آية الأعراب بين تطفيف الصافق وإنصاف الخالق...
ولو أُحسن النظر، لتبين أن الآية تصف حالا غالبة في فئة مخصوصة بظروفها وبيئتها، لا حكما عرقيا مطلقا، ولا إدانة جماعية مجافية على الدوام.
قال الله تعالى:
{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ}
سبحان الخالق في عدله وإنصافه، فما أيسر أن يُنتزع من السياق بعضه، فيُحمَّل ما لا يحتمل، ويُتَّخذ ذريعة للتعميم الجافي أو الفهم المجتزأ. ولطالما استُدل بقوله تعالى: {﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾} استدلالا يراد به ما لا يراد، ويُوسع به مدلول اللفظ حتى يتجاوز حده وسياقه، فينصرف في أذهان الحاقدين إلى أمة بأسرها، أو إلى العرب على إطلاقهم، بل وربما إلى المسلمين عامة، أخذا بظاهر مبتور عمدا، وإغفالا لما بعده من البيان المتمم والميزان المقوم.
ولو أُحسن النظر، لتبين أن الآية تصف حالا غالبة في فئة مخصوصة بظروفها وبيئتها، لا حكما عرقيا مطلقا، ولا إدانة جماعية مجافية على الدوام.
وانظر إلى حقيقة أن كلام الله جل جلاله لم يُبق الحكم على إطلاقه، بل عقبه بقوله سبحانه: {"ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول"} ، فجاء الاستثناء هاهنا شاهد عدل وإنصاف على أن الميزان ميزان إيمان وعمل، لا ميزان نسب أو موطن.
فكيف يُتجاوز هذا البيان الصريح، ويُضرَب عنه صفحا، ويُكتفى ببعض الآية دون تمامها؟!! إن في ذلك إغفالا مقصودا لتمام الحكمة، ومجاوزة لحدود الإنصاف التي قام عليها الخطاب القرآني المتجرد.
ولذلك نجد أن الآيات – متى ما قُرئت في نسقها فلابد أن ترسم صورة متوازنة فتذكر من اشتد كفره ونفاقه لجهله وبعده عن موارد العلم، وتذكر في المقابل من صفا إيمانه، وصدق قصده، فجعل نفقته قربة إلى الله، ورجاء في دعاء رسوله، ليحصل اللازم المتحقق في وعد الله بالرحمة.
وهكذا يبقى النص القرآني على جلاله وعدله، لا يُحمِّل قوما وزر غيرهم، ولا يُعمِّم وصفا إلا بقدر علته، فلا تراه يفتح باب الذم إلا ويقرنه بباب الثناء الحسن، ليظل الميزان الرباني قائما بالقسط، كما يظل الفهم البشري المواطئ لمراد الله من كلامه مؤسسا على تمام السياق، لا على بعضه دون بعض، لا في اجتزاء يتداوله الحاقدون والمناكدون والمعاندون لشرع الله المبغضون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، تلك الأمة الموصولة بالله المحفوظة بحفظ كتابها ودوام دستورها واستمرار منهجها قائما إلى آخر نفس منفوسة...وصلى الله على محمد في الأولين والآخرين آمين
محمد بوقنطار
محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.
- التصنيف: