قصة نوح عليه السلام

تلقَّى نوح التكليف بالرسالة، وتوجه إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله باذلًا جهده في إقناعهم، لا يريد منهم أجرًا على جهده، وإنما يسرُّه كلَّ السرور أن يقبل الجميع دعوته، وأن يسارعوا إلى نبذ الشرك، والاعتصام بحبل الله المتين

  • التصنيفات: قصص الأنبياء -

ذكَر القُرْآن الكريم نبي الله نوحًا عليه السلام في سور عديدة، أسهب في ذكره في بعضها، كسورة هود والشعراء والصافات ونوح، وأطنب جدًّا في بعضها الآخر؛ كسورة يونس والنجم والقمر والتحريم، وذكر ذكرًا عابرًا في سور مثل النساء والأعراف والتوبة وغافر، ومن خلال ربط الآيات بعضها ببعض سيتكون عندنا قصة واضحة عن الفترة التي بُعث فيها نوح عليه السلام لدعوة الناس إلى التوحيد بعد أن مالوا عن طريق الصواب، وأن الناسَ في عهد نوح قد ابتعدوا عن المسيرة الإيمانية التي جاء بها الأنبياء قبل نوح؛ مثل: شيث، وإدريس، وقد نشأ مِن هذا البُعد أنِ اختلطت الأمور على الناس، والتبس الحق بالباطل.

 

فوجد الناس أنفسهم ينحدرون إلى الشرك من باب حبِّ الخير وأهل الخير، فانقلَب هذا الأمر عند تقادم العهد إلى تعزيز الشرك وتأصيله، حتى غدَا هو السائدَ، وما سواه دخيل وشاذ مخالف لِما عليه الأغلبية، لا يُعتَرَف به، فكان التوحيد غريبًا ينبغي محاربته، ومخالفًا لِما وُجد عليه الآباء: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]، وقد ورَد أن هذه الأسماء هي لأناس صالحين، أراد أقوامهم تخليد ذكراهم والاقتداء بهم والسير على نهجهم، فانقلبت هذه المحبة - مع تقادم العهد - إلى عبادة وتقديس بما ألقاه إليهم الشيطان - العدو المتربص بالمؤمنين - من أوهام تجاههم، فزيَّن لهم عبادتهم بما أضفاه عليهم من قداسة وخوارق، وأن هؤلاء الآلهة مصدر كل خير، فأضحى الشر سائدًا وهو الأساس، وكل دعوة مخالفة لهذا الذي اعتقده ينبغي محاربتها بضراوة، وفي كل مجتمع يقوم على مثل هذا الاعتقاد لا بد من وجود منتفعين يجنُون الأرباح والجاه، يقفون ضد التغيير المصادم لمصالحهم، ويحرِّضون العامة والغوغاء ضد النبي المصلح الذي بُعث لهدايتهم وإنقاذهم من العمى والضلال، والأخذ بأيديهم إلى طريق الهدى الموصل إلى رضوان الله وجناته، وكان هذا ما واجه نوحًا عليه السلام، فقد بعثه الله إلى قوم ضلوا الطريق، واحتاجوا إلى مرشدٍ يسلك بهم الطريق الصواب، فكان قدر نوح أن يكون هو النبي المرسل إليهم {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1].

 

 

وهكذا تلقَّى نوح التكليف بالرسالة، وتوجه إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله باذلًا جهده في إقناعهم، لا يريد منهم أجرًا على جهده، وإنما يسرُّه كلَّ السرور أن يقبل الجميع دعوته، وأن يسارعوا إلى نبذ الشرك، والاعتصام بحبل الله المتين:  {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون} [نوح: 2 - 4]، وبذَل الحجة والمنطق في الإقناع، وبرهن لهم حقيقة الأصنام، وأن موجِد هذا الكون هو الله الواحد الأحد، الذي يُحيي ويميت، ويهَب ويمنع، وهو الغفور لمن أناب وتاب، لكن ماذا رد قوم نوح؟ فاسمَعْ لنوحٍ وهو يصفهم باختصار: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} [نوح: 5، 6]، يا إلهي! كم عانى نوحٌ مِن قومه ومن صدِّهم واستكبارهم؟ لكنه بالتأكيد صبر عليهم، وهذا من صفات الأنبياء؛ الصبر ثم الصبر ثم الصبر، برغم استفزازهم له وسخريَّتهم به، {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7]، عنادٌ ما بعده عناد؛ أن يسدُّوا الآذان عن سماع الحق، ويتقنَّعوا بالثياب، وقد عطلوا حاستي السمع والبصر، فلا يريدون أن يسمعوا أو يروا، وقد نوَّع نوح في أساليب دعوته لهم؛ لعله يصل إلى القبول عندهم، فيصيخوا إليه بسمعهم، {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 9، 10].

 

ومِن التنويع في أسلوب الدعوة: تحسين الأحوال في الدنيا، والتبشير بعيش رغد وحياة فضلى؛ حيث يفيض الماء، ويكثُرُ الولد: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12]، ثم وجَّههم إلى ما خلق الله لهم على الأرض، وما سخَّر لهم في هذا الكون لفائدتهم: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 15، 16]، وبرَغْم هذه الدلائل الظاهرة والحجج الباهرة، أحجَم قوم نوح عن اتباع الحق، والسير في طريق الهدى، واتبعوا كبراءهم، غيرَ عابئين بسخط الله وغضبه، وهذا منتهى الجحود والنكران لإنعام المنعِم؛ {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} [نوح: 21].

 

استمرَّتْ دعوةُ نوح لقومه زمنًا ليس باليسير؛ فقد تطاولت به المدة حتى أعذر بشأنهم، وشهدت فترة دعوته أجيالًا وقرونًا، وكأن الكبار كانوا يوصون الصغار والناشئة بعدم قبول دعوة نوح، فكان الجيل الجديد أشد إنكارًا وعتوًّا وتفلُّتًا من آبائهم، وقد شعر نوح بأنه أصبح بينهم غريبًا متهمًا بالجنون والتخريف، وهم الأوفر شبابًا والأكثر فهمًا بأمور الدنيا ومتطلبات العيش، فلماذا العودة إلى الوراء؟! وعرَف نوح ما يدور في أذهانهم تجاهه، وكيدهم له، ومكرهم به؛ للخلاص منه؛ {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71]، ولكن لا بد لجُهد نوح في الدعوة من ثمرة؛ فآمن معه عدد قليل من قومه، والتزموا بتعاليمه، إلا أن قوتهم لا تزال ضعيفة أمام قوى الشر الطاغية، وبهذا تعالى عليه المتكبرون، وأنِفوا من الدخول في دينه؛ {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]، وصعَّد القوم لهجتهم ضد نوح وأتباعه، وعدُّوهم من السفهاء الخارجين على المجتمع، وأنهم كاذبون في دعواهم؛ {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ } [القمر: 9]، وربما قاطَعوهم اجتماعيًّا، وتكتَّلوا ضدهم لعزلهم، ومَنْع رافد جديد لهم من قومهم.

 

قال ابن إسحاق: "إن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون"، ومع كل هذه الضغوط من الصادين فإن نوحًا لم يَيْئَس مِن جدالهم بالتي هي أحسن، {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} [هود: 28]؛ أي: فلم تهتدوا لهذه الرحمة بسبب صدكم، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28]، فلن تدركوا هذه الرحمة وأنتم تحملون الكراهية لها، وأنا لن ألزمكم بها، ولن تنتفعوا بها إلا بقبولها راضين بها عن حب وقناعة، فأما المتكبرون الذين غلَّف الران قلوبهم، فلن ينالوها، ولن يحظَوْا برضا الله لهذا الخُلق الذميم؛ فالدعوة مفتوحة للناس جميعًا، بلا تفريق بين عظيم وصغير، كل الناس أمام الله سواء، والإيمان يوحد القلوب، ويؤاخي بين المؤمنين، {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود: 29].

 

ما زال الجهلُ والعمى مسيطرًا عليكم، وما زلتم لا تدركون معنى الأخوة في الدين، فاصحُوا مما أنتم فيه من العَماية والضلال، لكن كل هذه النصائح لم تجِدْ سبيلًا إلى قلوبهم، وجعلوا من الضعفاء المؤمنين مشكلتهم، وأصبحت كأنها هي العقبة التي تمنعهم من قبول دعوة نوح عليه السلام، وأضحى إيمانهم مرتبطًا بطرد المؤمنين الضعفاء، {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الشعراء: 111 - 115]، فكانت إجابةُ نوح أنه نبي يبلغ الرسالة، والأمر لله في القَبول وعدمِه، {وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 30]، أتظنون الأمر سهلًا، وتقيسونه بمقاييسكم الدنيوية؛ حيث تصنِّفون الناس وفق الغنى والفقر، وتجعلون الناس طبقات، هذا منطقكم، فهذا عملٌ ضال لا يقبله الله منكم؛ لأنه قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، فعليكم أن تتذكروا هذا القانون، وإياكم وتجاوُزَ هذا الحد، وإن دخلتم في الإيمان فلتعلموا أن هذا لصالحكم ولإنقاذكم من النار، {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} [هود: 31]، فلا تظنُّوا أن عندي الأموال، فأمنحكم منها ما تشاؤون، فأنا عبد، والأمر كله لله؛ فهو الذي يعطي ويمنع، ويرزق ويغدق، أو يمنع ويقتر،  {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [هود: 31].

 

كما لا أقول لمن آمن من الفقراء والضعفاء بأنهم سيستمرون على ما هم عليه من الفقر والضعف إلى أن يتوفاهم الله، فهذا الأمر أيضًا ليس لي، إنْ أنا إلا عبد مأمور مكلف بالرسالة لأبلغكم إياها، فهذه مهمتي، وأما تغيُّر الحال من غنى إلى فقر أو من فقر إلى غنى ومن صحة إلى مرض أو من مرض إلى صحة - فكلُّ أحوال الناس وتقلباتها بيد الله، أما اعتراضهم على دخول الفقراء في الدين، فلم يكن إلا نوعًا من الجدال العقيم والحجج الواهية التي يتذرعون بها للمماطلة والتعويق، فهم أصلًا لا يريدون الإيمان، ولا يرغبون فيه، {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32].

 

ولم يكُنْ بعدُ قد أعد للطوفان عدته، وإنما كان التخويف بشكل عام من غضب الله، وأخذهم بالسنين، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وهذا استنتاج من سورة نوح، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12]، فوعدُهم بهذه الخيرات إن استغفروا ربهم دليل فقدانها عندهم، وحاجتهم لها، وبعد الصدِّ ضاق بهم نوح، وشكا حاله إلى ربه بعد صبر طويل، وتحمل للأذى قولًا وفعلًا؛ {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 116 - 118]، فالأمر أخَذ طابع المواجهة؛ لأن نوحًا مكلَّف بالتبليغ، وأنى له أن ينتهي واللهُ قد كلفه بالتبليغ؟ فلا بد من الصبر والمعاناة، وطالت المعاناة مع أولئك المعاندين الأشقياء، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14].

 

وهل هناك مدة أطول من هذه المدة في الدعوة، فما أصبرك أيها النبي الكريم! لقد فسحت المجال لسماع الدعوة لأجيال وأجيال لكي يتفيؤوا ظلالها، ولكن هيهات لمن غلَّف الران قلبه، وتمكن الشيطان من إساره فأضحى شمسًا لا يقبل الهدى {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود: 36]، لقد صبر نوح عليهم كثيرًا، وجرب دعوته في عدة أجيال منهم، فما كان منهم سوى الصد والعناد واتهامه بالجنون، وهنا حقَّ على المعاندين العذاب والاستئصال، واستوجبوا عقاب الله، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}[هود: 37]، لقد قضى الله فيهم قضاء لا مردَّ له، وكتب عليهم الهلاك غرقًا.


_______________________________________________

د. محمد منير الجنباز