آهات مكتومة - (4) العسل المرُّ!

منذ 2012-03-02

بالفعل وجدت عملاً بمصنع للملابس بجوار سكن أخيها لكن أباها لم يسكت على فعلتها فأرسل إليها أبناء عمومتها ليرجعوا بها مهما كلفهم ذلك، حاولت أن تتمسك بالبقاء فأبوا إلا أن ترجع إما إلى أبيها تاركة ولدها لأم أبيه الذي سافر وتركه، وإما إلى بيت زوجها الذي طلقها..!

جاءت بعد صلاة العشاء بذات المسجد الذي كنت فيه منذ عدة أشهر (مسجد المصطفى) وطلبت سؤالاً سريعاً فأذنت لها قالت من تحت نقابها: "أن زوجها طلقها ثلاث مرات وأن هذا الغلام الصغير هو ولدها منه، وأنها قدمت من الصعيد لتسكن مع أخيها وزوجته هربًا من قسوة أبيها الذي أصر على أن تترك لزوجها الذي افترى عليها وأهانها الولد ليربيه أو ليفعل به ما شاء، لكنها غافلته وفرت بولدها وفضلت أن تأتي إلى القاهرة -مصر- لتبدأ حياة جديدة بعيداً عن والد لا يرحم وزوج طلق وسافر بحثاً عن شهواته وملذاته، ولم يرع الله فيها ولا في ولدها".

بالفعل وجدت عملاً بمصنع للملابس بجوار سكن أخيها لكن أباها لم يسكت على فعلتها فأرسل إليها أبناء عمومتها ليرجعوا بها مهما كلفهم ذلك، حاولت أن تتمسك بالبقاء فأبوا إلا أن ترجع إما إلى أبيها تاركة ولدها لأم أبيه الذي سافر وتركه، وإما إلى بيت زوجها الذي طلقها..!

"كيف أرجع إلى بيت رجل طلقني ثلاثاً حتى حرمت عليه؟
لا نعترف بهذا الكلام كلنا يطلق ويرد ولا إشكال..! إذاً فلأبق مع أبي ومعي ولدي.. لا لن نقبل الولد ولن نربي للخائن الغادر النذل ولده بينما هو يرتع ويتنعم في حياته ولهوه دون مسؤولية، وحسبك أنك من صممت على الزواج منه رغم اعتراضنا ورفضنا، هو عقاب لي أم للولد أن يُحرم من أبيه الذي سافر وأمه التي طلقت أم هو عقاب لي وله؟ لا فائدة ولا أمل ولا خيار إلا أن تكوني مع أبيك دون ولدك أو مع زوجك وولدك، ولا عبرة للطلاق..!

إذاً فاتركوني أعش هنا وأسكن وولدي بجوار أخي.
كلا لا نرضى ولا نقبل هذا الهراء اسم العائلة وشرف العائلة، كيف نقبل لابنتنا أن تبقى وحدها في العاصمة لا زوج ولا والد ولا رقيب ولا حسيب؟ ماذا أفعل يا شيخ؟"

لا أدري لماذا تأتي المشكلات الصعبة التي تقترب من رتبة المستحيلات بحيث لا يجد الداعية ولا العالم حلاً لها -حلاً دعوياً-؟ مثل تلك المشكلة لا حل لها في وجهة نظري المتواضعة إلا أن تتغير المفاهيم وتتبدل النظريات، وتنضبط العادات والتقاليد والمبادئ بضابط الشريعة.

إن مجتمعاً يستهين بالأحكام الشرعية بحيث لا يقيم وزناً للحرام والحلال إلى الحد الذي يقبل فيه الرجل أن تبقى ابنته أو أخته أو أية امرأة تحت رجل قد انحلت عقدة النكاح التي كانت تربطهما، فلم يعد يحل أحدهما للآخر، لهو أمر شنيع شديد القسوة يبتعد بالفكر عن نطاق النخوة والمروءة والكرامة ونظرية الرجولة بكافة صورها ومراحلها ودرجاتها.

ما الفارق إذاً بين هذا النوع من البشر وبين الذي يقدم ابنته أو أخته للزنا والخنا؟
الفارق الوحيد في نظري أن الأخير يقدمها عارفاً بالمعصية وربما يكون نادماً، أما الأول فإنه يقدمها برضا وقناعة تامة أنه على الحق المبين والصراط المستقيم وأنه يحمي شرف العائلة ويحفظ ماء وجه الأسرة ويصون عرض البنت أن يقال: "طلقت أو يقال رماها زوجها لعلة في سمعتها وخلقها ولو كانت نظيفة لما فرط فيها!" بئس الظن إذاً وبئس المعتقد والصنيع هو.

تحت وطأة الضغط العائلي الشديد وربما التهديد أيضاً سافرت المرأة، وهناك: "اصطحبها أبو ولدها إلى شيخ -ويا لها من كلمة تلك التي ينخدع بها الكثيرون حين ينتحلها من ليس لها بأهل- وقص عليه الزوج المطلق القصة وأنه كان غاضباً وكان مغيباً وأنه لا يذكر ما قال".


"لا بأس -القول قول الرجل- فكفر يا رجل عن يمينك وتب إلى ربك وهنيئاً لكما العودة".
قلت لها: الحمد لله إذاً فلقد يسر الله لك الأمر وأصبح رجوعك إلى بيت زوجك منوطاً بحكم شرعيٍّ ولم تفرطي في ولدك فلماذا الحزن إذاً؟

قالت: "لم يعد له في قلبي ولا في حياتي مكان! خائن وغشاش يتقلب في أحضان النساء، يكذب ويفجر، يعد ويغدر! لم أعد أذق طعم السعادة التي كنت أحس بها أول زواجنا منذ نحو عشر سنوات أو تزيد".

قلت: قد جعل الله لك المخرج في الخلع مادمت كرهت إلى هذا الحد وأنه سيء الخلق سيء المعاشرة.
قالت: "إن رضي هو فإن الثمن أن أتخلى عن ولدي لأرجع إلى بيت أبي".

قلت: فاصبري عسى الله أن يهديه إلى الخير وتتحسن معاملته وتستقيم سيرته.
قالت: "أنا صابرة ولكني لست راضية ومهما بذل ومهما فعل ولو سقاني بدل الماء عسلاً، فإن العسل منه يكون مراً لأني كرهته لفساده وسوء خلقه وكذبه".

أسكتتني فلم أحر جوابًا، فقط أخذت أتأمل كلماتها الأخيرة وهي تصف الحياة معه بالعسل المرّ..!
وكيف أن امرأة تعيش تحت رجل لا تقبله ولا تريده، لأنه لا دين له ولا خلق له ولا عهد له ولا أمان له، ولكنها مضطرة مكرهة لتحفظ ولدها ولا تتخلى عنه؟.

فيا ترى يحفظ لها ولدها الجميل حين تبلغ أرذل العمر؟ أم أنها تبقى طيلة عمرها تشرب العسل المرّ سواء من أبيها أو من زوجها أو من ولدها الذي ضحت بسعادتها من أجله؟ في حين لا أحد يسمع آهاتها المستمرة المحمومة لأنها حقاً مجرد آهات مكتومة..!


ابن الأزهر ومحبه
أبو أسماء الأزهريّ
كارم السيد حامد السرويّ
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
[email protected]
[email protected]
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 0
  • 0
  • 1,247
المقال السابق
(3) ابني عمره ما شرب سيجارة!!
 

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً