إحياء (المسيحية) القديمة فى النرويج وبريطانيا وراء تفجيرات (الأصوليين)

ملفات متنوعة

أما الحسنة الوحيدة لهذه المجزرة النرويجية - لو جاز الحديث عن حسنات
لها - فهي أنها أوقفت هذه الكراهية للإسلام في الغرب نسبيا، وأعادت
الأذهان الي أن الارهاب لا دين له وأنه ليس مرتبطا بالاسلام كما كانوا
يفعلون علي مدار السنوات العشرين الماضية...

  • التصنيفات: اليهودية والنصرانية -

ثلاثة أمور يجب أن نتنبه لها جيدًا على هامش الاعتداءين الذين قام بهما متطرف مسيحي نرويجي على مقر الحكومة ومعسكر شبابي صيفي للحزب الحاكم، وأوديا بحياة 98 شخصًا وأصابا نحو 90 آخرين،:
(الأول) أن مبرر هذا المسيحي المتطرف المتعصب دينيًا (أندرس بيهرينج بريفيك) منفذ مذبحة جزيرة أوتويا النرويجية وتفجير مقر الحكومة؛ اعترف أنه قام بهذا للفت الأنظار لرفضه للتعددية الثقافية في النرويج والسماح للمسلمين وغيرهم بالبقاء في البلاد والعمل، و(الثاني) أن الاعتداء استهدف مخيّم شبابي يعبِّر ضمن أعماله عن التضامن مع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ورفع الحصار ما يكشف خطورة النزعات المتطرِّفة التي تروِّج للتحريض والكراهية ضد الإسلام في أوروبا، أما الأمر (الثالث) فهو أن صحف أوروبية -وخصوصًا الألمانية- تطوعت مبكرا لاتهام "الأصوليين الإسلاميين المتطرفين" بالمسئولية عن الحادث ولم تعتذر عما ألصقته بالمسلمين ما يتطلب مساءلتها قانونيًا من هذه الجاليات الاسلامية.


فهذا النرويجي المتطرف -حفيد حضارة (الفايكينج) الدموية- اعترف أنه فعل ما فعل كراهية في الاسلام، وكتب يوم المجزرة شهادة طويلة تتكون من أكثر من 1500 صفحة على الانترنت عرض فيها بشكل مفصل التزامه العقائدي المعادي للإسلام والماركسية، وأطلق على نفسه ألقاب صليبية قديمة تعود للمسيحية القديمة مثل (قائد فرسان الحق) تيمنًا بالفرسان الصليبيين والعضو في (فرسان الهيكل)، حتى أنه ترك شريط فيديو بهذا الاسم الاخير، وغالبًا ما ينتقد الإسلام والتعددية الثقافية والماركسية على الانترنت حيث ينشط كثيرًا، ووصف نفسه بقوله : "لست عنصريًا ولم أكن يومًا عنصريًا.. ولكنني محافظ مسيحي يهوى ألعاب الكمبيوتر الحربية".
وقد ترك شريط فيديو مدته 12 دقيقة نشر على موقع يوتيوب تحت عنوان (إعلان استقلال أوروبا)، ظهر فيه وهو يحمل سلاحًا آليا ويرتدي بدلة غوص زينت بشارة عليها نقش الصياد الماركسي، وحمل شريط الفيديو عنوان فرسان الهيكل 2083، كما انتقد -في النص المكتوب- التعددية الثقافية وأكد أنه ينبغي نفي المهاجرين، وخاصة المسلمين من أوروبا، ووقع باسم أندرو بيرويك.


أما الصحف الأوروبية التي هاجمت المسلمين بدون تبين الحقيقة -كما سبق أن فعلوا في تفجير أوكلاهوما الأمريكي الذي ارتكبه أيضًا متطرف يميني أصولي مسيحي- فلم تعتذر؛ ولكن بعضها مثل صحيفة (أفتن بوستن) النرويجية، قالت أن ما جرى يؤكد خطأ النظريات التي تعتبر المتطرفين الإسلاميين هم الجناة، لأن الإرهاب جاء من الداخل وليس من الخارج، وأراد المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا أن يلقن الصحف الالمانية التي اتهمت المسلمين درسًا فأصدر بيانًا ينتقد وصف وسائل الإعلام لمنفذ الاعتداء بأنه أصولي مسيحي، مؤكدًا أن: "المسلمين كما يدينون بشدة ربط الاعتداءات التي يشنها إرهابيون مسلمون بأنها اعتداءات إرهابية إسلامية، فإنهم يرفضون أيضًا الزج بالعقيدة المسيحية في هذا العمل، لأن الإرهاب لا دين له".


إحياء المسيحية القديمة:
والملفت الذي يجب أن تدركه جهات التحقيق الغربية هو أن هناك ليس فقط انتعاش لظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا -أي الخوف من الإسلام- ولا التحريض على الإسلام نفسه وطرد أبنائه واضطهادهم، وإنما بدأت تظهر توجهات أشد تطرفًا ضد الإسلام من جهة، وضد الانحلال المنتشر في الغرب عبر الدعوة لإعادة إحياء تعاليم المسيحية القديمة بعدما اندثرت المسيحية في الغرب وهجر الأوروبيون كنائسهم أو حولوها إلى أنشطة أخرى؛ بسبب حالة الرفض للدين وكراهيته وعزوف الغربيين عن اعتبار أنفسهم مسيحيين أو يؤمنون بأي دين أصلًا!


هذا الإحياء للمسيحية القديمة والذي انتعش في بريطانيا وبدأ ينتقل لدول أخرى منها النرويج التي سبق لحكامها الفايكينج القدامى أن حكموا جزر بريطانيا بعدما غزوها، لم يتخذ للأسف شكل التدين المعتدل، بقدر ما أخذ شكل رد الفعل الحاد المتطرف بدوره ضد التطرف الإلحادي في المجتمع الأوروبي، بحيث أصبح من الطبيعي رؤية جماعات مسيحية متطرفة تدعو للعودة لإحياء المسيحية القديمة بعقلية العصور الوسطى التي كانت تكره الإسلام وكان لها دور في محاكم التفتيش في إسبانيا ضد المسلمين وقتلهم وتعذيبهم بطرق بشعة لا علاقة لها بالمسيحية النقية المتسامحة.


وسبق أن أشارت صحيفة "سنداي تليجراف" إلى قضية التمييز الديني فى بريطانيا في ضوء تقرير لجنة المساواة وحقوق الإنسان البريطانية، والذى يشير إلى وقوع بعض الجماعات الدينية داخل بريطانيا فريسة لجرائم التمييز، ونقلت الصحيفة في موقعها الإلكتروني عن تريفور فيليب رئيس اللجنة اتهامه للجماعات المسيحية المتشددة فى بريطانيا بكونها أكثر تطرفًا بل إنها فى بعض الأحيان "تفتعل وتختلق نزاعات وأزمات يكون الدافع خلفها في الغالب نابعًا من أهداف ومطامع سياسية"، وبالمقابل قال تريفور فيليب إن: "موقف المسلمين البريطانيين المعتدل ورغبتهم في الانصهار في المجتمع البريطاني يرجع إلى التسامح الديني الإسلامي بوصفه دينًا يتلاءم مع متطلبات المجتمع الليبرالي الديمقراطي الحديث، بما جعل المسلمين يستفيدون من الديمقراطية الحرة التي تكفلها بريطانيا لمواطنيها".


وأعرب تريفور عن اعتقاده بأن الضحايا الحقيقيين لجرائم الكراهية والتمييز داخل المجتمع البريطانى هم المسلمون، محذرًا من خطر محاولة إحياء المسيحيين البريطانيين ما أسماه "المسيحية القديمة" داخل أروقة الكنائس الكاثوليكية والذي يعتقد بانها لا تتلاءم ومتطلبات مجتمع بريطاني حديث يضم داخل نسيجه أعراقًا وثقافات مختلفة" حسبما قال.

وكان تقرير اللجنة قد أفاد بارتفاع أعداد قضايا التمييز على أساس ديني من 70 إلى 1000 سنويًا، مما دفع فيليب للإعراب عن قلقه أن يكون الدافع وراء بعض تلك القضايا هو نظرة متعصبة من قبل الجماعات المسيحية المتشددة في بريطانيا، والتي أضحى لها تأثير ونفوذ كبير على الكنائس البريطانية مع قدوم المهاجرين من دول الكاريبي وأفريقيا إلى بريطانيا تحدوهم أفكارًا غير متسامحة.


وهناك اعتقاد بأن احد أسباب انتشار هذا اللاتسامح من قبل أتباع هذا التيار الذي يعتنق افكار المسيحية القديمة أو مسيحية العصور الوسطى الظلامية؛ يرجع أيضًا لحالة العزوف عن الكنيسة من قبل الأوروبيين بسبب ما تكشف من فضائح الرهبان الجنسية ضد الأطفال والراهبات، ما دعا لقلة المصلين في كنائس أوروبية، حتى أن هناك إحصائية عن احتمال تعرض 4000 كنيسة بريطانية للغلق بحلول عام 2020م، وهروب الشباب الأوروبي من الديانة المسيحية، والتراجع في المبادئ الدينية الأساسية، كالسماح برجال دين شواذ جنسياً وبتزويج الشواذ وهو ما اعتبره بابا الفاتيكان نذير خطر يجعل مستقبل أوروبا المسيحية "كئيب وينذر بالخطر"، محذراً بدوره من انحسار الهوية المسيحية في ظل انخفاض معدل المواليد وزيادة عدد المهاجرين المسلمين، وميل الأوروبيين كذلك لاعتناق عقائد آسيوية لا علاقة لها باليهودية والمسيحية والإسلام.


ولذلك بدأت تلوح في الأفق ملامح مقاومة يقودها شباب متعصب ورجال دين وعلمانيون مثقفون ضد شطب المسيحية من قاموس الحياة في أوروبا، ليس بمعنى تديين الدولة أو إلى أن تصبح المسيحية هي القوة المحركة للمجتمع؛ ولكن بمعنى أكثر تعصبًا تتحول إلى عصبية تستبعد الأقليات الأخرى خصوصًا الإسلام سواء بدافع تاريخي متعصب نابع من ثقافة العصور الوسطى والحروب الصليبية، أو بدافع من التحريض الصهيوني في أوروبا ضد العرب والمسلمين وتشويه صورتهم خصوصًا بعد تفجيرات 11سبتمبر .


والحقيقة أن هذا التطرف والأصولية التي أظهرها تفجير النرويج يرجع للأصول التاريخية وشعب الفايكينج الوثني الذي أرعب أوروبا، حيث أغار قراصنة الفايكنج بانتظام على شواطئ أوروبا الغربية وحكموا جزر بريطانيا وغيرها من المناطق الأوروبية، فالفايكنج هم أولئك المقاتلون الأشداء الذين جاؤوا من اسكندنافيا (النرويج والدنمارك والسويد) بعدما كانوا يعيشون في الجبال، وعرف عنهم الحروب الدموية وارتدائهم لقبعات غريبة بقرون واستخدام الأسلحة المعدنية الثقيلة.

وعبادة الفايكنج كانت مثل اليونان القدامى تقريباً، حيث كانوا يؤمنون بوجود عدة آلهة مثل أودين وثور وغري.. ولكن ديانة الفايكنج انتهت تمامًا بعد خسارتهم الحروب ضد الإنجليز وفرض الكنيسة شروطاً عليهم نتج عنها التحول إلى المسيحية في النهاية.


وعندما اعتنق ملوك الفايكينج المسيحية عام 965 ميلادية، نشر بعض الملوك أسس الدين بطريقة الفايكنج المتطرفة للإقناع، حيث أمر الملك (أولر) بقتل كل من لا يعتنق المسيحية حينئذ ونتج عن ذلك هروب عدد كبير من الاسكندنافيين ليستقروا في الأراضي الساحلية غربًا.


وقد وصف الشاعر النرويجي (هوفارد ريم) حضارة بلاده في كتابات أدبية وشعرية له بقوله أنها بلاد "تمجد المشنقة"، حيث يقول في مجموعة شعرية بعنوان (بلاد المشنقة): "عندما حصلت على الأناجيل مخزونة على قرص كومبيوتر، قمت بتجربة بسيطة لم تستغرق أكثر من خمس ثوان، فقد وضعت الأقراص في الكومبيوتر وبحثت عن كلمة "صليب" واستبدلتها بـ "مشنقة"، ذلك لأن الصليب في الإمبراطورية الرومانية قبل ألفي عام زمن المسيح، كان له نفس فعل المشنقة في الغرب اليوم ونفس فعل الكرسي الكهربائي في أمريكا".

ويقول أنه بعد استبدال كلمة بأخرى "حصلت على نص للأناجيل يتحدث عن المشنقة لا الصليب، وهو نص دموي وبشع، فبدأت أتصور فيما لو غيرت صور الصليب على العلم النرويجي بمشنقة وفيما لو أن رموز الصليب على منارات الكنائس تحولت الى مشانق، سنرى الواقع بشكل آخر، إن حضارتنا اليوم تمجد جهاز الإعدام كرمز ديني وقومي، أنا أستغرب ان العقل الغربي حتى هذه اللحظة لا يتمرد على هذه الحضارة، وما الذي يرجى من حضارة وشعوب تقدس جهاز الإعدام!".


ولا شك أن هذه الثقافة التاريخية لعبت دورًا في انتشار التطرف بين مسيحيين يمينيين متعصبين أوروبيين كما هو الحال بنسبة لآخرين من أديان أخرى في النرويج ودول أوروبية أخرى، وزادت بالتزامن مع توجه عام ينتشر في عدة دول أوروبية -أبرزها إنجلترا- للعودة إلى ما يسمى (المسيحية القديمة) ومحاولات إحياءها حاليًا ردًا على العزوف المتزايد هناك عن الكنيسة وعن الدين المسيحي وانتشار الإلحاد والحضارة المادية.

وقد أظهرت استطلاعات الرأي قام بها مركز أبحاث أُنشأ حديثًا يحمل اسم "ثيوس" -وهي الكلمة اليونانية التي تعني الرب- أن جيل الشباب في أوروبا بات أكثر تقبلًا لدخول الدين الحياة العامة من جيل الآباء، مما يعني أن المستقبل واعد لدعاة استعادة الوجود المسيحي.


أما الحسنة الوحيدة لهذه المجزرة النرويجية -لو جاز الحديث عن حسنات لها- فهي أنها أوقفت هذه الكراهية للإسلام في الغرب نسبيًا، وأعادت الأذهان إلى أن "الإرهاب" لا دين له وأنه ليس مرتبطًا بالإسلام كما كانوا يفعلون على مدار السنوات العشرين الماضية، ومع هذا فهناك مخاطر من أن يكون الهدف الذي سعى له هذا المتطرف النرويجي من هذا القتل؛ وهو لفت أنظار الأوروبيين لضرورة التخلص من المسلمين وغير الأوروبيين من بلادهم، هو الرسالة التي قد تصل للأرووبيين وليس العكس.. فحينئذ ستزداد العنصرية ضد الإسلام وليس العكس!


26/8/1432 هـ

المصدر: جمال عرفة - موقع المسلم