العشر الأواخر وأعمال البر

سارع بأعمال البرِّ في العشر الأواخر من رمضان، وقد قارب موسم الخيرات والطاعات أن ينقضيَ وتُطوى صحائفُ الأعمال الخاصة به، فيا فوزَ مَن عمل فيه واجتهَد! ويا خَسارة مَن كسل وترك العمل، وتردَّد بين النوم وشهوات الدنيا!

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبة الغُرِّ الميامين.

أما بعد، أيها الإخوة المسلمون:

فحديثنا هذا اليوم عن أعمال البرِّ في العشر الأواخر من رمضان، وقد قارب موسم الخيرات والطاعات أن ينقضيَ وتُطوى صحائفُ الأعمال الخاصة به، فيا فوزَ مَن عمل فيه واجتهَد! ويا خَسارة مَن كسل وترك العمل، وتردَّد بين النوم وشهوات الدنيا!

 

والذي ينبغي أن نتذكَّره أنه لا تَزال الفرصةُ سانحة لمن أراد أن يَعمل ويتقرَّب إلى الله؛ فما تبقَّى من ليالٍ أفضلُ مما مضى، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخَل العشرُ شدَّ مِئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهلَه"؛ متفق عليه.

 

وفي رواية لمسلم: "كان يَجتهد في العشر الأواخر ما لا يَجتهد في غيره"، وهذا يدل على أفضلية هذه العشر، فكان صلى الله عليه وسلم يتمثَّل اجتهاده في هذه العشر الليالي في أمور:

أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر شدَّ المئزر، قيل: إنه كنايةٌ عن الجِدِّ والتشمير في العبادة، وقيل: كناية عن ترك النِّساء والاشتغال بهن.

 

وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم يُحيي فيها الليل بالذِّكر والصلاة وقراءة القرآن وسائر القُرُبات، ومعنى إحياء الليل أنه يَسهر الليل في العبادة، فيُحييه بذِكْر الله والصلاة وتلاوة القرآن.

 

وثالثها: أنه يوقظ أهله فيها للصلاة والذِّكر؛ حرصًا على أهله؛ لئلاَّ يَضيع عليهم اغتنامُ هذه الأوقات الفاضلة.

 

ورابعها: أنه كان يَجتهد فيها بالعبادة والطاعة أكثرَ مما يجتهد فيما سواها من ليالي الشهر.

 

وعليه؛ فاغتنِم بقية شهرك فيما يُقرِّبك إلى ربك، واترك تضييعَ الأوقات فيما لا فائدة فيه، وعليك بالتزوُّد لآخرتك من خلال قيامك بما يلي:

1 - الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة بالصلاة والذِّكر والقراءة وسائر القربات والطاعات، وإيقاظ الأهل لِيَقوموا بذلك كما كان صلى الله عليه وسلم يَفعل.

 

قال الثوري: أحَبُّ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجَّد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.

 

وليحرص على أن يصلِّيَ القيام مع الإمام حتى ينصرف؛ ليحصل له قيام ليلة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه مَن صلَّى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة)؛ رواه النَّسائي وأبو داود وأحمد، وصححه الألباني.

 

2 - اجتهد في تحرِّي ليلة القدر في هذه العشر؛ فقد قال الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: {مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه}؛ (متفق عليه).

 

ومعنى قولِه صلى الله عليه وسلم: (إيمانًا)؛ أي: إيمانًا بالله وتصديقًا بما رتَّب على قيامها من الثواب، و(احتسابًا) للأجر والثواب، وهذه الليلة في العشر الأواخر كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»؛ (متَّفق عليه). وهي في ليالي الوتر أرجى مِن ليالي الشَّفع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العَشْر الأواخر من رمضان»؛ (رواه البخاري).

 

وهي في السبع الأواخر أقرَب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْتَمِسوها في العشر الأواخر؛ فإن ضَعُف أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السبع البَواقي»؛ (رواه مسلم).

 

وأرجى ليالي السبع الأواخرِ ليلةُ سبع وعشرين؛ لحديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (والله إني لأَعلم أيَّ ليلة هي الليلةُ التي أمرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها؛ هي ليلة سبع وعشرين)؛ (رواه مسلم).

 

وهذه الليلة لا تختصُّ بليلةٍ معيَّنة في جميع الأعوام، بل تنتقل في الليالي تَبعًا لمشيئة الله وحكمته.

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عقبَ حكايته الأقوال في ليلة القدر: وأرجَحُها كلِّها أنها في وتر من العشر الأواخر وأنها تَنتقل. اهـ.

 

قال العلماءوالحكمة في إخفاء ليلة القدر ليَحصل الاجتهاد في التِماسها، بخلاف ما لو عُيِّنت لها ليلة لاقتصر عليها.اهـ.

 

وعليه؛ فاجتهِد في قيام هذه العشر جميعًا، وأكثِرْ من الأعمال الصالحة فيها، وستَظفر بها يقينًا بإذن الله عزَّ وجل.

 

والأجر المترتِّب على قيامها حاصلٌ لمن عَلِم بها ومَن لم يَعلم؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَشترط العلمَ بها في حصول هذا الأجر.

 

3 - احرص أيها المسلم على إقامة سُنَّة الاعتكاف في هذه العشر.

 

والاعتكاف هو لزوم المسجد والتفرُّغ لطاعة الله تعالى.

 

وقد اعتكف النبيُّ صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة ولم يتركه حتى توفَّاه الله، واعتكف أزواجه من بعده؛ فقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجُه مِن بَعده".

 

والغريب أن الناس ترَكوا هذه السُّنة مع ثبوتها ومحافظةِ النبي صلى الله عليه وسلم عليها، واعتكافِ أزواجه من بعده، ومحافظة السَّلف على هذه السنة.

 

قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم عن أحدٍ مِن العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون.

 

والأفضل اعتكافُ العشر جميعًا؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، لكن لو اعتكف يومًا أو أقلَّ أو أكثر جاز وصحَّ اعتكافه.

 

وينبغي لمن اعتكف أن يشتغل بالذِّكر والاستغفار، والقراءة والصلاة والعبادة، وأن يُحاسب نفسه، وينظر فيما قدَّم لآخرته، وأن يَجتنب ما لا يَعنيه من حديث الدنيا، ويقلِّل من الخلطة بالخلق.

 

قال ابنُ رجب: ذهب الإمامُ أحمد إلى أنَّ المعتكِف لا يُستحبُّ له مخالطة الناس، حتى ولا لتعليم علمٍ وإقراءِ قرآن، بل الأفضل له الانفرادُ بنفسه والتخلِّي بمناجاة ربِّه وذِكره ودُعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية. اهـ.

 

وفّق الله الجميع لما يحبُّ ويَرضى، وختم لنا بالحسنى، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.