منهج الإمام الشاطبي في استعمال الأضداد

منذ 2019-05-09

كَمَدٍّ وَإِثْبَــــاتٍ وَفَتْــــحٍ وَمُدْغَــــــــــمٍ   ***    وَهَمْزٍ وَنَقْلٍ وَاخْتِــــلاسٍ تَحَصَّــــلَا

بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن أحبه واتبع هديه، وبعد:-

في هذا البحث محاولة لتوضيح منهج الإمام الشاطبي- رحمه الله- في استعمال الأضداد، وبيان ما اصطلح عليه منها. دفعني لكتابته ما وجدت من التباس العبارة عند عددٍ ممن صنف في المسألة، وعند كثيرٍ ممن أتعامل معهم إقراءً؛ والله أسأل توفيقًا وبركة إنه كريم منان.

قال الإمام:                                                                          

   وَمَا كانَ ذَا ضِــــــــــــــدٍّ فَإِنِّي بِضِدِّهِ   ***   غَنّيٌّ فَزَاحِمْ بِالذَّكــــــــاءِ لِتَفْضُلَا

يعني أنه ما كان من وجوه القراءات له ضد فإنه يستغني بذكر أحد الضدين عن ذكر الآخر، وذلك لأن ذكر أحدهما يدل على الآخر.

 مثال: قول الإمام الشاطبي: (وَتَذَّكَّرُونَ الْكُلُّ خَفَّ عَلَى شَذًا)، فالمرموز لهم بالعين والشين في قوله (عَلَى شَذًا) وهم حفص وحمزة والكسائي قرؤوا {أَشُدَّهُ ۖ} في كل القرآن بتخفيف الذال، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: ١٥٢]  فيُفهم من الضد أن باقي القراء يقرؤون بالتشديد، لأنه قال(خف) يعني بالتخفيف. وعكس التخفيف التشديد ، فلا حاجة للشاطبي أن يذكر قراءة الضد للباقين.

 مثال آخر: قول الإمام الشاطبي: (بِمَا يَعْمَلُونَ الْغَيْبُ شَايَعَ دُخْلُلَا) فالمرموز لهم بالشين والدال (حمزة، والكسائى، وابن كثير) يقرؤون (يعملون) بالغيب في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٦ - ١٥٧ ] ، فيفهم من الضد أن الباقين يقرؤون بالخطاب، ولا حاجة لأن يذكر الإمام الضد لهم. ثم شرع في ذكر الأضداد بقوله.

كَمَدٍّ وَإِثْبَــــاتٍ وَفَتْــــحٍ وَمُدْغَــــــــــمٍ   ***    وَهَمْزٍ وَنَقْلٍ وَاخْتِــــلاسٍ تَحَصَّــــلَا

   وَجَــــزْمٍ وَتَذْكِيرٍ وَغَيْــــبٍ وَخِفَّـــــــــــةٍ   ***   وَجَمْـــعٍ وَتَنْــــوِينٍ وَتَحْرِيــــكٍنُ اعْمِلَا

   وَحَيْثُ جَرَى التَّحْرِيكُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ  ***   هُوَ الْفَتْحُ وَالإِسْكانُ آخَاهُ مَنْزِلَا

وتنقسم الأضداد إلى:

أضداد عقلية: وهي التي تُعلَم من جهة العقل، فمثلًا إذا ذكر المد علم أن ضده القصر، وهذا عُلم من جهة العقل.  

أضداد اصطلاحية: وهي التي تعلم من اصطلاح الناظم لا من جهة العقل، بمعنى أن الناظم اصطلح عليه، مثل النون والياء فقد جعلهما ضدين كما سيأتي، وهذا لا يدل العقل عليه.

وتنقسم الأضداد أيضًا إلى:

أضداد منعكسة: يعني أن كل واحد من الضدين يدل على الآخر، فالمد ضده القصر والعكس. فإذا ذكر المد كان ضده القصر، وإذا ذكر القصر كان ضده المد.

أضداد غير منعكسة: يعني أن كل واحد من الضدين لا يدل على الآخر مثل الجزم، فالجزم ضده الرفع، وليس الرفع ضده الجزم، وإنما ضده النصب كما سيأتى.

وكل الأضداد مطردة في القصيدة يعني أنها تنقاس في كل موضع ذكرت فيه.

وقد بدأ الناظم بالأضداد العقلية وهي:ـــــ

ــــ الــــــــــمـــد وضــــده القـــصــــــــــــــر                    ــــ الاختلاس وضــــده إتمام الحركة

ــــ الإثبـــات وضــــده الــحــــــــــذف                   ــــ التــــــذكيــــر وضــــده التأنيث

ــــ الفتــــــــــح وضــــده الإمـــــــــالــــــة                    ــــ الــــغيــــــب  وضــــده الخطاب

ــــ الإدغـام وضــــده الإظـهــــــــــــار                    ــــ التخفيف  وضــــده التشديد

ــــ الهمـــــــز وضــــده ترك الهمــــز                    ــــ الجـــمـــــع وضــــده التـــــوحيــــد

ــــ النقــــــل وضــــده إبقاء الحركة                   ــــ التنــــــــوين وضــــده ترك التنوين

ــــ التحـــريك وضــــده الإســـكان

قال الإمام الشاطبي:

كَمَدٍّ وَإِثْبَاتٍ وَفَتْحٍ وَمُدْغَمٍ  ...  وَهَمْزٍ وَنَقْلٍ وَاخْتِلَاسٍ تَحَصَّلَا

وَجَزْمٍ وَتَذْكِيرٍ وَغَيْبٍ وَخِفَّةٍ   ...  وَجَمْعٍ وَتَنْوِينٍ وَتَحْرِيكٍ اعْمِلَا

وكل هذه الأضداد التى عدها الإمام الشاطبي في البيتين عقلية مطردة منعكسة ماعدا الجزم والتحريك[1]، أما الجزم فهو اصطلاحى لا عقلى، وغير منعكس، وسيأتى الحديث عنه بإذن الله، وأما التحريك فهو متنوع، منه ما ينعكس، ومنه ما لا ينعكس،  ومنه العقلى ومنه الاصطلاحي، لذا ختم به الأضداد العقلية، وبدأ به الأضداد الاصطلاحية فقال:

............... وَتَحْرِيــــكٍنُ اعْمِلَا

وَحَيْثُ جَرَى التَّحْرِيكُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ    ***    هُوَ الْفَتْحُ وَالْإِسْكانُ آخَاهُ مَنْزِلَا

التحريك في المنظومة على نوعين:ـــ

النوع الأول: التحريك المطلق (غير مقيد): بمعنى أن يذكر لفظ التحريك غير مقرون بأى حركة، كأن يقول: [وحرك] فقط، فيكون معناه حينئذ (الفتح) وهذا اصطلاح اصطلح عليه الإمام الشاطبي، ولولا هذا ما عرفنا الحركة فتحة هي أم ضمة أم كسرة؟، وضده السكون، وهذا عقلي لأنه يعلم من جهة العقل أن الحركة عكسها السكون. وينعكس. فيكون السكون عكسه التحريك المطلق (الفتح) لأنه قال: (والإسكان آخاه منزلا)، وهذا اصطلاحي، لأنه لو لم يخبرنا لما عرفنا أي الحركات تكون ضد السكون، لأن الحركات متنوعة.

مثال: قال الإمام الشاطبي: (معًا قَدْرُ حَرِّكْ مِنْ صِحَابٍ) يعني أن ابن ذكوان وحفص وحمزة والكسائي المشار إليهما بقوله(مِنْ صِحَابٍ) قرؤوا كلمة (ﲢ) في قوله تعالى: {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: ٢٣٦] بتحريك الدال، فهنا أطلق التحريك ولم يقيده بحركة، فيكون معناه الفتح كما اصطلح عليه(ﲢ) ، وعكسه السكون، فيكون قراءة الباقين بالسكون(قدْره)

النوع الثاني: التحريك المقيد: بمعنى أن يأتى لفظ التحريك مقرون بحركة فتحة كانت أم ضمه أم كسرة. ويكون ضده السكون أيضًا. وهذا عقلي. لأنه يعلم من جهة العقل أن الحركة عكسها السكون، ولا ينعكس، فلا يقال السكون عكسه التحريك المقيد، لأننا لا نعرف الحركة التى نقيده بها، ولأن الإمام الشاطبي اصطلح أن يكون ضد السكون التحريك المطلق(الفتح) حين قال(والإسكان آخاه منزلا). قال الفاسي: (والتحريك ضده الإسكان سواء كان مقيدًا أو غير مقيد .... وليس الاسكان ضدًّا للنوعين بل للأخير منهما خاصة[2]).

مثاله:ـــ قول  الإمام: (وحُرِّكَ عَيْنُ الرُّعْبِ ضَمًّا كَمَا رَسَا ) يعني أن ابن عامر والكسائي المشار إليهما بالكاف والراء في قوله (كَمَا رَسَا) قرآ كلمة (الرعب) حيثما وردت بتحريك العين بالضم (الرُّعُب)، فتكون قراءة الباقين بالسكون.

 إذًا التحريك مطلق ومقيد ضـــــده الســكون. وهذا (عقلى). لذا عده الإمام الشاطبي في الأضداد العقلية في قوله (وَتَحْرِيــــكٍ اعْمِلَا)، وأما السكون فضـــــده التحريك المطلق (الفتح) وليس ضده النوعان، فإذا قال: (وسكن) كانت القراءة الأخرى هى التحريك المطلق (الفتح)، كما في قوله: (وَسَكِّنْ مَعًا شَنْآنُ صَحَّا كِلَاهُمَا) يعني أن شعبة وابن عامر المشار إليهما بالصاد والكاف في قوله(صَحَّا كِلَاهُمَا) قرآ بإسكان النون في الموضعين، فتعين للباقين القراءة بفتحها، لأن عكس السكون التحريك المطلق (الفتح).

فإذا أراد الإمام الشاطبي ضدًّا للسكون غير حركة (الفتح) فلابد من ذكره مثل قوله: (وَأَرْنَا وَأَرْنِي سَاكِنَا الْكَسْرِ دُمْ يَدًا) يعني أن المشار إليهما بالدال والياء في قوله(دُمْ يَدًا) وهما ابن كثير والسوسي قرآ كلمتا (أَرِنا ،أَرِنِي) حيثما وردتا بسكون الكسر،  مثل قوله تعالى:   {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة: ١٢٨  فإنه أراد هنا أن يكون عكس السكون الكسر لا الفتح لذا نص عليه فقيد القراءتين.

ومثله قوله:

وَحَيْثُ أَتَاكَ الْقُدْسِ إِسْكَانُ دَالِهِ   ***     دَوَاءٌ وَلِلْبَــــــاقِينَ بِالضَّمِّ أُرْسِـــلا

يعني أن ابن كثير المشار إليه بالدال في قوله (دَوَاءٌ) قرأ بإسكان الدال في كلمة (القدس) حيثما وردت في القرآن، وقرأ الباقون بالضم فإنه أراد هنا أن يكون عكس السكون الضم لا الفتح لذا نص عليه فقيد القراءتين.

وبهذا يتضح أن التحريك بعضه عقلى، وبعضه اصطلح عليه الشاطبي، وبعضه ينعكس، وبعضه لا ينعكس .

تنبيــــهان:

الأول: التحريك المطلق معناه (الفتح ) وعكسه السكون، ولا يقال الفتح عكسه السكون[3]، فالفتح عكسه الكسر لأنه آخى بين الفتح والكسر كما سيأتي، فلابد من لفظ التحريك (حُرِّكَ عَيْنُ الرُّعْبِ ضَمًّا كَمَا رَسَا )، (معًا قَدْرُ حَرِّكْ مِنْ صِحَابٍ). قال أبو شامة: (فمتى ذكر التحريك فضده السكون، ومتى ذكر اسم الحركة دونها فالضد له، مثاله: إذا قال ارفع فضده انصب، وإذا قال انصب فضده اخفض، وإذا قال اخفض فضده انصب، ولا مدخل للسكون في القراءة المسكوت عنها، وإن ذكر التحريك مع واحد من هذه الثلاثة فالضد له وهو السكون، ولا التفات إلى كونه قد قيد التحريك بضم أو فتح أو كسر. مثاله قوله: (وَتُسْأَلُ ضَمُّوا التَّاءَ وَالَّلامَ حَرَّكُوا بِرَفْعٍ) فلأجل قوله (حركوا) أخذنا السكون للقراءة الأخرى، ولم نأخذ ضد الرفع، ولو قال موضع (حركوا برفع) (رفعوا) لأخذنا ضد الرفع وهو النصب وكذا قوله: (وَحَمْزَةُ وَلْيَحْكُمْ بِكَسْرٍ وَنَصْبِهِ يُحَرِّكُهُ ) لولا قوله: (يحركه) لكانت قراءة الباقين بفتح اللام وخفض الميم، فلما قال يحركه سكن الحرفان فاعرف ذلك فإنه قلَّ من أتقنه)[4].

 الثاني: لا ينبغي أن نقول: (السكون عكسه التحريك فقط)، أو نقول: (أن التحريك عكسه السكون، وينعكس)، لأننا إذا قلنا السكون عكسه التحريك لا نعلم أي حركة ستكون فتحة أم ضمة أم كسرة؟، فلا بد من تقييده بالتحريك المطلق. وأما القول: (أن التحريك عكسه السكون وينعكس ) فالإشكال فيه كلمة (ينعكس) لأن السكون ليس عكسه التحريك بنوعيه، بل عكسه التحريك المطلق فقط.

 ولا يقال أن الإسكان عكسه التحريك بنوعيه، فإن أطلق الإسكان بأن قال: (وسكن) فقط كان ضده التحريك المطلق، وإن قيد الإسكان بأي حركة كما قال: "وَأَرْنَا وَأَرْنِي سَاكِنَا الْكَسْرِ دُمْ يَدًا" فالضد لهذه الحركة المقيدة، فيكون الاسكان ضدًّا للتحريك بنوعيه.

 فهذا الكلام فيه نظر لأنه هنا ذكر الضدين، فهو أراد أن يكون للسكون ضدًا آخر غير التحريك المطلق(الفتح) فنص عليه، والحديث في الضد الذي لم يذكره الإمام الشاطبي، ولم ينص عليه بأن يستغني بذكر أحد الضدين عن الآخر حيث قال: (وَمَا كانَ ذَا ضِــــــــــــــدٍّ فَإِنِّي بَضِدِّهِ غَنّيٌّ).

أما الجزم فهو من الأضداد الاصطلاحية، وقد أدرجه الإمام الشاطبي ضمن الأضداد العقلية، ولعل السبب (أنه لما كان اصطلاحًا وحيدًا من الاصطلاحات النحوية أضافة إلى الأضداد الغقلية باعتبار أن من اطلع على هذا الفن ملمًّا بالمبادئ النحوية، فبهذا أشبه العقلى لمساواة سرعة الإدراك في كل منهما)[5]، وهو من الأضداد المطردة غير المنعكسة فالجزم ضده الرفع، وليس الرفع ضده الجزم وإنما ضده النصب كما سيأتى.

قال أبو شامة: (ضد الجزم عنده الرفع، ولا ينعكس الأمر، فهذا مما اصطلح عليه، فإذا كانت القراءة دائرة بين الجزم والرفع، فإن ذكر قراءة الجزم ذكر الجزم مطلقًا بلا قيد، فتكون القراءة الأخرى بالرفع لأنه ضده عنده) [6] 

مثاله: قول الإمام الشاطبي: (وَحَرْفَا يَرِثْ بِالْجَزْمِ حُلْوُ رِضىً).

يعني أن أبا عمرو والكسائي المشار إليهما بالحاء والراء في قوله (حُلْوُ رِضىً) قرأ {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: ٦ ]  بسكون الثاء في الكلمتين على الجزم فتعين للباقين القراءة برفع الثاء فيهما.

ثانيًا: الأضداد الاصطلاحية: وتنقسم إلى أضداد منعكسة، وغير منعكسة؛ أما المنعكسة فهي ما ذكره في قوله:

   وَآخَيْتُ بَيْنَ النُّونِ وَالْيَا وَفَتْحِهِمْ  ***  وَكَسْرٍ وَبَيْنَ النَّصْبِ وَالخَفْضِ مُنْزِلَا

يعني أنه آخى بين النون والياء، فجعلهما ضدين، وكل واحد منهما يدل على الآخر، وآخى كذلك بين الفتح والكسر، وبين النصب والخفض، فمثلًا إذا ذكر النون لقارئ فتكون قراءة المسكوت عنهم بالياء، وإذا ذكر الفتح لقارئ فتكون قراءة المسكوت عنهم بالكسر وهكذا. مثل قوله(نُعَلِّمُهُ بِالْيَاءِ نَصُّ أَئِمَّةٍ) يعني أن عاصمًا ونافعًا المشار إليهما بالنون والهمزة في قوله(نَصُّ أَئِمَّةٍ) قرآ ﱡﱣ ﱠ في قوله تعالى {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ}   [آل عمران: ٤٨ ] بالياء، فتكون قراءة الباقين بالنون (ونعلمه). فإذا أضفنا السكون تكون الأضداد الاصطلاحية المنعكسه كالآتي:

ــــ  النـــون    وضــــده   اليـــــــــاء

            ــــ الفتح     وضــــده    الكســر

           ــــ النصب   وضــــده   الخفــض

          ــــ السكون   وضــــده   التحريك المطلق(الفتح)

قال الإمام:

وَآخَيْتُ بَيْنَ النُّونِ وَالْيَا وَفَتْحِهِمْ *** وَكَسْرٍ وَبَيْنَ النَّصْبِ وَالخَفْضِ مُنْزلا

وقال:

وَحَيْثُ جَرَى التَّحْرِيكُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ    ***  هُوَ الْفَتْحُ وَالْإِسْكانُ آخَاهُ مَنْزِلَا

تنبيه: ذكر الإمام الشاطبي للفتح ضدين: الفتح ضده الإمالة حين قال: كَمَدٍّ وَإِثْبَــــاتٍ وَفَتْــــحٍ وَمُدْغَــــــــــمٍ، والفتح ضده الكسر في قوله: (وَآخَيْتُ بَيْنَ النُّونِ وَالْيَا وَفَتْحِهِمْ وَكَسْرٍ) فكيف نفرق بينهما؟

والجواب: أنه إذا ذكر الفتح كان ضده الكسر إلا في موضعين الفتح فيهما ضد الإمالة هما في قوله في سورة يوسف (والفتح عنه تَفَضَّلا)، وفي باب الإمالة (ولكن رءوس الآي قد قَلَّ فتحها له)، ولم يستعمل الفتح ضد الامالة في غير هذين الموضعين. والذي يستعمله كثيرًا الإمالة وضدها ترك الإمالة، ويعبر الناظم عنها أيضًا بالإضجاع نحو (وإِضجَاعُك التوراةَ ما رُدَّ حُسنُه)[7].

أما الأضداد الإصطلاحية غير المنعكسة فقد أشار إليها بقوله:

  وَحيْثُ أَقُولُ الضَّمُّ وَالرَّفْعُ سَاكِتًا  ***  فَغَيْرُهُمُ بِالْفَتْــــحِ وَالنَّصْــــبِ أَقْبَـــــلَا

يعني أنه إذا ذكر الضم وسكت عن قراءة الباقين كانت بالفتح، وإذا ذكر الرفع وسكت عن قراءة الباقين كانت بالنصب مثل قول الإمام الشاطبي: (نافعٌ بالرّفعِ واحِدةً جَلا) يعني أن نافعًا قرأ كلمة ﱡﭐ ﲙ ﱠ    في قوله تعالى: ﱡﭐ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ  ﲛﱠ النساء: ١١ بضم التاء، فتعين للباقين القراءة بنصبها، لأنه ذكر الرفع وسكت، ويضاف إلى هذه الأضداد (الجزم) كما سبق، فتكون الأضداد الاصطلاحية غير المنعكسة كالآتي:

ــــ الجزم   وضــــده  الرفع

ــــ الضم  وضــــده  الفتح

  ــــ الرفع  وضــــده  النصب

قال الإمام:

وَحيْثُ أَقُولُ الضَّمُّ وَالرَّفْعُ سَاكِتًا   ***   فَغَيْرُهُمُ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْبِ أَقْبَلَا

ـــــ وأحيانًا يطلق الإمام الشاطبي اللفظ دون القيد، حيث قال:

    وفي الرَّفْعِ وَالتَّـــــذْكِيرِ وَالْغَيْبِ جُمْلَةٌ   *** عَلَى لَفْـــظِهَا أَطْلَقْتُ مَنْ قَيَّدَ الْعُلَا

يعني أنه ذكر في مواضع من القصيدة (الرفع والتذكير والغيب) مطلقًا غير مقيد، بمعنى أن يأتى بالكلمة محركة بالرفع ولا يقيدها بالرفع، وكذلك يأتى بالكلمة مذكَّرة من غير أن يقيدها بالتذكير، وكذلك يأتى بالكلمة بلفظ الغيب من غير أن يقيدها بالغيب، مثل قوله:

وَخَالِصَةٌ أَصْلٌ وَلَا يَعْلَمُونَ قُلْ ***  لِشُعْبَةَ فِي الثَّانِي وَيُفْتَحُ شَـمْـلَلا

فلفَظ بكلمة (َخَالِصَةٌ) مرفوعة ولم يقيدها بالرفع، فيفهم أن نافعًا المشار إليه بالهمزة في قوله (أَصْلٌ) يقرأ (خالصة) في قوله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [الأعراف: ٣٢] بالرفع، وباقي القراء يقرؤونها بالنصب، وكذا لفَظ (يَعْلَمُونَ) بالياء الدالة على الغيب دون أن يقيدها به، فدل أن شعبة يقرأ (تعْلَمُونَ) في قوله تعالى: ﱣﭐ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ  ﱢ الأعراف: ٣٨  بالغيب وغيره من القراء يقرؤها بالخطاب ، وكذا لفَظ (َيُفْتَحُ ) بالياء الدالة على التذكير دون أن يقيدها به، فدل أن حمزة والكسائى المشار إليهما بالشين في قوله(شمللا) يقرآن (لا تفتح) في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } [الأعراف: ٤٠]   بالتذكير، وغيرهم يقرؤها بالتأنيث.

 

[1] عدَّ ابن القاصح العذري الجمع وضده من الأضداد الاصطلاحية لا العقلية. انظر: أبو القاسم على بن عثمان بن محمد بن أحمد، المعروف بابن القاصح، سراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي شرح نظم الشاطبية، تحقيق جمال الدين محمد شرف (طنطا، دار الصحابة، الطبعة الأولى 2004)، ص 40 . قلت: وعدها من الأضداد الاصطلاحية لاحتمال أن يكون الجمع ضده التثنية، لكن الناظم لم يستعمل ضدًا للجمع إلا التوحيد فصار ضدًّا بالاصطلاح.

[2] عبد الله محمد بن الحسن بن محمد الفاسي، اللآلئ الفريدة في شرح الإمام الشاطبية، تحقيق جمال الدين محمد شرف، (طنطا، دار الصحابة، 2007)، ج1، ص86.

[3] وممن استخدم هذا التعبير الشيخ عبد الفتاح عبد الغني القاضي في كتابه الوافي في شرح الشاطبية( القاهرة، دار السلام ، الطبعة الثامنة 2012م) ، ص24.

[4] عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم (أبو شامة)، إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع، تحقيق جمال الدين محمد شرف، (طنطا، دار الصحابة ط 2009)، ج 1، ص 103.

[5] الشيخ محمد عبد الدايم خميس، النفحات الإلهية في شرح متن الإمام الشاطبية، (القاهرة، دار المنار، الطبعة الثانية، 2009م)، ص39.

[6] عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم (أبو شامة)، إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع، مرجع سابق، ج1، ص100.

[7] عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم (أبو شامة)، إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع ، مرجع سابق ج1 ص98.

 

عزة عبد الرحيم محمد سليمان

حاصلة على إجازة في القراءات العشر الصغرى، ومؤلفة كتاب المفصل في التجويد

  • 7
  • 0
  • 5,782

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً