سامحيني يا صنعاء

منذ 2019-02-27

كتبت هذه الكلمات حزنا على فراق الشيخ عبد المجيد الريمي رحمه الله الذي رحل واليمن لا زال في صراع أبنائه مع أبنائه. فاعتذرت إلى صنعاء

قبل أن تشرع في قراءة اعتذاري، تخيل لو أنّٓ صنعاء خرجت من غرفة العمليات وهي لم ترى نفسها من قبل، ثم وقفت أمام مرآة لترى نفسها ! ثم رأت ما رأت وهي لأول مرة  تراه.  ضع في ذهنك أن فكرتها عن نفسها وصورتها كانت قبل الدمار والفتك والحرب.  أقول تصورها واقفة أمام المرآة .  كيف ستكون الصدمة  !؟ هل رأيت ذهول عينيها !؟ هل رأيت رجوعها خطوة إلى الخلف ووضعت يدها على فيها  من الذهول ووقعِ الصدمة.  هل ستظل صنعاء واقفة في مكانها أو ستهرب فارة من نفسها لا تعلم إلى أين.  قال صوت تكلم من صدرها: هذه ليست أنا وهي تجري وتبكي.  
كيف ستخفف عنها وقد وقفت أمامك صنعاء شاردة الذهن شعرها في فوضى كالفوضى التي في داخلها؛  فهذه قصة اعتذاري.  لنشرع الآن:  

 

صافحني يا ابن صالح مصافحة اليمني لليمني.  مد يدك إليَّ لأمسكها وأقِّبلها.  عانقني عناق الرجل اليمني لليمني لأعتذر إليك فقد قتلتُ عمتكَ صالحةً رحمها الله؛  أنا الذي أطلقتُ الصاروخَ نحو بيتها. 

يا ابن محسن، بصاروخك ماتت والدتي وأخي الصغير مع عمتي ؛ سقط السقف عليهم جميعا.  إنا لله وإنا إليه راجعون.

وهي مشكلتي أيضا يا ابن محسن قتلتُ والدك عمي محسن قنصًا من السطح وهو خارج إلى صلاة الفجر لم أعرفه في الظلام؛ كان التجول محظورا في الليل.   إنا لله وإنا إليه راجعون.

ما الذي أصابنا صارت قلوبنا حجارة !

ليس بين أعيننا إلا القتل

إن قتلتم اثنين قتلنا منكم عشرة

حتى صار الموت لعبة نلعبه بالرصاص الذي اخترق العقل والقلب والجسد

سامحني يا ابن صالح ؟ سامحتك

وسامحني يا ابن محسن ؟ سامحتك

هذا لن يكفي، سنكسر البندقية والصاروخ الذي كسر اليمن.

 

ما الذي أصابنا !؟

هل أصابنا الجنون !

هؤلاء الذين يذهبون إلى المصالحة، يذهبون وفي قلوبهم الاختلاف وعناد الأطفال

لإفشال اتفاق الصلح وتبقى معه النار مشتعلة

ذهبوا مختلفين ورجعوا أشد اختلافا !

ذهبوا ليعارضوا أية اتفاق.  إما أن تخضع لشروطي فنتصالح،  أما شروطك فلن نتصالح عليها أبدًا.

هل كان منطق الفريقين: بألا نتصالح !. 

فأيُّ اتفاق سيجيء بهذه العقلية !؟

ما الذي أصابنا !؟

لماذا صار اليماني رخيصا !؟

أبعتم صنعاء !؟

سكبتم دمها، قتلتم شيخها، قتلتم صغيرها وقتلتم أهلها.

أجعلتم من صنعاء أرملة !؟

 

عشيقتي صنعاء أنا بجرحك، مجروح

ناديتُ اليمانيَ والصوتُ من ندائه مبحوح

ما بالكم رشقتم صنعاء، سامحيني يا صنعاء فأنت الجسدُ والروح

ارمِ سلاحكَ واكتم رصاصكَ إنها صنعاء

أترشقُ صنعاء !؟  لن أسامحك.  لست بمسموح.

طالَ الليل وطال ظلامه

قَرُبَ الفرجُ عسى طريقه ممهدٌ مفتوح

 

حبيبتي صنعاء سأمسحُ وجهكِ الدامي

وجهك جبالٌ وأمطارٌ وسفوح

جبالٌ خضراءَ متدرجة هذا بنٌ وذاك شاهي

عيناك العسليتان جبليتان وتهامي

شعرك الأسود الأشقر نزلت خصلاته على جبين وضَّاحٍ فتاني

هل قمر السماء معه صنعاء قمرٌ ثاني

حُقَّ أن تغار منك أرضُ الجزيرة وأرضُ الشامِ

 

نظرت إليَّ معاتبةً وقالت أين شِعرُ البرَدَوني أشكُوُكم إليه

أجعلتمْ على تُرابي دمَ اليماني مسفوح !

أنا ملكةُ المدنِ أنا صنعاءُ

لماذا جُرِحَتُ هذه الجروح

 

أعتذرُ إليك،  سامحيني

سأوقفُ القتلَ

سأوقف القصف

سأبني المستشفى لعلاجك

سأضيء الشوارعَ بالكهرباء ليرى اليمانيون الجمالَ على وجهك

سأشربُ قهوتك، سأحتفلُ معك.

سأضمُكِ إلى صدري

سأعالجُ اليتيمَ والأرملةَ والمعاق، سأصفحُ عن الولدِ اليمني العاق.

 

نظرت صنعاء وقالت وهي حائرة

أحقًا تفعل ؟

ماتَ الشيخ الريمي

مات الرئيس، مات اللواء، مات الجندي، مات الحوثي، ومات اليمني

ماتت المرأة اليمنية

قُتِل الطفل اليمني

هُدِم البيت

بقيت أنا لوحدي مدمرة !

من منكم سيحميني !؟

 

نحن سنحميك

أرجوكِ لا تجزعي، ثقي بنا

نحن أولادك الصغار

أنتِ بيتنا يا صنعاء

 

ضمتهُ إليها؛ أنا أمكم

وهل تستطيع الأم إلا أنْ تسامحَ ولدَهَا

تغضبُ عليه وعيناها حبًا تدمعُ عليه

 

ضميني يا صنعاء

أنا اليمانيُ المشتَّتُ الممزقُ المقتول

ضميني

أشلائي على الأرض دامية مفرقة

انظري ذاك قلبي، وهذا عقلي بلا عقل مجروح

 

أخذت صنعاء أشلاء غيري وأشلائي وضمتهم

قالت: بعضكم هذا، كله بعضي.

أنا صنعاءُ اليمانية

يا يمانيون: إليكم إليَّ إليكم إليَّ.

_________

كتبه: حلمي صابر

  • 1
  • 0
  • 10,423

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً