مزالق المربين في المعايشة التربوية (2-2)

ومما ينبغي التنبيه له: أن من الأسس المهمة التي تقوم عليها المعايشة التربوية, هي المعايشة الفردية والجماعية, فيعمل المربي على المعايشة مع الطالب معايشة فردية, يكتشف فيها الطالب وما يميزه وما يعيبه وما ينبغي زرعه فيه

  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة -

 

معاوية العايش


6. لا تُميز طالباً في معايشتك التربوية, إلا تمييزاً تربوياً:
إن من أقوى الأدوات التي يملكها المربي في تربيته هي تكريم المحسن, فبهذا التكريم يُزجر المُخطئُ بطريقة غير مباشرة, غير أن هذا التكريم ينبغي أن لا يصل إلى مرحلة التكريم المطلق "التمييز المطلق", الذي يتعدى من مرحلة تكريم الطالب لفعله الحسن, إلى مرحلة تكريم الطالب لشخصه, وهذا التكريم لا نقصد به جائزة محسوسة, بل هو المدح والثناء وتقريبه من المربي ... إلخ, فينبغي أن يُنتَبه في هذا التمييز أن يكون تمييزاً تربوياً مربوطاً بالفعل الحسن, وإذا تعدى هذا التمييز لأن يكون تمييزاً مطلقاً فإن هذا مما يخلق الحسد والبغضاء والشحناء بين الأقران, بل يصل أحياناً إلى كره المربي أيضا نتيجة لذلك التمييز, فضلاً عما يُولّده ذلك التمييز من زهو النفس عند الطالب.
ومما ينبغي التنبيه له: أن من الأسس المهمة التي تقوم عليها المعايشة التربوية, هي المعايشة الفردية والجماعية, فيعمل المربي على المعايشة مع الطالب معايشة فردية, يكتشف فيها الطالب وما يميزه وما يعيبه وما ينبغي زرعه فيه.. إلخ, ويعمل كذلك المربي على المعايشة مع الطالب معايشة جماعية فيرى فيها الطالب في مخالطته مع أقرانه واحتكاكه بهم, فيرى إنكاره للمنكر أو أمره بالمعروف, أو يرى من المتربي ما يُصدم من حالته نتيجة لتلك المخالطة والتي تستدعي التوجيه والإصلاح؛
ولا ينبغي للمربي العمل على ترك الفردية أو الجماعية فيعيش في أوهام مع المتربي, حتى إذا عايشه معايشة حقيقة وسبر شخصيته وحالته, صُدم بالواقع.

7. المعايشة لا تعني إقحام النفس بخصوصيات المتربي:
إقحام المربي نفسه بخصوصيات المتربي يكون غالباً مبعثه سوء الظن وكثرة الشك بالمتربي, وهذه تدعوه إلى المبالغة بمراقبة المتربي, واستنطاقه عن ذنوبه, بل والتدخل أحياناً بخصوصياته العائلية, وأحياناً تصل إلى تفتيش هاتفه !
وأنا أزعم أن حسن الظن في المتربي من الأساليب التربوية في إصلاح المتربي, فهذا مما يزيد من متانة الحاجز بين المتربي وبين وقوعه في المعاصي, فكلما همّ المتربي بالوقوع بالذنب تذكر إحسان ظن مربيه به, فكان هذا حاجزاً إضافياً مع حاجز التقوى ومخافة الله وغيرها مما يكون دافعا له لترك المعاصي أو التقليل منها على الأقل, ومما يؤكد هذا الحديث الذي رواه معاوية بن ابي سفيان عن النبي ﷺ : "
«إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم» " حسّنه الألباني , فإظهار الشكوك في المتربي وكثرة إقحام النفس في معرفة ذنوب الخلوات التي يدافع المتربي فيها نفسه- مما يزيد من فساد المتربي.

8. لا ينبغي تضييع الوقت بالمعايشة التربوية الزائدة عن الحاجة:
للمعايشة قدرٌ واجبٌ ينبغي الحرص عليه وعدم إهماله بحال من أحوال, وللمعايشة قدر مستحب يُستحسن الحفاظ عليه, وللمعايشة قدر مباح, ينبغي إعطاؤه قدره وعدم تقديم الفاضل عليه, بل إن الإكثار منه مما يُضيع وقت المربي عن تنمية ذاته, وعن واجباته الشرعية أو الدنيوية,
فلا بد للمربي من وقت يرتقي فيه بذاته, ومن أمثلة تلك المعايشة الزائدة؛ ما نراه من مجالسة المربي مع المتربي لساعات طويلة مع حديث لا قيمة له, أو التعمق في شأن من شؤون الدنيا, التي لا ينبغي التعمق فيها مع الطلاب من باب "أولويات الهموم" عند المربي, فَزَرعُ المربي لهموم الدعوة وهموم الأمة وغيرها في الطالب خلال معايشته هي الأساس, لا أن يزرع فيه هَماً من هموم الدنيا, فقد سَدَّت البيئة الخارجية هذا الثغر, فلا ينبغي للمربي الإكثار من الانشغال بها ولا بأس بذكرها عَرَضاً.

• هذه أهم المزالق التربوية التي قد تقع من بعض المربين, فينبغي الحذر والتحذير منها, فاجتنابها ابتداءً خيرٌ من إصلاح ضررها بعد وقوعها, فالدفع أسهل من الرفع, والله المستعان, والحمد لله رب العالمين.

• ملاحظة: الورقة مستفادة من كتابات ومحاضرات مجموعة من التربويين كسالم البطاطي وفايز الزهراني ونوح الشهري وغيرهم ممن لا أذكرهم, ومن أهم الكتب التي دفعتني لكتابة هذه الورقة هو كتاب المعايشة التربوية لسالم البطاطي وقد استفدت منه, كما أن بعض ما كُتب من اجتهاد أخيكم –غفر الله له-.

كتبه/ معاوية العايش
18/ ذو القعدة / 1440هـ
21/7/2019