مظاهر من رحمة الله تتجلى في سورة الكهف (المقال الثاني )

منذ 2018-05-29

قال تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97 ]

بسم الله الرحمن الرحيم..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين..

أما بعد..

مظاهر من رحمة الله  تتجلى في سورة الكهف (المقال الثاني):

فما من شكٍ أن سورة الكهف أبان الله لنا فيها الفتن العظيمة التي قد تصد المرء عن دينه الحق, فبدأ الله بفتنة الدين وأحوال الفتية الثابتين في هذه الفتنة والذين أنجاهم الله بدينهم الخالص, وذلك لكي نقتدي بهم ثم فتنة المال التي من افتتن بها عبد الدرهم والدينار وخرج بها من الدين , ثم فتنة الغرور بالعلم والتباهي به مع عدم العمل به وأيضا من ذلك عدم الحرص في طلب العلم والتعلم, والعلم كما هو معلوم ٌسبٌ عظيمٌ في النجاة من الفتن ثم فتنة الملك أو المنصب الذي تُسبِّب بكل سهولة الخروج من الدين إلا من عصمه الله وعافاه ورحمه

 

وهذه الفتن الأربعة عائقٌ عظيمٌ أمام مسيرة الحق وأهل الحق فلابد من معرفة كيفية التعامل بها وكيفية وقوف المسلم موقف التوقِّي منها بل وكيفية النجاة منها لنظفر برحمة الله وسعادة الدارين إن شاء الله تعالى وعلى بركة الله.  

 

ولذلك جاء في الحديث * روى مسلم عن أبى الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " وفى رواية: "من آخر سورة الكهف"

 

وأقول: من حفظها وعلم بما فيها من علمٍ وتدبَّر فيها حق التدبُّر واعتبر بها وعمل بما فيها أنجاه الله من فتنة مسيح الدجال وأيضاً من فتنة المحيا والممات والموفَّق من وفقه الله واستعمله في دينه الحق.

 

ومن الملاحظ أن هذه القصص الأربعة لم تتكرر في القرآن الكريم ولعل السر من وراء ذلك هي أن هذه القصص مرتبطة بعضها ببعضٍ  كما هي وحدة موضوعها واحدة وهي التوقي من الفتن فيريد الله منا سبحانه أن نتدبرها بمجموعها في موطنٍ واحد لكونها مصادر الفتن في المحيا والممات , والله أعلم.

 

وقد سبق أن تكلَّمت في المقال السابق مظاهر من رحمة الله التي تتجلى في أصحاب الكهف وقد أعانهم الله بهذه الرحمة في أن يثبتوا في إيمانهم ودينهم الحق حيث ربط الله سبحانه قلوبهم وأنقذهم من تفتينهم في دينهم  بتوحيدهم العظيم الذي منَّ الله عليهم.

 

والآن أحب – إن شاء الله تعالى - أن ألقي الضوء على أن فتنة المال لا تقل خطراً عن تلكم التفتين في الدين وأن الإنسان محتاجٌ دائماً وأبداً إلى رحمةٌ من الله يُنقِذه  الله بها توحيده وإيمانه ودينه الحق ككل.

 

إذ من الناس من يعبد الدرهم والدينار ولا يعرف الإخلاص, ومنهم من لا يعرف الرحمة إلى خلق الله, ومنهم من لا يعرف أنه مبتلى في هذا المال وإن أراد الله سلبه منه كما وقع لصاحب الجنتين, بل قد يفتتن به بعضهم حتى يظن أن الله أكرمه ويحبه ما دام قد أعطاه الله هذه النعم كما جاء في سورة الفجر , بل قد يستدل به بعضهم أنه على حقٍ وأن المحرومين من هذا المال على باطلٍ وغير ذلك من الأباطيل.

 

والحقيقة أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب, كما قال تعالى {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء:20 ]

 

وقد أخبر الله سبحانه أن محض إرادة الدنيا وزينتها تسبِّب لصحابها الدخول في النار كما قال تعالى {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[هود:16 ]

 

فقد روى أبو هريرة فقال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)رواه البخاري في صحيحه رحمه الله.

 

  هذا, وقد أخبرنا الله سبحانه أيضاً أن الكفار معذَّبون غير مرحومين بأموالهم وأولادهم في الدنيا كما قال تعالى {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55].

 

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: ولم يُصِبْ من قال: إن الآية على التقديم والتأخير كالجُرجانى، حيث قال: ينتظم قوله: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بعد فصل آخر ليس بموضعه، على تأويل: "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة".

 

وهذا القول يُروى عن ابن عباس، وهو منقطعٌ، واختاره قتادة وجماعة. وكأنهم لما أشكل عليهم وجهُ تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا، وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك، فرُّوا إلى التقديم والتأخير.

 

وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها، فاختلفوا في هذا التعذيب:

فقال الحسن البصري: يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق في الجهاد.

واختاره ابن جرير، وأوضحه، فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يؤخذ منه ذلك، وهو غير طيب النفس، ولا راجٍ من الله جزاءً، ولا من الآخذ منه حمدًا ولا شكرًا، بل على صُغْرٍ منه وكُرْهٍ

وهذا أيضًا عدولٌ عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية.

 

وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يُعرَّضون بكفرهم لغنيمة أموالهم، وسَبْي أولادهم؛ فإن هذا حكم الكافر، وهم في الباطن كذلك وهذا أيضًا من جنس ما قبله؛ فإن الله سبحانه أقرَّ المنافقين، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر، وتولىّ سرائرهم، فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه من غنيمة أموالهم وسبي أولادهم، فإن الإرادة هاهنا كونِيّة بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان ولا بد، وما لم يشأ لم يكن.

 

فالصواب والله أعلم أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبِّيها ومُؤْثِريها على الآخرة، بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاقِّ في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبرُ همِّه، وهو حريص بجهْده على تحصيلها.

 

والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "السفر قطعة من العذاب  وقوله: "إن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه"؛ أي يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقب بأعمالهم. انتهى المقصود منه.

 

أنظر إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/ 54- 56 )

 

وقال تعالى {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)}[طه:123-127]

 

واعلم - رحمني الله وإياك - أن متَّبعي الهدى والحق لا يمكن أن يخسروا بضلالةٍ أبداً في الدنيا كما لا يمكن أبداً أن يشقوا بعذابٍ في الآخرة.

 

أما المعرضون عن ذكر الله فسيعيشون لا محالة بمعيشةٍ ضنكٍ ضيِّقةٍ حَرِجِين كأنما يصعَّدون في السماء ولو كان لهم أموال وأولاد كثيرة لِمحق الله سبحانه البركة في الحرام ولمحاربتهم لهم وبسواء ظنهم بربِّهم الكريم الواسع فضله الغفور الرؤوف الرحيم وباتِّباعهم قبائح الأفعال التي تأمرهم شياطينهم وهم مع ذلك قد يعلمون أن هذه الأفعال أنها قبيحة ومخالفة للآداب الفاضلة, فيؤنِّبهم ضميرهم فيتعذَّبون نفسياً فيحسُّون أنهم يعيشون في عيبٍ وشنارٍ!.

 

وقد قال تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97 ]

 

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: 

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن مطرف، عن الضحاك (فلنحيينه حياة طيبة) قال: الرزق الطيب الحلال.

 

حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عون بن سلام القرشي، قال: أخبرنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله (فلنحيينه حياة طيبة) قال: يأكل حلالا ويلبس حلالا.

 

وقال آخرون (فلنحيينه حياة طيبة) بأن نرزقه القناعة.

 

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن أبي خزيمة سليمان التمار، عمن ذكره عن علي (فلنحيينه حياة طيبة) قال: القنوع.

 

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو عصام، عن أبي سعيد، عن الحسن البصري، قال: الحياة الطيبة: القناعة.

 

وقال آخرون: بل يعني بالحياة الطيبة الحياة مؤمنا بالله عاملا بطاعته.

 

* ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فلنحيينه حياة طيبة

 

ثم قال رحمه الله: " وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزقٍ لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه ولم يتكدر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.

 

أنظر تفسير الطبري  جامع البيان ت شاكر (17/ 290-292)

 

قلت- الكاتب-: المعرضون عن ذكر الله متمسِّكون دائماً وأبداً بحبائل شياطينٍ واهيةٍ سرعان ما تنفصم بوقتٍ قريبٍ فتضيق عليهم أضلاعهم وأنفسهم التي بين جنبيهم بل وستضيق عليهم الـأرض بما رحبت فيحيون بحياة بئيسة تعيسة بينما عباد الله المؤمنون الموحِّدون لمرحومون وإن قلت ذات أيديهم متمسِّكون بحبائل قوية متينة لا تنفصم أبداً بل تتنزَّل عليهم رحمات الله وبركاته كما سيعيشون رحب الصدور منشرحوا البال مطمئنوا الحال فتتوسع لهم دائرة معارفهم وإيمانهم إلى آفاقٍ لا يعلمه إلا الله إذ هم المرحومون حقاً بتوحيدهم الصافي ودينهم الخالص كما هم المتمسِّكون بولاية الحق المذكورة لنا في آخر قصة صاحب الجنتين والرجل الصالح في سورة الكهف بقوله تعالى {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف: 44]..

 

والله سبحانه وتعالى أعلم..

  • 1
  • 0
  • 6,788

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً