علماء الدنيا

منذ 20 ساعة

رأيت نفراً ممن أفنى أوائل عمره وريعان شبابه في طلب العلم يصبر على أنواع الأذى، وهجر فنون الراحات، أنفقه من الجهل، ورذيلته، وطلباً للعلم، وفضيلته...

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

علماء الدنيا:

رأيت نفراً ممن أفنى أوائل عمره وريعان شبابه في طلب العلم يصبر على أنواع الأذى، وهجر فنون الراحات، أنفقه من الجهل، ورذيلته، وطلباً للعلم، وفضيلته.
فلما نال منه طرفاً رفعه عن مراتب أرباب الدنيا، ومن لا علم له إلا بالعاجل ضاق به معاشه أو قل ما ينشده لنسفه من حظوظ.
فسافر في البلاد يطلب من الأرذال، ويتواضع للسفلة وأهل الدناءة والمكاس وغيرهم.
فخاطبت بعضهم وقلت: ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها.
وأظمأت نهارك بسببها، فلما ارتفعت وانتفعت عدت إلى أسفل سافلين.
أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبو به عن مقامات الأرذال ؟.
ولا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى ؟.
ولا حصلت بالعلم قوة تجذب بها زمام النفس عن مراعي السوء ؟.
على أنه يبين لي أن سهرك وتعبك كأنهما كانا لنيل الدنيا.
ثم إني أراك تزعم أنك تريد شيئاً من الدنيا تستعين به على طلب العلم، فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأرذال أفضل من التزيد في علمك.
فلو عرفت ما ينقص به دينك لم تر ف ما قد عزمت عليه زيادة، بل لعله كله مخاطرة بالنفس، وبذل الوجه الذي طالما صين لمن لا يصلح التفات مثلك إلى مثله.
وبعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف، وقد علمت ما في السؤال بعد الكفاف من الإثم.
وأبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ.
ومن لك بالسلامة والرجوع إلى الوطن ؟. وكم رمى قفر في بواديه من هالك.
ثم ما تحصله يفنى ويبقى منه ما أعطى، وعيب المتقين إياك، واقتداء الجاهلين بك.
ويكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه إذ فعلت ما يناقضه، خصوصاً وقد مر أكثر العمر.
ومن أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي.

  • 0
  • 0
  • 58

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً