آهات مكتومة - (3) ابني عمره ما شرب سيجارة!!

منذ 2012-03-02

منذ ستة أشهر تقريباً صليت العشاء في مسجدي الذي كنت إماماً له واتجهت إلى بيتي عبر الطريق الذي اعتدته كل ليلة..

منذ ستة أشهر تقريباً صليت العشاء في مسجدي الذي كنت إماماً له واتجهت إلى بيتي عبر الطريق الذي اعتدته كل ليلة.

وأثناء الطريق لا أدري لماذا خالفت خط السير المعتاد لأدخل في خط سير مختلف يؤدي إلى البيت أيضاً، المهم خطر لي أن أصعد إلى مسجد المشاري "الذي أنا إمامه حالياً" بشارع الهرم، وبالفعل صعدت إلى شارع الهرم ولا أدري السبب وخصوصاً أنه لا أحد أتوقع وجوده ممن أعرفهم في هذا التوقيت من الليل.

وجدت على غير العادة أحد إخواني في الله وأصدقائي القدامى جالساً على الكراسي التي وضعتها الدولة منذ عدة سنوات أمام المسجد والفندق ـوبالطبع أصبحت ملاذاً للحبِّيبة وغيرهم من العائلات ـ وجدته جالساً وبجواره شاب حسن الهيئة والمنظر والمظهر تبدو عليه أمارات الثراء.

في البداية حسبته صاحباً أو زميلاً لصاحبي في العمل فسلمت من بعيد حتى لا أقطع عليهما كلامهما إذ ربما يكون حوارهما خاصاً لا ينبغي أن يطلع عليه أحد، لكن صاحبي ما أن رآني حتى ناداني أن اجلس معنا "الحمد لله أنك حضرت".

الخلاصة أن هذا الشاب الثري ليس صاحباً لصاحبي ولا يعرفه بل رآه صاحبي بقدر الله تعالى وقد جلس في سيارته يحاول جاهداً عبثاً أن يديرها لتنطلق لا فائدة ولا أمل!!

فأقبل عليه صاحبي ليساعده ففوجئ بأن البطارية مسروقة والمفاتيح ضائعة والأدهى والأمرَّ أن الثري الشاب مخمور أو سكران طينة "عامل دماغ"، وإن شئت الدقة فقل "مضيع دماغ".

وأنه كان برفقة أصدقائه في العمل "قال لي صاحبي أنه علم من الشاب الثري أنه يعمل في شركة يتمنى أبناء الأكابر"ولاد الذوات أن يعْمَلوا فيها"!!

المهم أنه كان برفقة أصحابه وزملائه وأنه قادم من المقطم ـ كيف وصل بهذه الحالة من المقطم إلى الهرم وأين ذهبت البطارية وأين المفاتيح؟

يبدو أن زملاءه أتوا به إلى هنا وألقوه في الطريق يقابل مصيره المجهول وسط الإفلات الأمنيِّ المتعمد والبلطجة المنتشرة ـ بالأمر في أغلب الأحوال ـ وبالفعل وجدنا بعض الشباب الذين تبدو عليهم علامات البلطجة والتشرد يجوبون الشارع ذهاباً وإياباً وهم يتربصون بالشاب ويتحينون لحظة انصرافنا عنه حتى يجهزون عليه أو يسرقون سيارته لاسيما وقد أيقنوا من واقع خبرتهم العميقة بأنه في حالة سكر أو سطل بيِّن.

تشاورت مع صاحبي: ما الذي نفعله؟
هل نتصل على المجلس العسكري أم نتصل على أبيه أو أحد من أهله أم ماذا نفعل؟
المهم أننا استبعدنا خيار الانصراف عنه وهو في مثل هذه الحالة مهما حصل.

كلمناه حتى يعطينا رقم والده فأجاب رافضاً بشدة وتخوف وأنه لا يريد أن يراه أبوه على مثل هذه الحالة المزرية لأنه لا يعرف عنه شيئاً أبداً!!!

فماذا تفعل يا فلان؟ قال: أشتري بطارية جديدة وأعود إلى البيت بعد قليل.
وكأن لسان حاله يقول: "ببساطة كده؟ الفلوس بتعمل المعجزات المهم أبقى بعيداً عن نظر أبي أو أن يبقى أبي في غفلته التي هو عليها والمرة الجاية أنقي أصحابي الخامورجية والمساطيل والحشاشين كويس بحيث يكونون "رجالة مش أنذال".

حاولنا معه بكافة الطرق فقام ليغلق سيارته ويؤمنها فكاد أن يسقط من ترنحه "بصراحة تاني مرة في حياتي أرى بعيني رأسي مخموراً حقيقياً وليس ممثلاً"!!

الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً.

اصطحبناه إلى حيث أرشدنا إلى "البرج الذي يسكن فيه مع أسرته"..
لا يخفاكم أنا كنا ثلاثتنا نمشي في مشهد مضحك جداً وملفت للنظر جداً "شيخ وشاب ملتحٍ بينهما شاب وجيه الهيئة مسطول يأخذهما يميناً وشمالاً حسب ترنحاته فيميلان بميله والناس ينظرون ما بين ضاحك وساخر ومشفق ومستنكر ومحسبل ومتسائل.......!!

وصلنا بعد نحو نصف ساعة أو تزيد إلى البرج السكني وأصر على أن نتركه فأوهمناه أننا فعلا انصرفنا وأنه الآن بمفرده ــ مسطول مضيع دماغه فصدقنا وانطلق معنا على أننا انصرفناـ

طبعاً لست بحاجة إلى أن أذكر أنه تقيأ عدة مرات خلال الطريق!!

وبينما نحن أمام شقتهم السكنية استأذنني صاحبي أن أترك له التصرف مع أي موقف محتمل وأن أراقب فقط فتركت له ذلك، طرقنا الباب "رنينا الجرس" فتحت الباب رجل في العقد السادس من العمر "خمسين وطالع" وبمجرد أن فتح الباب فاجئنا وفاجأه ابنه "العشرينيُّ" بالقيء في وجهه!!

وكأنه يرد له جميله الممتد عبر سنوات العمر التي كان فيها غافلاً أو مغفلاً أو مستغفلاً أو متغافلاً "مطنش ومكبر دماغه".
صرخ الوالد الذي بانت عليه علامات الحشمة "باشا":

ابني .. ابني ... أكيد البلطجية والحرامية ضربوه وسرقوا العربية "السيارة"!!

ظهرت الأم " اسدال بيتي وحشمة "بنت ذوات" قامت من على سجادة الصلاة لتوها فتحولت إلى الصراخ والعويل تضرب خديها وتصرخ: ابني حبيبي عملوا فيك إيه، على أساس أنها مش عارفة حاجة خاااااااااالص عن الننوس النغة، كل شئ جايز!!

خرجت أخته من حجرتها تحسبها طبيبة أو طالبة وقورة متميزة "هذا ظني بها" قدر ما أتاحته لي نظرة الفجأة ـ ترتدي طرحة على رأسها ونظارة طبية ووجدتها صامتة غير مستغربة وكأنها على علم ومعرفة بحال أخيها ولم تفاجأ به!
أو ربما تكون راسخة ثابتة هادئة رزينة بطبيعتها "كل شيء جايز"!!

المفاجأة الأخرى أن فتاة متبرجة بشكل أكثر من المعتاد ظهرت بملابس فاضحة " بنطلون وبلوزة والشعر مكشوف، تبين بعد ذلك أنها تدعي أنها زميلته في العمل وأنها حضرت إلى أسرة الشاب منذ عشر دقائق فقط بمجرد تركها للشاب ـالذي جلسنا أنا وصاحبي معه في محاولاتنا لإفاقته أو اتصالنا بأهله قرابة الساعة، ثم سرنا به إلى بيته قرابة الساعة أيضاً ـ فكيف وأنى تركته هي في الشارع يصارع البلطجية من سائقي الميكروباصات وقد اشتبك معهم كما تدعي هي؟

المهم قصصنا القصة وحكينا الحكاية واستأذنا الوالد الوقور أن ننصرف في اللحظة التي قال لنا فيها:
ابني عمره ما شرب سيجارة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

استأذنا وتركناهم وشأنهم مع الفتاة التي ادعت أنها زميلته في العمل وقصتها المزعومة.

وأخذت أفكر حامداً ربي على نعمته التي أنعم بها على مثلي من البعد عن غفلة الآباء أو تغافلهم أو استغفالهم، وعن صمت الأخوات عن الخطأ مهما كانت العاقبة، وعن سكوت الأم ومداراتها على الأب حقيقة ما يجري من أبنائه أو يجري لهم حتى تمر سنوات العمر ويفاجئهم القدر بحقيقة الأمر الذي إما أغفلوه أو تغافلوا عنه أو دلس بعضهم على بعض فيه.

القصة أو الموقف يحمل العديد من العبر والدلالات التي يجب التوقف عندها والنظر فيها وتأملها على هديٍ من الكتاب والسنة وإلا فما هي الثمرات المرجوة من ادعائنا أنا نريد تطبيق الشريعة وإعلاء كلمة السنة والعمل بالقرآن الكريم ما لم يكن ذلك الادعاء واقعاً موقع التنفيذ الحياتيِّ والعمل الواقعيِّ وأن تكون الشريعة محكمة وألا يقتصر فهمنا لها على مجرد إقامة الحدود على السارقين والزناة ومدمني الخمور والقتلة.

هذا الموقف كم مرة يقع كل يوم وكل ساعة مع أمثال هؤلاء الناس ولا يلتفت إليه ولا ينتبه إلى دلالاته العميقة وآثاره العنيفة التي تتهدد المجتمع بأسره؟

كم من الجرائم والحوادث تقع والناس في غفلة أو تغافل وانشغال عنها أو تشاغل في حين كان بإمكانهم أن يمنعوها قبل وقوعها أصلاً ؟

لا أرجو من كلماتي هذه أن أشغل مساحة ورقية أو الكترونية دون أن يكون لها أثر حقيقيٌّ في نفس القارئ الكريم فيتفاعل مع ما يقرؤه عموماً ليلتفت إلى نفسه وبيته وأسرته وأبنائه التفات المراقب الذكيِّ وألا نعيش حياة الواثقين في تصرفات أبنائنا وبناتنا أو حتى أزواجنا وزوجاتنا دون أن نعتبر مجرد احتمال وقوع الخطأ من باب الخطأ وصدور العيب من باب الطبيعة البشرية التي يحتمل منها كل شيء.

يجب على الآباء ألا يقتصر مفهوم رعاية الأبناء وتربيتهم في أذهانهم وفهمهم على مجرد الأكل والشرب والملبس والعلاج والتعليم العالي والترفيه بقدر المتاح دون أن يكون شاملاً أيضاً التنشئة على الأخلاقيات الفاضلة والسلوكيات الحميدة والتصرفات السوية نابعاً ذلك التعليم والتأسيس من فهم واع وعلم دقيق ومعرفة ودراية ثاقبة بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

البعض من الآباء ربما يضحي بالتواجد بين أبنائه وبناته من أجل السعيِّ لتحصيل الرزق الذي به يطعمهم ويسقيهم ويكسوهم ويعالج مريضهم ويعلمهم في أرقى المدارس والجامعات ويوفر لهم الدروس الخصوصية والرحلات الترفيهية والمستوى الاجتماعي والاقتصادي المناسب كل هذا مفهوم ومعلوم وكلنا هذا الرجل وليس الكاتب ببعيد عنه الشوق واللهفة والرجاء في عطاء الله وفضله.

لكن يا إخوة هناك ما هو مهم أيضاً إن لم يكن الأهم على الإطلاق من كل تلك المطالب والرغبات والحاجيات بل الضرورات مما ينبغي الالتفات إليه لا عنه والتبكير في تحصيله لا الزهد فيه، إنها التربية الأخلاقية والتعليم السلوكيّ الذي يظل مصاحباً للمرء طيلة حياته كما تصاحبه بطاقة هويته، بل إن بطاقة هويته والتي قد تضيع أو قد تسرق أو تنسى أو تتلف فإن استرجاعها واستعادتها أو استخراج غيرها أمر ميسور متاح، أما التربية والسلوك والأخلاق الحميدة فلا تنسى ولا تضيع ولا تسرق ولا تتلف لأنها تلزم صاحبها لزوماً لا ينفك عنه أبداً في أية حال من أحواله مهما بلغت خصوصيتها، بل إن الحق أن السلوك والأخلاق والمبادئ تكون أبرز وابهى وأوضح ما تكون وتتجلى حين يخلو الإنسان بنفسه ويختلي بربه وينفرد بذاته ليواجه نفسه ويقف أمام مرآة ذاته فيكون قراره وتصرفه نابعاً منه وفق هذه المبادئ والأخلاقيات والسلوكيات.

وذلك الذي نبهنا عليه الإسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، خذ مثالاً على ذلك ما ورد في سورة لقمان في سياق ذكر قصة لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16].

أرأيت كيف يوجه الوالد الحكيم ولده إلى المراقبة والخوف من الله الذي لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض سبحانه.

وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يزرع ويغرس في وجدان عبد الله بن عباس وهو بعد غلام المراقبة والمتابعة والمحافظة على دين الله وشرعته وأمره معقباً ذلك بأن في حفظ العبد أمر ربه حفظ الله لعبده: «كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما قال يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، (رفعت الأقلام وجفت الصحف)» (رواه الترمذي).

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه أحد أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ليسأله عن العورات والتعامل معها: «قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد، فلا يرينها. قال: قلت يا رسول الله ! إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: الله أحق أن يستحيى منه من الناس».

من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة القشيري وهو في صحيح ابن ماجه وإرواء الغليل وغاية المرام وصحيح الترمذي وإسناده حسن.

أزعجتني جداً تلك القصة التي عشت طرفا منها وتساءلت بيني وبين نفسي: "ما الذي جعلني أخالف طريقي المعتاد وأتخذ الطريق إلى مسجد لن أجد عنده أحد غالباً وقد انتهت صلاة العشاء منذ فترة ؟

ما الذي وجهني تلك الوجهة حتى ألقى صاحبي وجليسه المسطول؟

وأما صاحبي فأحسبه كان يتألم عجباً بينه وبين نفسه وقد وجد شاباً لم يحمد نعمة الله عز وجل عليه إذ أكرمه بوظيفة يحلم بها الأغنياء من علية القوم "على حد وصف صاحبي" بينما صاحبي يلهث يمنة ويسرة ـ كغيره من الشباب أو المتزوجين ـ ليجد عملاً يحفظ له آدميته ويعود عليه وأسرته منه عائد ماديٌّ يقتاتون به حتى إشعار آخر.

إنها آهات مكتومة من قلوب مكلومة تبحث عن وسيلة العيش الكريم المحترم دون أن تضطر إلى التخلي عن هويتها ونسيان مبادئها ومخاصمة أخلاقياتها وخالفة آدابها، بينما غيرهم من يجحدون نعمة الله عليهم وينفقون أحلى وأزهى مراحل عمرهم في لهو وغيٍّ وفجر وفحشٍ ولا يقدرون فضل الله الذي عمهم وخيره الذي أصابهم وستره الجميل الذي شملهم وحفظه الذي صانهم.
والد في غفلة أو تغافل، وأم في لهو أو تلاهٍ، وأخت لا تدري أو تدري فتتكتم إما مخافة من عاقبة إفشاء السر ونشر الأمر نصحاً وتصويباً لأخيها وإما سلبية وإعراضاً عن الأمر برمته "وأنا مالي"!!!!

الأمر أشد وأقسى وأعنف وأقوى من مجرد ولد فاسد أو ابن مدلل فاشل "أخلاقياً"
الأمر قضية جيل ومنهاج، قضية اتجاه تربوي ومعتقد أسري.

أين هو هذا الوالد المحترم من ولده وهو يظنه لم يدخن سيجارة واحدة "طيلة عمره" بينما فوجئ به بعد أكثر من عشرين سنة وقد عاد بل أعيد إليه مسطولاً سكراناً، ولولا فضل الهر عليهم جميعاً لتمكنت تلك الفتاة التي اختلقت قصة وهمية ، لتمكنت هي ومن وراءها من ارتكاب جريمة الله أعلم مداها لاسيما وقد وجدنا ضمن ما وجدنا في السيارة سلاحاً أبيض "سنجة بجراب"، ربما احتفظ بها تسلحاً احتياطياً ضد أية محاولة اعتداء عليه.

أهيب بالآباء "وأنا واحد منهم" والأمهات أن يتقوا الله في أبنائهم وبناتهم وألا يغفلوا عنهم وألا يتركوهم فريسة لأصدقاء السوء وجلساء الضياع، بدعوى الحرية والانفتاح والتفاعل مع المجتمع واختيار الطريق الذي يريدون دون أن تكون عليهم رقابة ولا حماية.

القضية أعمق وأخطر وأشد من مجرد موقف مر أو حادث عبر "جت سليمة والحمد لله"
لا والله ليست مجرد حادثة وانتهت، إنه منهج وسلوك وتكوين واتجاه تربوي حياتي، لاسيما في ظل الأوضاع الاجتماعية التي تعيشها مجتمعاتنا الحديثة التي يكون فيها كل واحد مع نفسه وكل أسرة في حالها داخل مسكنها أو بيتها عملاً بالمثل "صباح الخير يا جاري أنت في حالك وأنا في حالي"، وربما أصبح المثل "أنت في حالك وأنا في حالي من غير صباح الخير".

إن غياب خلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر لهو أمر بشع وخطر عظيم يتهدد مجتمعاتنا يعصف بها.

إن الأخوة الحقيقية التي أظنها غابت عن الأخت "في موقفنا الذي نتناوله الآن" ليست كما قد تظن الأخت هذه أو غيرها أن تستر على أخيها ـ إن كانت تعلم حاله وأفعاله ـ وألا تطلع الأب الغافل أو المتغافل أو المستغفل، خشية ردة فعله وما قد يحدث له ـ إن كان مريضاً ـ أو منه ـ إن كان عصبياً عنيفاً قاسياً شديداً.
بل الأخوة الحقة أن تصارح وتواجه وتعلن وتتكلم وتنصح وتبين إن كانت تعلم.

إن مشاعر الأم الفاضلة التي فاجأتنا بصرخاتها ولطماتها على خدها حين وجدت ولدها ربما الوحيد وهو يترنح أمامها في حالة سكر بيِّن وشديد، إن مشاعر الأمومة الحقيقية لا أن تكتم عن زوجها حال ولدها ـإن كانت تعلمـ مخافة بطشه أو أن يطرد ولدهما الذي قد يكون الوحيد ولكن الأمومة الحقيقية والمسؤولية الصائبة أن تتقي الله في ولدها وزوجها وابنتها وأن تحسن التصرف بالتوجيه والنصح والمتابعة والرفق حتى إذا لم تجد بداً هددت ولدها أو ابنتها إن بدا منهم تعنت وتغابي وتحدٍّ وتجاوز أن تتهددهم بالمواجهة الكبرى أمام والدهم والتعامل بشدة وحسم بحرمان من تعليم أو منع من نزول أو قوبة مناسبة لحجم البلاء، تلك هي الرعاية لرعية والحماية للذرية.

إنها آهات مكتومة لكنها كالقنابل الموقوتة توشك أن تفجر في المجتمع لا في وجه من صنعها أو أمسك بها أو تغافل عنها فقط، بل في إطار أوسع انتشاراً وأبعد تأثيراً وإضراراً.

أن يخرج لنا جيل من الشباب والبنات الذين لا يحملون أيَّ تقدير للأمانة ولا عرفان بالنعمة ولا فهم للواقع ولا تحمل للمسؤولية فتلك والله هي المصيبة نفسها والبلاء عينه والخطر ذاته.

وإني ليحضرني الآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:16].
ويالبلاغة وفصاحة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع ومسئول عن رعيته: فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته قال فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال والرجل في مال أبيه راع ومسئول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (رواه البخاري في صحيحه)، وبنحوه في صحيح مسلم وسنن أبي داود ، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد كله من حديث عبد الله بن عمر.

ثم إني أوجه كلماتي هذه إلى الشباب -وأرجو أن تصل إليهم أو إلى من يوصلها إليهم- إنكم أمل هذه الأمة، أتم حاضرها ومستقبلها، أنتم حلقة الوصل وقناة التواصل بين الماضي متمثلاً في الآباء والأجداد -بخبراتهم ومعارفهم وتجاربهم ـ وبين المستقبل متمثلاً في الأبناء والأحفاد ببراءتهم وصفاء أذهانهم وخلو صفحات حياتهم من ملوثات الأفكار ومدنسات العقائد ومشوشات الأذهان فهم يمثلون صفحات بيضاء ناصعة تتيح للخطاط الماهر والكاتب البارع والمؤلف الخريت أن يخط كلمات النور بمداد الحق ليرسم عليها أروع منهاج مستمد من أصفى نبع وأرقى مورد من الشريعة الغراء والسنة العصماء لينشأ جيل على عقيدة راسخة وشريعة مستقيمة وطريقة معتدلة حنيفية غير ذات عوج ولا انتكاس.

أقول لكم أيها الشباب: إن الزمان زمانكم والمجال مجالكم والأمة تنظر إليكم بل الأمم كلها تتطلع إليكم وتشتاق إلى معانقتكم لترفعوا رايتها وتعلوا كلمتها وتنصبوا هامتها إجلالاً وإكراماً فلا تخذلوها ببعدكم عن دينكم ولا تبيعوها ببخس من المنافع الظاهرة العارضة التي سرعان ما تنتهي.

ولتذكروا أن فترة الشباب هذه هي أجمل فترات العمر على الإطلاق وأنكم عنها مسؤولون أمام ربكم سبحانه وتعالى وسيسألكم عنها مرتين مرة يسألكم عنها ضمن إجمالي العمر ومرة يسألكم عنها سؤالاً مستقلاً خاصاً، تأملوا معي هذا الحديث الرائع الرائق الشديد: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم».

صحيح الترمذي وصحيح الترغيب وتخريج مشكاة المصابيح والسلسلة الصحيحة للعلامة الألبانيِّ رحمه الله تعالى، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

ودونكم حديث جلل وقول فصل يقطع على المرء الكسل ويشعره بالخجل: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»
رواه البخاري وأحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

فيالله يا شباب الأمة اتقوا الله في أعماركم ولا تضيعوا أوقاتكم فيما لا نفع ولا طائل.

***
الآن الساعة 10.24 مساء الاثنين 15 من صفر 1433هـ، 9 يناير 2012م .
ابن الأزهر ومحبه
أبو أسماء الأزهريّ
كارم السيد حامد السرويّ
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
[email protected]
[email protected]
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 4
  • 0
  • 3,019
المقال السابق
(2) ضيعها أبوها!
المقال التالي
(4) العسل المرُّ!

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً