِّح أبناء بني إسرائيل، وأنَّ موسى وُلِد في تلك الظروف، فكان لا بدَّ من حمايته كابنٍ من أبناء بني إسرائيل الذين يُذبحون، فدبَّر الله - سبحانه وتعالى - حماية موسى، والتي بدأَت بوحي الله - سبحانه وتعالى - إلى أُمِّه: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7].

والتقييم الحركي لهذه العملية يُبرز الدقة المتناهية التي تمَّت بها، فقد أمَر الله - سبحانه وتعالى - أمَّ موسى أن تُرضعه؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - بعد ذلك حرَّم عليه المراضع كلَّها؛ حتى تكون رِضاعة أُمِّه سببًا في شِبَعه وقتَ تحريم المراضع عليه.

 

كما أنَّ الله - سبحانه وتعالى - جعل اليمَّ يُشارك في تنفيذ هذه العملية؛ حتى تنقطعَ كلُّ الخيوطِ التي قد يَتوصَّل بها آلُ فرعون إلى معرفة المكان الذي جاء منه موسى ومعرفة حقيقته، فكان أمر الله - سبحانه وتعالى - إلى اليمِّ: ﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ﴾ [طه: 39].

وفي الوقت الذي يَلتقط فيه آلُ فرعون موسى من اليمِّ، يلقي الله - سبحانه وتعالى - عليه محبَّة منه: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 39].

ثم كانت المتابعة سرًّا لموقف موسى بواسطة أُخته: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 11]، وتكلَّمت مع آل فرعون دون أن تُخبرهم طبعًا أنها أُخته: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ [القصص: 12]، ودون أن تُخبرهم أنَّ البيت المقصود هو بيته.

 

ويعود موسى - عليه السلام - إلى أُمِّه بالأمان والحماية، بعد عمليَّة دقيقة قوية، ثَبتَت دِقَّتها، وتأكَّدت قوَّتها، من خلال قول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ [طه: 39]، فقَد بلَغ الأمر أن يُسلَّم موسى - عليه السلام - إلى آل فرعون؛ ليتحقَّق له النجاة منهم، وقد كان هذا تأكيدًا لقيمة السريَّة في حماية موسى بواقعه الفردي.

أما قيمة السريَّة في حماية واقع الدعوة، فتَكشفه لنا آيات القرآن، ونَكتشف بتلك الآيات وجود تنظيم سري دقيق في دعوة موسى - عليه السلام - ووجود الدَّلائل المادية عليه، وكان الدليل هو إيمان رجل من آل فرعون: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ [غافر: 28].

وقد كان الرجل من آل فرعون، واستطاع أن يكتمَ إيمانه؛ مما يدلُّ على أصالة هذا الإنسان، وقوَّة هذا التنظيم.

 

ويَزداد قُرب الآيات القرآنية من واقع فرعون؛ لتَكشف لنا إيمان زوجة فرعون نفسه: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11]، وذلك دون أن يدري فرعون، رغم ما في العلاقة الزوجية من خطورة على الأسرار؛ إذ إنها علاقة إفضاء بالمشاعر والأفكار.

ولنا أن نؤكِّد دِقَّة وقوَّة هذا التنظيم الذي كان في عهد موسى - عليه السلام - من خلال امتداده سرًّا إلى آل فرعون وامرأة فرعون، ومن خلال التوقيت الذي كشَف فيه الرجل المؤمن عن إيمانه؛ إذ إنه كان الوقت الذي تقرَّر فيه قَتْلُ موسى - عليه السلام.

ونعود إلى القصة لنجدَ الغلام قد بدأ دوره، "وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ويُداوي الناس من سائر الأدواء"، والأكمه: هو الذي خُلِق أعمى، والبَرَص: مرض لا شفاءَ له حتى يومنا هذا.

فانْطَلَق الغلام بدعوته، سائرًا بالمعروف بين الناس، مؤلِّفًا قلوبهم بالمنافع والخير، مؤكِّدًا إنسانيَّة الدُّعاة وحبَّهم للبشر، ويكون عمله هذا تحقيقًا لقدر الله في حياة هؤلاء الناس؛ ليؤمنوا بعد ذلك - من خلال شفائهم ومداواتهم من سائر الأدواء - بعد أن يحبَّ الناس القدرَ الذي يتحقَّق فيهم باعتباره مداواةً وشفاءً، ويَصير حبُّ القدر حبًّا لله - وهو محقِّق هذا القدر - وحبًّا للغلام - وهو سببُ هذا القدر - وحبًّا للدعوة، وهي حِكمة هذا القدر، وقد كان هذا شأن جميع الأنبياء ومعجزاتهم، وأوضح مثال على هذا عيسى - عليه السلام - الذي كانت معجزته كما قال: ﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 49].

وصالِح - عليه السلام - الذي كانت معجزته الناقة التي تَشرب ماءَ القوم يومًا وتُعطيهم لبنًا، وتترك لهم الماء يومًا؛ ﴿ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الشعراء: 155].

غير أنه في معجزة موسى - عليه السلام - تأكَّدت بوضوح الأبعاد الكاملة للمعجزة، وهي إثبات النبوَّة، والقيمة الحركيَّة، والنفع الإنساني، فهي التي تأكَّدت بها نبوَّته: ﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ [الشعراء: 30 - 33].

وهي أيضًا التي نجا بها موسى - عليه السلام - ومَن معه من فرعون؛ ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ [الشعراء: 63].

وهي أيضًا التي ضَرَب بها الحجر؛ ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ [البقرة: 60].

 

فالمعجزة - وهي القدر الإلهي الذي يتحقَّق على أيدي الأنبياء ووسيلة إقناع الناس - لَم تَكُن خارقة كونيَّة فحسب، ولكنها كانت أيضًا مَنفعة ماديَّة؛ لكي يعلم - مَن يُمارس الدعوة بعد الأنبياء - أنَّ الإقناع مَهْما بلَغَت إمكانيَّاته، لا يكفي دون تقديم الخير للناس؛ ليكون الإقناع بالعقل في الدعوة مع تأليف القلوب بالحبِّ لها، وأنَّ نِطاق الدعوة لن يتعدَّى نطاق المنافع التي يؤلِّف بها هؤلاء الدُّعاة قلوبَ الناس.

 

وتتحدَّد العلاقة بين المعجزة والكرامة على أساس أنَّ الكرامة تابعة للمعجزة؛ لتبعيَّة الأولياء للأنبياء؛ ولذلك يقول ابن تيميَّة في أنواع الكرامة: "ومنها ما يتحدَّى بها صاحبها أنَّ دين الإسلام حقٌّ، كالغلام الذي أتى الراهب وتَرَك الساحر، وأمَر بقَتْل نفسه بسَهْمه باسم ربِّه، وكان قد خُرِقت له العادة، فلم يتمكَّنوا من قَتْله، أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء، فهؤلاء إذا قُدِّر أنه جرى على يد أحدهم ما جرى للأنبياء؛ كما صارَت النار بردًا وسلامًا على أبي مسلم - أحد الصحابة - كما صارَت من قبلُ على إبراهيم الخليل أبي الأنبياء، فهذه الأمور مؤكِّدة لآيات الأنبياء، وهي أيضًا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدَّمهم من الإرهاص".

 

ولَمَّا كان الغلام من أُمَّة عيسى - عليه السلام - كانت كرامته من جِنس معجزة نبيِّه؛ حيث كانت المعجزة: ﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 49]، وكانت كرامة الغلام أن: "كان يُبرئ الأكمه والأبرص، ويُداوي الناس من سائر الأدواء".

وعندما كان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، كان ينشئ تيَّارًا مرتبطًا بكِيان الإنسان، وهذا هو الأسلوب الصحيح للدعوة في مثل هذا المجتمع، الذي يُبَدِّد السحرُ فيه طاقة الفكر، وقوَّة الذِّهن؛ لأن الناس كانوا في حاجة إلى الإحساس بالواقع، وإحساس الإنسان بكِيانه هو قمة الإحساس بالواقع؛ ولهذا كان تأثير الغلام مباشرًا في هذا الكِيان، من خلال المداواة والشفاء - بإذن الله.

ومن هنا نعلم لماذا كانت مواجهة سحرة فرعون بعصا موسى عندما تحوَّلت إلى حيَّة؛ ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69]، فآمَن السحرة؛ لأنهم رأوا الحيَّة: ﴿ تَلْقَفْ ﴾، فعَلِموا أنها واقعٌ، فضاع تأثير السحر.

وهكذا حدَّد الغلام قضية دعوته، وربَط تلك القضية بواقع الناس، وألَّف قلوبهم عليها، فأصبَح للدعوة تيَّارًا قويًّا امتدَّ إلى كل مجالات المجتمع.

 

وحتى هذه اللحظة لَم يكن الملك قد عَلِم بخبر الغلام، وهو الأمر الغريب حقًَّّا؛ حيث إن الغلام لَم يكن بعيدًا عن دائرة الملك؛ لأن الملك هو الذي أتى بالغلام إلى الساحر، ولأن الغلام كان في مرحلة إعداد ليكون ساحرًا للملك، وأيضًا لأنَّ الغلام كان يتحرَّك في المجتمع بصورة علنيَّة واسعة، ولكن الله قدَّر ألاَّ يعلم الملك بخبر الغلام إلاَّ من خلال جليسه - الذي سيَظهر في القصة بعد قليل - وذلك بعد أن أصبَح للدعوة تيَّارٌ قوي، وهذه كانت مرحلة البداية.

وبداية كلِّ دعوة مرحلة قدريَّة خالصة، تتحقَّق فيها حماية الدعوة بصُوَرٍ متعددة، عندما لا تَملِك الدعوة أسباب الحماية المادية، فكانت صورة الحماية في دعوة الغلام هي الستر والإخفاء، رغم الوضوح والعلانية والحركة الواسعة.

 

لكني قبل أن أستطردَ في أحداث القصة مع الغلام وجليس الملك، أحبُّ أن أقِفَ مع مسألتين في غاية الأهميَّة نستفيدهما من هذا الموقف:

المسألة الأولى: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء"، فيه دليل على مشروعيَّة التداوي طلبًا للشفاء، وليس في ذلك أيُّ قدحٍ في توكُّل العبد على ربِّه - سبحانه وتعالى - وأيضًا ليس ثمة تعارُضٌ بين هذا وبين حديث الصحيحين في قصة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وفيه: ((هم الذين لا يَسترْقُون ولا يَكتوون، ولا يَتطيَّرُون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون))؛ وذلك لأن الحديث يدلُّ على فَضْل تَرْك بعض أنواع التداوي، مثل: الاسترقاء والكي، وليس معناه أن نتركَ التداوي بكلِّ أنواعه، مع اعتبار الخلاف في عدم الاسترقاء: هو عدمه مطلقًا أم عدم استعمال المحرَّم منه فحسب؟ وأمَّا التداوي بالمحرَّمات - كالخمر وغيره - فهو مُحَرَّم، ولا أعلم في ذلك خلافًا.

 

المسألة الثانية: أنَّ الملك لا يعلم الغيب، ولو كان العبد يعلم الغيب، لاستَكْثر من الخير وما مسَّه السُّوء، ولكن لا يعلم الغيبَ إلاَّ الله.

الله وحْده هو الذي يعلم الغيب، فالملائكة لا تعلم الغيب النسبي ولا المُطلق، وهذا التقسيم - أصلاً - تقسيمٌ ليس له قيمة، فيقولون مثلاً: الجن من الممكن أن يعرِفَ الغيب النسبي، مثال ذلك: لو حدَث أمرٌ ما في حجرة غير التي نحن فيها، فالجن بإمكانه أن يَخرج فيعرف هذا الأمر، فهو غيب بالنسبة لنا، شهادة بالنسبة للجن، ولا يَخفى خروج هذا الكلام عن أصل العلم بالغيب.

 

فالملائكة لا تعلم الغيب، والدليل على ذلك أنَّ الله - سبحانه وتعالى - علَّم آدمَ الأسماء كلها، ثم عرَضهم على الملائكة؛ ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 31 - 32]، فهذه الأسماء غَيْبٌ بالنسبة للملائكة، لكنَّها شهادة بالنسبة لآدمَ؛ لأنه يعرفها، إذًا الملائكة لا تعلم الغيبَ.

 

ولا يعترض بعض الناس بقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾[البقرة: 30]، فيقول: من أين عرَف الملائكة أنَّ هذا الخَلق الجديد سيُفسد في الأرض ويَسفك الدماء، إلاَّ إذا كانوا يعلمون الغيب؟!

أقول: لا، فالله هو الذي علَّمهم، وهم قد وضَعوا قاعدة صريحة تُعتبر نصًّا في هذه المسألة وفي غيرها؛ ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ [البقرة: 32].

 

وإذا كانت الملائكة لا تعلم الغيب، فهل الجن يعلمون الغيب؟!

أقول: الجنُّ أيضًا لا يعلمون الغيب، فرَبُّ العِزَّة - سبحانه وتعالى - سخَّر لسليمان الجنَّ، فصارَت الجنُّ تعمل عنده - عليه السلام - كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ﴾ [سبأ: 13]، يعملون له أشياء كثيرة، وسليمان - عليه السلام - مُتَّكِئ على مِنْسَأته، يراقب الجن وهي تعمل، ينظرون فيَرون سليمان، فيُقبلون على عملهم بجدٍّ واجتهاد.

 

قبَض الله - سبحانه وتعالى - سليمان - عليه السلام - فهل يعرف بأمْر مَوْته أحد؟! أقول: نعم؛ ثَمَّة عددٌ هائل من الملائكة يعلمون أنَّ سليمان قد قُبِض؛ فإن الرُّوح الطيِّبة إذا كانت في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة، جاءَتْها ملائكة بِيض الوجوه، فجَلَسوا منها مدَّ البصر، فكل هذا العدد الهائل من الملائكة، عَلِموا بموت سليمان، لكنَّ الجنَّ لَم يَعلموا بعدُ، ينظرون فإذا سليمان مُتَّكئ على مِنْسَأته، فيقول بعضهم لبعض: اعْمَل، اشْتَغِل، اجْرِ؛ سليمان سيَضربك، سيُعذِّبك، سيفعل وسيفعل.

وفي نفس الوقت كانت دابَّة الأرض تأكل مِنْسَأة سليمان، فقد مات على جِذْع شجرة، فلمَّا عجَز عن حَمْله، خَرَّ؛ ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14].

 

وقد يسأل سائل: ما معنى: ﴿ تَبَيَّنَتِ ﴾، هل الجن لا يعرفون أنهم لا يعلمون الغيب؟! أقول: الجن دجَّالون كذَّابون، دائمًا يكذبون على أنفسهم وعلى غيرهم، فقال أحدهم مرة لصاحبه: إني أعلم الغيب، فتعجَّب صاحبه، وقال: وأنا أيضًا أعلم الغيب، فقال الثالث والرابع والعاشر نفس الكلام، وشاعَ الأمر بينهم أنهم يعلمون الغيب، كلُّ واحد منهم على يقينٍ من أنه لا يعلم الغيب، وأنه كذَّاب، لكنَّه يظنُّ أنَّ الآخر يعلم ولو قليلاً.

فأراد ربُّ العِزَّة - سبحانه وتعالى - أن يُرِيَهم أنهم جميعًا كذَّابون، وأنه لا يعلم أيٌّ منهم شيئًا من الغيب، فقبَض سليمان وهو واقف أمامهم، فلو أنَّ أحدًا منهم يعلم الغيب، لكفَّ عن هذا العمل الشاق المرير، الذي عبَّر الله - سبحانه وتعالى - عنه بقوله: ﴿ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾، لكنَّ كلَّ واحدٍ منهم ينظر فيرى سليمان واقفًا، فيجري ويُخرج آخرَ طاقته في العمل؛ ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14]، فعرَفوا جميعًا أنهم جميعًا كذَّابون.

 

الأنبياء أيضًا لا يعلمون الغيب؛ فقد جاءت الملائكة إبراهيم - عليه السلام - في صورة بشرٍ، فأعدَّ لهم عجلاً سمينًا، وأنْضَجه وقرَّبه إليهم، إذًا إبراهيم في طول هذه المدَّة لا يعلم أنهم ملائكة، خرَجوا من عند إبراهيم وذهبوا إلى لوط - عليه السلام - فضاق بهم ذرعًا، وقال: ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80]، فلوط أيضًا لا يعلم الغيب، وقوم لوط جاؤوا إليهم يُهرعون، يظنون أنهم بشرٌ، يريدون أن يفعلوا بهم الفاحشة، فقوم لوط أيضًا لا يعلمون الغيب.

 

والأولياء لا يعلمون الغيب، فأفضل الأولياء قاطبة هو صِدِّيق الأُمَّة الأكبر: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ما الدليل؟! الدليل أن أفضل الأُمَم هي أُمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- وفي الحديث الذي صحَّحه الألباني في "ظلال الجنة" أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وُزِن بالأُمَّة فرجَح بها، ثم وُزِن أبو بكر بالأُمَّة فرَجَح بها، إذًا فأبو بكر أفضل الأولياء، ومع ذلك تقول له ابنته أُمُّ المؤمنين عائشة - رضى الله عنها -: "أجِب عني رسول الله يا أبي - في حادثة الإفك - فيقول: "والله ما أدري ماذا أقول يا ابنتي!".

 

فإذًا نخرج من هذه المسألة بقاعدة في منتهى الأهميَّة، وهي: أنه لا يعلم الغيب إلاَّ الله؛ ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل: 65]، فلا الأنبياء يعلمون الغيب، ولا الأولياء - الذين يتمسَّحون بهم ويطوفون حولهم - يعلمون الغيب، ولا الجن يعلمون الغيب، وحتى الملائكة لا تعلم الغيب؛ فلا يعلم الغيب إلاَّ اللهُ.

 

ولذلك فهذا الملك لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم أنَّ هذا الغلام الذي جاء به، سيُحدث الله - عز وجل - به من التغيير ما سيأتي معنا - إن شاء الله - لَم يكن يأتي به أبدًا، وكان يفعل أيَّ شىء آخر، لكن يأتي به ليُثَبِّت له مُلكه، فيكون زوال الملك على يديه، هذا ما لَم يكن يَرضى به الملك أبدًا لو أنه يعلم الغيب.

 

يُتبع - إن شاء الله تعالى.

  • 2
  • 1
  • 1,323
المقال السابق
(1) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب
المقال التالي
(3) الغلام والملك
i