حسن الظن وبيان العذر كلاهما مطلب شرعيٌّ

منذ 2012-02-04


الآن 6.11 ص عقب صلاة فجر الخميس الثالث من شهر ربيع أول 1433هـ، السادس والعشرين من شهر يناير 2012م.

يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات:121].

أورد الإمام البغويُّ ـرحمه الله تعالى- في تفسيره لهذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} قيل: نزلت الآية في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما، ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام فلم يهيئ لهما شيئا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا ؟ قال: لا، غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق إلى أسامة بن زيد، وقل له: إن كان عنده فضل من طعام وإدام فليعطك، وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رحله، فأتاه فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما، فقالا كان عند أسامة طعام ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع قالا لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: «ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما»، قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة [ص: 345]، فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ}، وأراد: أن يظن بأهل الخير سوءا {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم.

فسوء الظن بالناس على إطلاقه دون بينة واضحة وعلامات وقرائن مؤيدة أمر مرفوض شرعاً ومقبوح طبعاً ولا يليق بالمسلم أن يتسم به أو يتصف به؛ بل عليه وجوباً شرعياً أن يتجنبه ويبتعد عنه ما استطاع إلى البعد عنه سبيلاً، وإلا كان مرتكباً جرماً ومحتملاً إثماً ومستحقاً عقوبة وملاماً.

ولعله من الجدير بالذكر والحريِّ بالتنبيه عليه في هذا المقام ذلك الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها:
"أنها جاءت رسول الله تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله، فقال لهما النبي: «على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي». فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما، فقال النبي: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا»".

فإن كثيراً من الناس يظن -دون أن يسلك سبيل التفهم ويرجع إلى شراح الحديث- أن النبي ـ إنما استوقفهما وقال لهما ما قال ليدفع عن نفسه الشريفة ما قد يقذفه الشيطان في قلوب الصحابيين الكريمين تجاهه إذ رأياه مع امرأة يجهلانها هما؛ والحق أن هذا الفهم بعيد عن الحديث وقواعد الاعتقاد.

خذ بيان الإمام ابن حجر لمعنى هذه الجملة من الحديث: "قوله: «وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا»: جاءت روايات أخرى، غير هذه، والمحصل من هذه الروايات أن النبي لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءاً لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك؛ لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسماً للمادة، وتعليماً لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى، فقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث، فقال الشافعي: إنما قال لهما ذلك؛ لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئا يهلكان به".

ويقول الله تعالى أيضاً: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء:53].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:
"يأمر تعالى رسوله أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام [ص: 87] الأحسن والكلمة الطيبة فإنه إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم وأخرج الكلام إلى الفعال ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة فإن الشيطان عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم فعداوته ظاهرة بينة ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده أي فربما أصابه بها ..".

والحق أني أريد أن أقف بين هاتين الآيتين الكريمتين وِقفة متأملٍ وأستل درسين مهمين جداً من كلتيهما:

فالله عز وجل يأمرنا أمراً صريحاً ومباشراً أن نتخذ حسن الظن منهجاً وخلقاً وسلوكاً وديدناً، وألا نتسرع في الحكم على تصرفات ومواقف الآخرين؛ لاسيما إذا كانوا ممن عرفوا بالفضل والصلاح ولم تؤثر عليهم انحرافات أو سوابق إساءات.

بيد أنه، وفي ذات الإطار يأمرنا سبحانه أن نحسن القول وننتقي أحسن العبارات والأقوال التي نتناولها أثناء تعاملاتنا مع الناس لاسيما إخواننا الذين هم أهل ملتنا وعقيدتنا {يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

وأستفيد أنا من هاتين الآيتين معاً أن المسلم مأمور بأن يحسن الظن بإخوانه؛ فيتعين عليه أن يلتمس لهم الأعذار ويغفر لهم التصرفات التي قد تبدو من وجهة نظره محملة بالإساءة ومحاطة بالغفلة أو التجاهل.

إلا أنه وفي ذات الوقت على المسلم أيضاً أن يتوخى الحذر في التصرفات والأقوال والمواقف التي قد تجعله ـومهما كان معذوراً ومقهوراًـ موضع ريبة ومحل شك وربما تثير في نفوس إخوانه التساؤلات التي ربما لا يجدون لها إجابات إلا عنده -وهم لا يجدون منه مبرراً كافياً ولا رداً شافياً ـ الأمر الذي قد يؤدي في النهاية أو مع التكرار إلى أن يتطرق سوء الظن ويحل محل التماس العذر، وبالتالي تصدر عنهم مواقف وربما أحكام وقرارات قد تؤدي إلى قطيعة رحم أو إنهاء معاملة، مما قد يلحق بالطرفين أو أحدهما أضراراً بالغة ومفاسد كبيرة.

وإذا كانت آية سورة الإسراء سابقة الذكر قد ورد فيها الأمر والتكليف الصريح بأن نقول التي هي أحسن، وهو أمر بأن ننتقي كلماتنا ونختار عباراتنا على أحسن وجه بل على الوجه لذي هو أحسن مبالغة في التدبر وتأمل كلماتنا حتى لا تنطلق عباراتنا هكذا بعفوية وتلقائية في مواطن قد تكون آثارها عظيمة وعاقبتها وخيمة في الوقت الذي كان بالإمكان وبقليل من التروي وشيء من التمهل والتدبر فيما نقول كان بالإمكان أن نحافظ على قلوب بعضنا البعض ونراعي العلاقات التي بيننا وأواصر المودة والصلة.

ولو زدنا التأمل أكثر في الآية لوجدنا أن الله عز وجل قد أمرنا أن ننتقي كلماتنا وأن نحسن اختيار عباراتنا وألا نتفوه ولا نتلفظ إلا بالتي هي أحسن معللاً ومبيناً ذلك بعلة واضحة؛ {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}؛ فإذا كان الله قد أمرنا بالاحتراز من نزغ الشياطين بسد ذريعة ذلك النزغ ابتداءً بأن نحسن القول؛ فإن الأمر بإحسان الفعل أيضاً داخل في ذات الأمر بل ربما كان أولى وأحق بالتحري والتثبت حتى لا يبقى أي مجال لسوء الظن أن يدخل بين المسلمين.

هذا، وقد أمرنا الله عز وجل أن نتعاون على البر والتقوى ونهانا أن نتعاون على الإثم والعدوان: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2] .

وبما أن بعض الظن إثم ـ كما مر من آية الحجرات؛ فإن المقابل أن حسن الظن بر -وبضدها تتميز الأشياءـ يبقى إذاً أنه على المسلم أن يبذل وسعه ليعين إخوانه على أن يحسنوا به ظنهم لأنه سيكون بهذا متعاوناً على البر والتقوى، وأما إذا لم يبذل جهداً ولم يرفع رأساً ولم يشغل باله بما قد يأخذ الناس تجاه تصرفاته وأحواله ومواقفه من سوء ظن وريبة وشك فأخشى أن يأثم بهذا الإعراض عن الإبانة والإفصاح، ثم لا يبقى له بعد ذلك من عذر له -ما دام قادراً أصلاً على البيان والتوضيح-.

وكم من بيت هدم وعامل فصل وزوج طلق امرأته أو اختلعت هي منه ودم سفك ومال سلب وعروة فصمت... إلخ لمجرد سوء ظن وعاجل شك لم يجد في مقابلته حسن تصرف ولا صدق قول ولا بيان موقف ولا تصحيح مفهوم.

وإنه ليحضرني في هذا المقام حديث عظيم جليل لو تأملناه ملياً لكان شافياً؛ وذلك فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها . فأشار إلىّ: أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله . فاستأذنه يوما . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ عليك سلاحك . فإني أخشى عليك قريظة» فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة . فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به.

ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدري أيهما كان أسرع موتا. الحية أم الفتى؟ قال فجئنا إلى رسول الله فذكرنا له. وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: «استغفروا لصاحبكم» ثم قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان».

والذي أعنيه في مقام استدلالي هنا هو قول امرأة الفتى الصحابي الكريم إذ همَّ بها ليطعنها بحربته وقد أصابته غيرة عليها أن رآها في موضع ريبة وظنّ: "فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش"!!

أرأيتم أيها الفضلاء كيف كان تصرفها ببيان حالها وتفسير تصرفها وأنها ما خرجت دون إذنه إلا اتقاء الأذى ومخافة الضرر المتوقع من لدغة أفعى أو نحو ذلك؟

فماذا لو ظلت المرأة الصحابية الكريمة على صمتها فلم تبين لزوجها الغيور عليها علة موقفها وسبب تصرفها؟


كما أنه مما يجدر ذكره في هذا المقام تلك القصة البديعة التي أخبرنا بها الله عز وجل في القرآن الكريم من قصة موسى كليم الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولقائه بالعبد الصالح الذي علمه الله عز وجل من لدنه علماً:

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا . قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا . قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا . قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف:65-70] .

أرأيت كيف لما أخبر الله عن العبد الصالح الذي خرج موسى عليه السلام في رحلته من أجل لقائه والتعلم منه، كيف أخبر عنه بأنه عبد من عباد الله آتاه الله من لدنه رحمة وعلمه من لدنه علما، وأن موسى عليه السلام لما لقيه سأله الصحبة والرفقة فأبى واعترض العبد الصالح العالم: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} هذه كلمة شديدة؛ لو نظرنا إلى ظاهرها وما تحمله من دلالة انتفاء استطاعة الصبر في حق نبي كريم كليم من أولي العزم، أظن أنه لو قيلت لآحاد الرجال الآن لانتفض غاضباً واعترض رافضاً أن يرمى بعدم استطاعته الصبر؛ فكيف وقد قيلت للنبي الكريم موسى عليه السلام؟

إنها لتبعث في النفس الأسف وتثير الغضب وتهيج المشاعر وتستدعي سوء الظن بالمتكلم فربما رمى مكلمه وقائلها بأنه متعجرف ومتكبر وسئ الخلق؛ كيف لا ولم يكن للرجل العالم الصالح هذا بموسى سابقة علم ولا قديم معرفة وخبرة بحاله وشخصيته، فأنى له أن يحكم ابتداء عليه بأنه لن يستطيع معه صبراً؟

فجاء التعليل الوارد بعدها استدراكاً وتفسيراً ليذهب بالظن السيئ ويطرده قبل وروده ويمنعه قبل مجيئه ويذهب سخيمة النفس:

{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}؟ إذاً، فقد أتبع العبد الصالح اعتراضه ورفضه مرافقة موسى كليم الله عليه السلام بذكر علة الاعتراض والرفض وهي أن ما سيراه في حال المرافقة والمصاحبة هو من الأمور الجليلة والمشاهد الصعبة المستبشعة العظيمة بالنظر المجرد إلى ظاهرها دون التعرف على عللها وخلفياتها، وليس لعيب في المرافق ولا لنقص في شخصية الصاحب.

إذاً، نصل إلى أن مبادرة العبد الصالح المعلم من علم الله ما لم يعلمه موسى كليم الله عليه السلام، وتقديم العذر وبيان الأمر أتى في موضعه ليمنع إيغار الصدر وتغير النفس وتسلل الشك ليبقى الأمر راجعاً إلى علم زائد على علم موسى وغائب عن تصوره، وهو ما بدا بعد ذلك من مشاهد رآها موسى وشهدها وكلما أنكر مشهداً واعترض على تصرف واستبشع موقفاً احتج عليه العبد الصالح بما بين له سلفاً من علة راجعة إلى فارق العلم والمعرفة بينهما.

وهو ما تبين لنا بعد ذلك من مواقف القصة الثلاثة "السفينة والغلام والجدار"، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا}، {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا}.

حتى إذا استفرغ الوسع وبلغ المدى وبالغ في العذر قال العبد الصالح: "{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا}"؛ ثم شرع يبين له ما خفي عليه من عذر و تفصيل الأمر المجمل وتبيين الأمر المبهم، وتعليل الأمر المشكل؛ فكان من تمام الفائدة وحسن العرض للقصة.


والأمثلة على مثل تلك المواقف كثيرة وفيما ذكر الكفاية والغناء.

ولذلك فإنه يتعين على كل مسلم محب لدينه حريص على علاقته بإخوانه في الله مهتم بأن يسود حسن الظن وتعم المحبة والمودة والألفة بينه وبين المسلمين عامة، أهيب بنفسي وبإخواني أن نحرص جميعاً على الأمرين معاً:

على أن نحسن الظن ببعضنا البعض -وأنا أحوج ما يكون المرء إلى هذه من غيري ـ، وكذلك على أن نعمل جميعاً على أن نسد أبواب سوء الظن بأن نحسن التصرف ونبادر بتقديم الأعذار حال تيسر ذلك وإتاحته لدفع الشيطان عن قلوبنا {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}.

ولا أدل على هذه الفائدة من تلكم النصيحة الغالية التي قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفيده الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما وفيه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة ..» (رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمهما الله).

فإذا علم الإنسان أن تصرفاً ما أو سلوكاً ما قد يؤدي به إلى الوقوع موقع الشبهة أو يثير حوله الشكك والريبة أو يأخذ بأفهام الناس من حوله إلى إساءة الظن به ؛ فإنه يجب عليه حينئذ أن يبين للناس حقيقة تصرفه ويزيل اللبس ويدفع الريبة والشك، لاسيما إذا كان صمته وسكوته وعدم خروجه ببيان حاله وإبداء أعذاره قد يوقع في نفوس إخوانه منه شيئاً هو لا شك منه برئ وعنه بعيد لكنه إذ لم يبين الحقيقة ويحسن التصرف لتحسين الصورة تظل القلوب موغرة والنفوس نافرة والظنون ذاهبة كل مذهب والأفكار طائرة كل مطار.

فيا ليتنا نتعلم من ذلك القصص القرآني والهدي النبوي ما يساعدنا على أن تستقيم علاقتنا ببعضنا البعض وتسلم صدورنا ويحسن بأنفسنا ظننا.

فالخلاصة إذاً أن المرء إذا كان من حقه على إخوانه أن يحسنوا فيه ظنهم به فإنه من واجبه تجاه نفسه وتجاههم أيضاً أن يعينهم هو على هذا بأن يصارحهم ويوضح لهم ويبين لهم ما لو ظل خافياً عليهم من حقيقة موقفه وعلة تصرفه لظنوا به ظن السوء .
فكلاهما واجب شرعي على الناس، والله أعلم.

***
ابن الأزهر ومحبه
أبو أسماء الأزهري
كارم السيد حامد السروي
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
[email protected]
[email protected]

  • 15
  • 10
  • 36,275

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً