كيف تعيش إيمانيات يوم عرفة ؟

فيومُ عرفة …
يومٌ عظيم جليل القدر، رفيع المكانة، عالي الدرجة، سامي القدر، ولعلو منزلته أقسم الله به في كتابه فقال: {وشاهد ومشهود} [ البروج:٣ ]

  • التصنيفات: الحث على الطاعات - العشر من ذي الحجة -

الحمد لله المنّان، ذي الفضل والإحسان، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان، وبعد /

فيومُ عرفة …
يومٌ عظيم جليل القدر، رفيع المكانة، عالي الدرجة، سامي القدر، ولعلو منزلته أقسم الله به في كتابه فقال:
{وشاهد ومشهود} [ البروج:٣ ].
فالمشهود هو: يوم عرفة على ما قاله جمعٌ من المفسرين، قال الشيخ ابن باز - رحمه الله- وهو أصحّ ما قيل فيه.

يومُ عرفة..
ليلته عظيمة يقدّرها أهلُ الإيمان، العارفون بأمر ربهم، المؤملون رحمته، فيستقبلونها بالفرح والسرور لأنّ صبيحتها ليست كصبيحة أي يوم، وفجرها ليس كفجر أي يوم، فلذا تشتاق نفوسهم لصبيحة عرفة وساعات يومه ليقينهم أنّهم سيبلغون خير الأيّام.
فلذا لا بد وأن تتعامل معه معاملة مغايرة عن سائر أيّام العام.
انظر له نظرة تستحقه، وعظمه كما عظّمه وأجلّه الله،
فهو يوم تتغير فيه نواميس الكون كله، فنزول ربنا - عز وجلّ - لسماء الدنيا كل ليلة طوال العام أمّا في عرفة فنزوله -سبحانه- في عشية نهاره المبارك( وهو نزولٌ يليق بجلاله وعظمته- لا نكيّفه ولا نمثّله ولا نشّبهه ولا نعطله ولا ننفيه -)

يومُ عرفة …
ساعات عشيته (وهي: مابعد الزوال) ساعات نفيسة، ولحظات شريفة، فهي أشرف ساعات النهار في العام كله، هي ساعات تنزّل الرَحَمات، وإفاضة الهبات، وكثرة العطايا والخيرات.
هي ساعات الفوز بالسعادة الأبدية، والأمن من أكبر مخوَّف به ( نار الجحيم ).
يحجّ نبيك عليه الصلاة والسلام فيصلي الظهر والعصر جمع تقديم ليتفرّغ للدعاء، ويُكثر المناجاة، ويمضي هذه الساعات مفتقراً إلى ربه ومولاه، فيحقق معنى العبودية الحقة في أظهر صورها، وأوضح مقاصدها، يقول ابن عباس رضي الله عنها: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يوم عرفة على هيئة استطعام المسكين.

نعم هذه الساعات هي:
ساعات الافتقار، وإظهار الذلة والمسكنة لله تعالى، هي ساعات تحقيق العبودية، والتذلل الذي يُحبه اللهُ -تعالى- ويرضاه من عبده، فاملاء القلب أملاً بربك الكريم الجواد المنّان، وأحسن الظنّ به، فهي ساعات حسن الظنّ بأنّه سيغفر الذنب، ويُقيل العثرة، ويجبر الكسر، ويستر العيوب،ويقبل التوبة، ويمحو الخطيئة، ويغفر الزلل، ويحقق الأمنيات، ويُحسّن الحال والمآل.
إنّها ساعات أنفس المطالب من رزق الهداية، وتحبيب الإيمان وتزيينه في النفوس، وشرح الصدر للطاعة، ورزق العافية من كلِّ بلاء.
إنّها ساعات إجابة كل دعوة تعتلج في النفس، وتحقيق كل أمنية تسكن في القلب.
إنّها ساعات الرَحَمات، والعطايا والهبات، يقول عليه الصلاة والسلام:
«خيرُ الدعاءِ، دعاء يوم عرفة» (رواه الترمذي).
أحسن الظنّ بالله - تعالى - وأنّك ستفوز بكل دعوة دعوت بها ربك، فربُك جوادٌ كريم واسع الفضل، منّان لطيف وهّاب، يُحبّ منك كثرة السؤال ويُعطيك أكثر ممّا سألتَ، فلا تتعاظم مسألة ولا تستكثر طلباً.


بشّر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً أصحابه وأمّته بهذا، فقال: «ما من مُسلِمٍ يدعو بدعوةٍ ليسَ فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ بِها إحدى ثلاثٍ إمَّا أن تُعجَّلَ لَهُ دعوتُهُ في الدُّنيا وإمَّا أن يدَّخرَها لَهُ في الآخرةِ وإمَّا أن يُصرَفَ عنهُ من السُّوءِ مثلُها» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ إذًا نُكثِرُ، قالَ: «اللَّهُ أَكثَرُ» وهو حديث صحيح.
فكرم الله - تعالى - يستحيل على بشر أن يتصوّره أو يُقاربه أو يدانيه، فهو أجلّ وأعظم، وأوسع ممّا يتخيّله العباد؛ فأكثر من الدعاء، وسل ربك كل شيء ( فالله أكثر ).

ساعات ( عشية عرفة )…
هي ساعات أعظم مطلوب، وأرجى مسألة يسألها العبدُ الصادق من ربه، إنّها ساعات:
العتق من النّار.
هل استحضرت -أيّها الداعي، والمُعظّم لهذا الموقف- هذا المطلب النفيس؟
بعد ساعات سيُعتق عبيدٌ من نار الجحيم، يكتب لهم النجاة منها، والسلامة من حرها، فهل هناك سلامة أعظم من هذه السلامة، وهل هناك نجاة أكبر من هذه النجاة !؟
وأحسن الظنّ بربك بأنّك ممّن تفوز بهذا.
عشّ هذا الشعور وأنت تدعو ربك، وكأنّك ستفرح بعد قليل لنيل هذا المطلوب، وأنّه ستغيب عليك شمسُ هذا اليوم وقد سلمت من أفظع عذاب توّعد اللهُ به خلقه.
استحضره وأنت تقرأ هذه البشائر من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:
«ما مِن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا منَ النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهِي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء» ؟ (رواه مسلم)،
زاد رزين في جامعه: واشهدوا - يا ملائكتي -: أنِّي قد غفرتُ لهم.


وفي حديث جابر قال النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم:
«وما مِن يوم أفضل عند الله مِن يوم عرفة، ينزل الله إلى السَّماء الدُّنيا، فيباهِي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثًا غُبرًا ضاحِين، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق، لم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أرَ يومًا أكثر عتيقًا منَ النار من يوم عرفة» (رواه أبو يَعْلى وغيره، وهو حَسَن).

فأحسن الظنّ بالله - تعالى - أنّك ستنال رحمته ويُكرمك بجنّته، وتفوز بجواره في مسكن السعادة والحبور، في سعادة متصلة لا نهاية لها.

أيّها المؤمن أيّتها المؤمنة /
دعو كل أمر من أمور دنياكم جانباً، فليس هناك وظيفة لهذا الوقت إلا الدعاء وتعظيم الله تعالى بتوحيده والإكثار من شهادة التوحيد، وتذكّر فضله ومنّته، فهي عشية الدعاء والتهليل والتعظيم والإجلال لله -تعالى-

يا أهل عرفات..
عظّموا هذا الموقف، وتذكروا هذا الفضل والاجتباء من الله لكم، فقد اصطفاكم من بين ملايين البشر لتقفون على صعيد عرفات، وتحضرون هذا المشهد العظيم، وهاكم البشرى التي تعدل الدنيا بأسرها، ففي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام -لِمن سأله عن فضل الوقوف بعرفة-:.. وأمَّا وُقوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفةَ؛ فإنَّ اللهَ يَهْبِطُ إلى سماءِ الدُّنيا فيُباهي بكُمُ المَلائكةَ، يَقولُ:
«عِبادي جاؤُوني شُعْثًا مِن كلِّ فَجٍّ عميقٍ يَرْجُون رحْمتي، فلو كانتْ ذُنُوبُكُمْ كعددِ الرَّملِ، أو كقَطْرِ المطرِ، أو كزَبَدِ البحرِ؛ لغَفَرْتُها، أَفِيضوا عِبادي مغفورًا لكُم، ولِمَن شَفَعْتُم لهُ..» (وهو حديث حسن).

وفي حديث أنس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لأصحابه: معشر الناس أتاني جبرائيل عليه السلام آنفا فأقرأني من ربي السلام؛ وقال: إنّ الله عز وجل غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات
فقال له عمر رضي الله عنه - مستفهمًا -: يا رسول الله هذا لنا خاصة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
«بل لكم ولمن جاء من بعدكم إلى يوم القيامة» وهو في صحيح الترغيب.
فيابشرى كل من وقف في عرفات إلى يوم القيامة.

يا أهل الأمصار..
فضل الله -تعالى- واسع، ورحمته شاملة، فلكم نصيب من عطاء ربك وأنتم في بلدانكم، فالعتق من النّار عشية هذا اليوم شامل للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ذلك أنّ ربكم جواد كريم، فاجتهدوا في الدعاء وفي اغتنام هذه الساعات، وأحسنوا الظنّ بربكم.

اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى نسألك أن نكون في هذا اليوم من الفائزين بفضلك، الناجين من نارك، المعتوقين منهم.
اللهم اجعلنا ممّن أكرمته في يوم عرفة، فقبلت عمله، واستجبت دعواته، وحقق له المطالب ورفعت له الدرجات، وأقلت له العثرات، وغفرت له الزلات.
اللهم آمين.
________________________________________________________
كتبه / عادل بن عبدالعزيز الجهني.