معرض الكتاب كما بدا لي!

أحمد بن عبد المحسن العساف

إشاعة التّنوع: فالكتب متباينة في الشّكل، والّلون، والغلاف، والتّصميم، والعنوان، والمؤلّف، والبلد، والمضمون، والسّعر، والنّاشر.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

 

مع إقبال الموسم البهيج لمعرض الكتاب، يكثر السّؤال عن قوائم كتب مقترحة، ولا أجد نفسي مندفعة للإجابة، وألجأ بدلًا من ذلك إلى نشر أفكار عامّة حول القراءة والمعارض، مع تقديري لمن يجتهد في صنع القوائم، وتصنيفها، ونشرها.

وإنّ توافد الجماهير على المعارض، وتسامعهم بأخبارها، ونقاشهم حولها، لمجلبة للسّرور، حتى لو كانت الحوارات في سياق انتقاد الأسعار والتّنظيم، أو زعم البعض أنّ غالبية الزّوار استمتعوا بالتّسكع والأكل دون شراء، أو اختاروا كتبًا عاديّة فيما يرى؛ إذ يكفي أنّ الكتاب حرّكهم، ولذّة القراءة مع سمو الحكمة، كانت دافعهم الرّئيس للمشاركة.

لا يختلف عالم الكتاب عن غيره، ففيه تجارة، وتضليل، وسرقات، وفئويّة، وتدخل بين أوراقه وأروقته حسابات لا يكاد يشعر بها بعض المتابعين، وأمّا الخدع والألاعيب فحاضرة لا تغيب، ومنها ما يكون من لدن المؤلف، أو النّاشر، أو الموزع، أو المنّظم، أو المراقب، أو النّاقد، وحتى القارئ أحيانًا؛ فلا تستغرب مع أنّ الأصل فيه العكس، ولا يسلم الجوهر النّفيس من الشّوائب.

ويغلب على الكتب أن تعرض وتباع، بينما يستعرض جزء منها ولا يباع، أو تباع عناوين دون أن تبدو للنّاظرين، وفيها ما يكون مجانيًا أو مقرونًا بغيره، ومنها المت في المعارض الممنوع فيما سواه، ولا تخلو المعارض من تناقضات مع دعاوى الانفتاح وقبول الرّأي الآخر سواء في الكتب المفسوحة، أو في الفعاليات المصاحبة، وأسماء المتحدّثين.

ومع ذلك ففي المعارض مغانم كثيرة أعظم من مجرّد اقتناء كتاب، فمنها:

إشاعة التّنوع: فالكتب متباينة في الشّكل، والّلون، والغلاف، والتّصميم، والعنوان، والمؤلّف، والبلد، والمضمون، والسّعر، والنّاشر.

رفع الوعي: فليس الشّأن أن نقرأ ونسمع؛ بل أن نفهم السّياق والمعنى، ونلتقط ما بين الكلمات دون اعتساف وظلم.

إشعال الإلهام: فمنظر الكتب المتراصّة يلهب الخيال فوق أنّه يجلو البصر ويريح الخاطر.

تحفيز للتّصنيف: فكم من قادر على الإبداع قعدت به ظنون وأوهام وطلب كمال لا يُدرك.

تسهيل الّلقاء: وهل أجمل من لقيا الأحبّة على هامش المعرض زمانًا أو مكانًا؟

كما تفيدنا معارض الكتاب في التّعرف إلى المؤلّفين والكتب وليس بالضّرورة أن نشتري منها شيئًا، فبعضها تكفيه نظره، أو معرفة بوجوده، أو مطالعة فهرسته، أو تقليبه بسرعة، وهذه من فنون الّلاقراءة، ومنها الملهم أو المتخصص الذي لا يُستغنى عنه، والإنسان على نفسه وما يصلحها بصيرة، وما أحوجنا للرّشاد في الاستهلاك.

وأيضًا نتعلّم من معرض الكتاب أنّ المعرفة متاحة للكّافة، وأنّ كسر الاحتكار عمل ريادي، وأنّ الحقيقة قد توجد في أماكن بمقادير مختلفة، وكذلك الباطل، وأنّ المفاهيم والأفكار لا يمكن السّيطرة عليها، وإذاعتها ميسورة ولو من خلال القصص، والرّوايات، والصّور، وفواصل الكتب فضلًا عن محتواها، ومادامت القراءة متعة تسكر صاحبها لدرجة أنّ المفتون بها يعدّها من ضرورات البقاء؛ فالمجد لها ولما ينساب منها ومعها وإن إن!

ولا تموت الفكرة عبر امتداد الأزمنة والحضارات، فلربّما مات الأقوياء واندرست آثارهم أو كادت، بينما تظلّ الأفكار في حياة تقوى وتضعف لكنّها لا تموت، وتحمل في طيّاتها سير أصحابها الذين صنعوها أو نهضوا بها حتى لو غادروا الحياة أو طواهم النّسيان أحقابًا، فسلطان الفكرة أخلد من جبروت القدرة، وللأفكار المكتوبة خاصيّة الانتقال والانتشار العابر للحدود والحواجز، مهما وُضع في طريقها من عوائق وعراقيل.

كما تبرز بمناسبة هذا الموسم الفاتن أهميّة صرف الجهود إلى اكتساب طرق فعالة في القراءة، والتّعامل مع المادة المنشورة، بما يجعلها محكومة لا حاكمة، محتملة لا قطعيّة ما لم تكن تغرف من نصوص شرعيّة ثابتة قطعيّة الدّلالة، أو براهين راسخة، وما سوى ذلك فليس له قداسة وإن كان له مكانة وتوقير.

ومن نفيس إضاءات معرض الكتاب، أنّ الفرد ليس هامشيًا في مجتمعه، والمجتمع ليس هامشيًا في عالمه، ومن واجبنا إنتاج المعرفة فرديًا أو مؤسسيًا، أو نقلها وفق مفهوم الاعتزاز الحضاري المنضبط، وتنشيط حركة التّأليف، والنّقد، والتّرجمة باتجاهين ضمن لغات عديدة، وإتقان صنعة الكتابة، والتّعامل مع جيش أركانه ثمانية وعشرون حرفًا أنيقًا شجاعًا.

ومن المعاني التي تنبثق في موسم المعارض أنّ الوعي مسألة شخصيّة، ثمّ مجتمعيّة؛ فأنت-وليس سواك- مسؤول عن وعيك وفهمك وحماية عقلك من أن يكون وعاء تُحقن فيه الشّوائب التي تكدّر صفاء الدّين، وجمال الإنسانيّة، ومكانة البلاد، والمجتمع بأركانه وشبكاته معني بالحفاظ على أعراف المجال العام، ورسومه، وقيمه، وتماسكه.

هذه أفكار عرضت لي مع تتابع معارض الكتاب العربيّة، وإن لم يتح لي زيارة أكثرها القريب منها والبعيد، إلّا أنّ ذلك ليس بمانع لي من المشاركة في التّأمّل ثمّ الكتابة، فمن يدري لعلّ بعضها أن يكون نافعًا لروّاد المعارض، وأصدقاء القراءة والكتاب، فالقارئ البصير حركة دائبة لا تهدأ من التّفكير والعمل الآني والمستقبلي.

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض

مدونة أحمد بن عبد المحسن العسَّاف