رمضان ... الثورة الحقيقية والتغيير المنشود

منذ 2011-08-22

الآن.. والآن فقط نرى ونسمع ونشاهد عبر الشاشات، ويشاهد معنا العالم أجمع بزعمائه ورؤسائه وقاداته وأمرائه وأباطرته وأكاسرته، وأيضاً شعوب العالم كله تتابع وتشاهد وتسمع بشغف ..

 

الآن فجر الثلاثاء:ـ التاسع من رمضان 1432هـ / التاسع من أغسطس 2011م .


الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى -ولاسيما النبي المصطفى- سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع نهجه واقتفى وارتضى سنته واكتفى، وبعد:
فإنه لا يشك عاقل أننا نعيش نعمة وفضلاً من ربنا سبحانه وتعالى بهذه الثورة المباركة، التي أعادت إلينا شيئاً من قيمتنا المضيعة وكرامتنا المهدرة، وشرفنا المنتهك...
ومن الآيات أن نرى جميعاً أولئك الظالمين أو بعضهم وهم يقفون خلف القضبان! وينادى عليهم بأسمائهم مجردة عن كل أوصاف التمجيد والتعظيم والتبجيل والتفخيم!
وليس هذا فحسب بل إن القاضي ينادي عليهم بوصف جديد، ونعت فريد لطالما ألصقوه ظلماً وعدواناً، وزوراً وبهتاناً بالأبرياء والصادقين، ينادى على أكبرهم وأشقاهم وأظلمهم وأطغاهم فيقال: المتهم الأول فلان بن فلان.. فيرد قائلاً: أفندم موجود (رافعاً ذراعه عالياً يااااااااااااه! سبحان الملك الحق المبين، سبحان الله العلي الكبير العظيم.
ولعلي قد قلت معبراً عن هذا المشهد المهيب وتلك الآية العجيبة في قصيدة لي بعنوان : " فلسطين إني في هواك متيم "

 

31.فأَهْـلَـكَهُ الجَـبَّارُ قدْ جَـلَّ ربُّـنا ‍
وَأَعْـقَـبَـهُ الإذْلالَ ـ حَـيّـاً ـ يُحَاكَمُ

32.وأَخَّـرَهُ إذْ كانَ صَـدراً مُـقَـدَّمَاً ‍
وأَخْـرَسَـهُ الثُّـوَّارُ لَـمَّـا تَـكَـلَّـمُوا


وفي أذنابه وزبانيته وأعوانه الذين أحيلوا إلى التحقيقات وبعضهم إلى المحاكمات قلت في قصيدة " بالغة الحسن وبالغة الحزن "

 

96- وأشرقت الدنيا على مصر كلها *** وصارت نهارًا في دجى الليل فرحةً

97- ويسقط في ساح القضاء أذلةً *** رجال تسموا بالعدالة فريةً

98- وقد كانت الدنيا لهم قد تزينت *** فأمست - وقد أمسوا بشر- بغيضةً

99- وتسمع يوماً بعد يوم صبيحةً *** فلان أتى الكسب فالحبس تهمةً

100- وما كان يخطر أو يجول ببالنا *** وتلك هي الأيام في الناس دولةً


وصدق الله العظيم إذ يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].

الآن.. والآن فقط نرى ونسمع ونشاهد عبر الشاشات، ويشاهد معنا العالم أجمع بزعمائه ورؤسائه وقاداته وأمرائه وأباطرته وأكاسرته، وأيضاً شعوب العالم كله تتابع وتشاهد وتسمع بشغف ما بين مصدق ومكذب، ومتعجب ومتريب، ومستغرب ومستنكر، ومستهجن ومستبشر، وفرح ومفتخر أوصاف ومشاعر كثيرة تتصارع وتتقافز، لأعبر عنها بكلماتي عسى أن تبلغ مبلغ المحاكاة لهذه الصورة البليغة البديعة، التي تعد من آيات الله في خلقه..

كنت ولا زلت حين أقرأ في القرآن الكريم، أو أسمع آياته من قارئ متمكن خاشع، ويأتي ذكر قصة من قصص السابقين: (كقوم: عاد وثمود، فرعون والجنود) أستشعر تلك المعاني وأنظر في الوجود من حولي.. والآن أتأمل الأحداث، كأن الآيات ما نزلت إلا فيها ولا تكلمت إلا عنها، والله إنها لمن الآيات الباهرات على قدرة الملك الجبار سبحانه وتعالى كما في سورة الفجر مثلاً: {وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ . وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ . هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ . أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 1ـ 14].

أو حينما أطَوِّف حول سورة القصص: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].
انظر كيف كان الحال ثم بيان المآل: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ . فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ . وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 38ـ 42]. ثم يأتي بيان الإرادة على إثر ذكر الحكاية: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5ـ 6].

هي رسائل من الله عز وجل إلى الجميع، إلى الحكام الذين شاهدوا هذه النهاية التي بدأت فصولها ولم تحسم بعد.. نهاية طاغية ظالم، غشوم جهول، نهاية نظام كامل من الوزراء والمتحكمين من علية القوم (هكذا كانوا يطلقون على أنفسهم ويطلق عليهم الإعلام الفاسد الذي تقمص دور ساحر الملك الذي ورد ذكره في قصة الغلام والملك والساحر) وهي كذلك رسائل لنا جميعاً نحن أبناء الشعوب والأمم، ألا نغتر بما أعُطينا من قوة أو وُهبنا من مال وولد، فإذا كان (الملوك والسلاطين والرؤساء والأمراء) قد أزيلت ممالكهم وطاش ملكهم، وأعقبهم الله الإذلال بعد العزة والمنعة! فكيف بمن ليس في مرتبتهم ولا شوكتهم؟

وهذه الآيات التي نعيشها الآن ليست من أساطير الأولين، وليست من خيالات المؤلفين ولا إرهاصات الفنانين أو المفكرين، بل هي من كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، فما علينا تجاهها إلا أن نتأملها ونتدبر معانيها، ونستفيد منها العبرة والعظة وأن نقيس ما غاب على ما حضر فإن الأمور اشتباه، وأن نتوخى الحذر وأن نكون حريصين على أنفسنا أن تصيبنا قارعة مثلما أصاب قوم نوح أو قوم صالح، فإن الله تعالى لما أهلك قوم لوط وذكر لنا قصتهم في القرآن قال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 82ـ 83]. أجل أيها الطيبون: وما هي من الظالمين ببعيد، فليحذر كل منا على نفسه وليحذر أخذ الملك سبحانه فإن أخذ الله شديد {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42]. {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 102ـ 103].

أيها الإخوة المسلمون:
نحن الآن نعيش في بحبوحة من الحرية، ومساحة من الانطلاق في مساجدنا التي لطالما حرمنا حقنا في التمتع بها واللقاء فيها، الآن نعيش مرحلة من الدعوة والحرية، فلا يقال لك لا تتكلم في كذا أو تكلم في كذا، فلتنطلق إذاً ولتبذل في سبيل الله عز وجل الوقت والجهد، ولتحصّل العلم الشرعي النافع مستحضراً قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

الآن أقبل رمضان علينا ولكنه ليس كرمضان السابق ولا كأي رمضان سابق، وأخشى ألا يكون مثله رمضان القادم ـأعوذ بالله من التشاؤم- رمضان قد أقبل علينا ولكنه بدون (اعتقالات وبدون استدعاءات أمنية وبدون تكميم أفواه إلخ....) فهل ياترى نعيش رمضان وهذه الأيام الفاضلة المباركة في ظلال تلكم النعمة العظيمة، كما ينبغي أن نعيشها؟ رمضان بنكهة الثورة وبطعم الحرية، رمضان الذي لم يشهده كثير من آبائنا وأجدادنا، رمضان الذي كان مجرد التفكير فيه بهذه الحالة التي نعيشها يعد جرماً، فضلاً عن التفوه بمنطوق الحلم..

أيها الأحبة الكرام:
هل استشعرنا قيمة رمضان بعد أن رجعت إلينا قيمته وعادت إلينا حريتنا؟ هل اشتاقت قلوبنا إلى يوم من أيام رمضان بدون معصية له فيه؟ هل اشتقنا إلى رمضان يمر علينا ونحن نعيش حالة إيمان صادقة ونفس صافية وقلوب مطمئنة؟ هل الآن ينظر الناس إلى مظاهرنا ومساجدنا وشوارعنا ويبصر في منازلنا فيرون إسلاماً تعيشه الأمة؟ كم أشتاق إلى مثل هذا الرمضان الذي لا زلت أحلم به، وأتوسم في نفسي أن أعيش لأراه في نفسي -ومن نفسي- وفي إخواني وأخواتي ومنهم، نتطلع إلى رمضان تمتلئ فيه قلوبنا إيماناً بالله ينطبع على أخلاقنا فلا إيذاء للجيران، ولا مشاحنات ولا خصومات، ولا جرائم، وتخلو فيه المساجد من محاولات فرض السيطرة وإعلاء كلمة الذات، والانتصار للأهواء والعادات والعصبيات القبلية والعائلية، والحزبية والمذهبية، فوالله إن لمساجدنا لأنيناً لو أذن لها لأسمعتنا إياه يبكي له كل قلب..!

نتطلع إلى رمضان: يأتي على الأمة برحمات وبركات ونفحات وهبات تنطبع وتمتد من المساجد والمنابر، والمحطات الفضائية التي تعجُّ بالدعاة الكرام الأفاضل، لتصل إلى الشوارع والمساكن والمصانع والمتاجر، فلا نرى المقاهي ولا الملاهي الليلية، نتطلع إلى رمضان تخلوا فيه شوارعنا من المجاهرين بالفطر فيه -لاسيما بالسجائر والشيشة- لئلا يقع هذا المجاهر بفطره وبمعصيته في نطاق قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما، واللفظ لمسلم ـمن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه».

نتطلع إلى رمضان بلا مسلسلات ولا أفلام ولا مسارح ولا سينمات، ولا مجلات تنشر صور المتبرجات فتشيع الفاحشة في الذين آمنوا فيقعون تحت قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]. نتطلع إلى رمضان بلا تبرج من النساء والبنات، ولا اختلاط في الشوارع والطرقات، والمصالح والشركات، ولا وسائل النقل والمواصلات، ولا تكسر في رد النساء على الهواتف في الرسائل الآلية المسجلة حين تتصل بخدمة العملاء، أو إحدى الشركات لطلب أية خدمة من الخدمات، فتفاجأ بصوت أنثويّ متكسر خاضع لين -لا أظنه ينعم به زوجها في بيته- ليعم فينا الخير، ويقل الشر والفواحش والمنكرات الموبقات، عملاً بقول الله عز وجل: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 32ـ 33].

واسمحوا لي: أبدي تعجبي من مشهد لطالما أردت تناوله بشيء من النقد وهو: مشهد النساء الفاضلات إذ تأتي النساء إلى المساجد متبرجات مستعطرات ببهرجة ولفت للأنظار بشكل مستفز جداً! وكأني الآن بهذا المشهد بالمقارنة بما في صحيح ابن خزيمة برقم: (1682) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف، فقال لها: إلى أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد. قال: تطيبت؟ قالت: نعم. قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «{C}{C}{C}{C}لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل{C}{C}» (قال: الأباني رحمه الله: حسن رجاله ثقات لكنه منقطع ويتقوى بطريق آخر).

لعلي في هذا الخصوص وغيره من المسائل أعذر الناس لجهلهم بهذه المسائل، ولكني لا أعذر الدعاة أبداً أن يسكتوا عن بيان مثل هذه المسائل، ولي رؤية خاصة بي في انتشار المعاصي وانحسار السنن، وخلاصتها أن لها أحد سببين وقد يجتمعان:
أولا:ـ سكوت العلماء والدعاة عن البيان..
ثانياً: عزوف الناس عن طلب العلم واتباع العلماء والسماع لهم.

نتطلع إلى رمضان بلا دفع رشاوى باطلة، ولا كتابة شكاوى كاذبة، تنفيذاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه التحذير الشديد والوعيد الأكيد، والنهي السديد عن مثل تلك القاذورات، وخبائث الأخلاق والصفات والسلوكيات، التي هي من كبائر الذنوب، لقوله صلى الله عليه وسلم: «{C}{C}لعنة الله على الراشي والمرتشي{C}{C}» (رواه ابن ماجه: (2313) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه). وما أشده من تهديد ووعيد ذلك الذي يطل علينا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينهى عن شهادة الزور، والتي تدخل فيها التقارير الكاذبة والشكاوى الباطلة، فضلاً عن الشهادة أمام المحاكم والنيابات ممن لم يشهدوا الواقعة التي يدلون بشهاداتهم الباطلة فيها، أو يكتمون الحق وهم يعلمون، أو يزورون ما هم به عالمون...

اسمع لهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئُل عن الكبائر، فقال: «{C}{C}{C}{C}الشرك بالله، وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور{C}{C}{C}{C}» قال شعبة: وأكثر ظني أنه قال: «{C}{C}شهادة الزور».
ومن قبل هذا قوله تعالى: في ذكر أوصاف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

نتطلع إلى رمضان تمتلئ فيه المساجد من بدايته وحتى نهايته بالمصلين في كل فريضة، وتمتد بعد رمضان إلى بقية أوقات العام، فلا تخلو ولا تشكو أهلها وهجرانهم ومقاطعتهم للمساجد..! وكأنهم كانوا يعبدون رمضان لا الرحيم الرحمن، فيكون المسلمون بذلك هم عمار وزوار بيوت الرحمن، فتتحقق فيهم الآية الكريمة : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]. نتطلع إلى رمضان بلا ترك للصلاة التي هي من آخر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لنا، كما في الحديث الذي أورده في إرواء الغليل من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-: "كان من آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم حتى جعل نبي الله صلى الله عليه وسلم يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه" (قال الألباني رحمه الله: إسناده صحيح إن شاء الله تعالى).

نتطلع إلى رمضان: يحفظ فيه المرء لسانه، كما رواه الترمذي من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه قال-: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «{C}{C}{C}{C}{C}{C}لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت{C}{C}{C}{C}{C}{C}» ثم قال: «{C}{C}{C}{C}{C}{C}ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل{C}{C}{C}{C}{C}{C}» قال: ثم تلا: {{C}{C}{C}{C}{C}{C}تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم{C}{C}{C}{C}{C}{C}} حتى بلغ {{C}{C}{C}{C}{C}{C}يعملون{C}{C}{C}{C}{C}{C}} ثم قال: «{C}{C}{C}{C}{C}{C}ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه{C}{C}{C}{C}{C}{C}» قلت: بلى يا رسول الله قال: «{C}{C}{C}{C}{C}{C}رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد{C}{C}{C}{C}{C}{C}» ثم قال: «{C}{C}{C}{C}{C}{C}ألا أخبرك بملاك ذلك كله{C}{C}{C}{C}{C}{C}» قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: «{C}{C}{C}{C}{C}{C}كف عليك هذا{C}{C}{C}{C}{C}{C}» فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «{C}{C}{C}{C}ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟{C}{C}» (تحقيق الألباني: صحيح ابن ماجة ( 3973 ).

نتطلع إلى رمضان: يصون فيه جيرانه ويكرم فيه ضيفانه، ويطعم فيه الجائع ويواسي فيه المكلوم ويصل فيه المحروم، ويحترم الكبير ويرحم الصغير، ويتم عمله ويتقي الله في وظيفته..
نتطلع إلى رمضان يحترم فيه الطريق ويعطى فيه حقه كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «{C}{C}إياكم والجلوس في الطرقات{C}{C}» فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: «{C}{C}فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها{C}{C}» قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «{C}{C}غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر{C}{C}».

نتطلع إلى رمضان: يبر الرجل فيه أباه وأمه، ويكرم فيه امرأته ويحسن تربية ولده وابنته، يعلم أبناءه الصلوات، كما في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «{C}{C}علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا، و اضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، وفرقوا بينهم في المضاجع{C}{C}». نتطلع إلى رمضان: الذي فيه النساء والبنات متعففات بالحجاب، غير مبتذلات بالتبرج والتهتك والتكسر في المشية والكلام، وإني لأسجل عجباً واستنكاراً أرى أنكم تشاركونني فيه إذ نرى رجلاً مهيباً تبدو عليه أمارات الفحولة وقد سار في الطريق مبتهجاً متأبطاً يد امرأته المتبرجة أو ابنته التي تفتن الناظرين بلباسها الذي لا يمت إلى الحجاب بصلة ولا إلى الحياء بسبب!

وأعجب من هذا رجل آخر من ذوي اللحية في نفس المشهد العجيب! كذلك امرأة منتقبة تسير في الطريق ومعها ابنتها التي بلغت المحيض وبانت مفاتنها تمشي في زيّ عجيب فتراها وقد لفتت انتباه الناس لا إلى محاسن البنت فقط، بل إلى ذلك التناقض بين الأم ذات النقاب أو الحجاب وبين البنت ذات التبرج والبهراج في الثياب وكأنها توصل رسالة إلى الناس تقول فيها: (لئن كنت أنا ابتليت بهذا العفاف فإن ابنتي قد عوفيت منه!)

ولا زلت أتذكر يوم أن دخلت على أحد جيراني لأزوره فوجدت عنده زوجة ابنه وهي تمشط ابنتها التي بلغت العاشرة من عمرها فقلت لها: يا أم فلان علميها وعوديها الحجاب من الآن، فقالت لي مباشرة بدون تردد: (مش كفاية أمها محجبة!) إي والله يا أحباب: هكذا تنظر كثير من النساء إلى الأمر الشرعي الذي أمرها به الله عز وجل في قرآن يتلى وسنة تبقى إلى يوم القيامة فإنا لله وإنا إليه راجعون .

نتطلع إلى رمضان: بلا (أحاديث ضعيفة أو موضوعة) يروجها بعض الأئمة في مواعظهم وخطبهم ودروسهم عبر المساجد، أو الفضائيات بلا وازع من دين ولا أثارة من علم، ولا تورع عن كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأننا ـالدعاة والناس عموماًـ لم نقرأ يوماً قول الله عز وجل: {{C}{C}وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا{C}{C}} [الإسراء: 36]. وحسب الدعاة والناس الذين يتساهلون في نقل الأخبار، ونشر الأكاذيب عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، أو عن العلماء والفقهاء دون تثبت ذلك الوعيد الذي ذيلت به الآية الكريمة {{C}{C}إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا{C}{C}} الله أكبر، فإذا تيقن المرء أنه سوف يقف أمام الملك سبحانه وتعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إذا علم المرء ذلك وكان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فإنه يقف ولا شك عند الحد ولا يتجاوز المدى، بل يتمهل حتى يتثبت مما يقول وما ينقل..

وإذا ما تهاوى أمام شهوة الكلام ورغبة الحديث، أو أدركته الخطبة دون تأهب واستعداد، فأراد أن ينسب كلاماً إلى الله أو رسوله ليس متثبتاً منه تمام التثبت فإنه يكفيه آنذاك أن يذكر قوله تعالى وهو يبين لنا طبيعة وحقيقة إبليس اللعين: {{C}{C}يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{C}{C}} [البقرة: 168ـ 169]. وقوله تعالى في إطار تفصيل المحرمات والمنهيات: {{C}{C}قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{C}{C}} [الأعراف: 33].

أو لم نسمع بما رواه البخاري في صحيحه من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «{C}{C}{C}{C}مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ{C}{C}{C}{C}»" وروى نحوه من حديث أنس وغيره من الصحابة بلغ عددهم اثنين وسبعين صحابياً، وكذلك هو عند مسلم وغيره فالحديث متواتر لفظاً ومعنىً فتأمل!

هي بعض الأمنيات وليست جميع التطلعات، وإنما هي إطلالة سريعة وما كتمته لمراعاة الحال لهو أكبر وأعظم بكثير مما ذكرته، ولكنني فقط أردت أن أدق الأبواب المغلقة -بعضهاـ وأترك المجال فسيحاً للقارئ الكريم ليكمل المقصود، وأرجو أن نعيشها ونراها واقعاً حياً في الأمة المرحومة، التي وصفها الله عز وجل بأنها خير أمة أخرجت للناس، هي الصورة الحية التي رسمها القرآن وعاشها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صارت ديدنه وخلقه وحياته..

أيها الإخوة الكرام:
أرجو أن تتبدل حياتنا وتتغير سلوكياتنا إلى الأفضل كما استطعنا بفضل الله تعالى وحده، أن نثور على الظلم والاستبداد، ونغير النظام الحاكم بالباطل والذي نشر في الأرض الفساد، كذلك أرجو من الله عز وجل، أن أستطيع أنا في نفسي وأنت أيها الأخ الحبيب الطيب الكريم، وكذلك أنت أيتها الأخت الفاضلة العفيفة الأبية الشريفة: أرجو أن نكون عنواناً صحيحاً مشرفاً ومشرقاً يستدل بنا الناس على جمال الإسلام وعظمته وروعته وطهارته، ولن يكون ذلك بين يوم وليلة، ولكن علينا أن نبدأ ومن الآن، وأن تكون البداية من أنفسنا، إذا كنا قد تغلبنا على ظلم الحكام فإن هناك ظلماً أراه أعظم وأشد وأقسى منه ألا وهو: ظلم الإنسان لنفسه، هذا لعمري هو الظلم الذي يجب على كل منا أن يعمل جاهداً على تغييره وتبديله والثورة عليه، فرمضان أيها الأحبة في الله بحق هو شهر الثورة على النفس والشهوة والشيطان والهوى..


وكتبه: ابن الأزهر ومحبه
الشيخ: أبو أسماء الأزهريّ
كارم السيد حامد السرويّ
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية.

 

  • 25
  • 24
  • 5,368

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً