العشر الأواخر وقيام الليل
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، شد مئزرَه، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، شد مئزرَه، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»، وفي لفظ مسلم: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر».
هذا الحديث الشريف يدل على فضيلة هذه العشر التي هي العشر الأخيرة من شهر رمضان، فقد خصَّ الله هذا الشهر بمزايا لم تكن في سائر الشهور، من تنزل الرحمات، ومغفرة السيئات، ومضاعفة الأجور، وعتق الرقاب فيه من النار، وخص الله هذه العشر منه بمزيد من الفضل، وجعل ليلة القدر فيها خيرًا من ألف شهر؛ كما قال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 - 5]، وكما في قوله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان: 3 - 6].
فهذا يدل على فضل هذه الليلة المباركة، وأن الله جعلها رحمة لعباده، يجود عليهم فيها بمضاعفة الحسنات، ومحو السيئات، وجعل العبادة فيها خيرًا من العبادة في ألف شهر خالية منها، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يخص هذه العشر بمزيدٍ من العبادة، فكان يتفرغ لمناجاة ربه، ويسهر ليله، ويُكثر من تلاوة القرآن، ويتجنب نساءه، وينقطع فيها للعبادة، كما يدل على ذلك الحديث المتقدم وغيره من الأحاديث؛ كما جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر:
فمنها: إحياء الليل، فيحتمل أن يراد بإحيائه كله، كما ورد من بعض الطرق عن عائشة: «وأحيا الليل كله».
وجاء في المسند عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر - يعني الأخير - شَمَّر وشد المئزر».
ورُوي عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا كان أربعًا وعشرين لم يذُق غمضًا»، ويحتمل أن يُراد بإحياء الليل: إحياء غالبه.
وقد روي عن بعض السلف: أن من أحيا نصف الليل فقد أحيا الليل كله، وروي أيضًا مثل هذا عن عائشة رضي الله عنها.
وكان اجتهاده صلى الله عليه وسلم في هذه العشر كله طلبًا لليلة القدر، ولذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قام بهم ليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين؛ لأن هذه الليالي أرجى أن تكون ليلة القدر.
وروي أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين، وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي تُرجى فيها ليلة القدر، وقد روى الطبراني عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة.
قال سفيان الثوري رحمه الله: «أحب إذا دخل العشر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا».
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطرق فاطمة وعليًّا ليلًا، فيقول لهما: «ألا تقومان فتصليان»، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر.
وفي الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يصلي في الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة؛ يقول لهم: الصلاة، الصلاة، ويتلو هذه الآية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].
فجميع ما تقدم من الأحاديث والآثار، يدل على فضل الصلاة في الليل، واستحباب إيقاظ الأهل والولد من أجلها، لا سيما في هذه الليالي العظيمة الشريفة التي هي مَغنم ومَوسم من المواسم التي لا تُعوَّض إذا فاتت، ولا يعلم العبد هل يدركها عامًا قابلًا أو لا يُدركها!
وقوله في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يشد المئزر: اختلف العلماء في معناه، فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة، ومنهم من قال: إن هذا إشارة إلى اعتزاله النساء في هذه العشر، وعدم قربانه لهن؛ لشغله بالعبادة والصلاة والمناجاة لربه، وهذا تفسير كثير من السلف رحمهم الله وبعض الأئمة، كما فسره سفيان الثوري، وهو يروى بالمعنى عن عائشة رضي الله عنها وأنس بن مالك، فقد جاء عنه رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر طوى فراشه، واعتزل النساء»؛ رواه الطبراني في الأوسط.
وأيضًا كان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعتكف العشر الأواخر، ومن المعلوم أن المعتكِف ممنوع من قربان النساء؛ كما في قوله سبحانه: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].
وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر الأواخر شد المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء له سحورًا»؛ رواه الطبراني في الأوسط.
ويُستحب في هذه الليالي الاغتسال بين صلاة المغرب والعشاء، فقد روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بين العشاءين كل ليلة»؛ يعني: من العشر الأواخر.
وروي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قام مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من رمضان، فاغتسل النبي صلى الله عليه وسلم، وستره حذيفة، وبقيت فضلة، فاغتسل بها حذيفة، وستره النبي صلى الله عليه وسلم».
قال الإمام ابن جرير رحمه الله: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليال العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، ومنهم من كان يغتسل، ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر.
وروي عن أنس رضي الله عنه: «أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل، وتطيب، ولبس حلة إزار ورداء، فإذا أصبح طواهما، فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل.
وكان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر.
فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، كما يُشرع ذلك في الجمع والأعياد، كما أنه يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات؛ كما قال سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]؛ أي: عند كل صلاة؛ قال بعض العلماء: ولا يكمُل التزين الظاهر إلا بالتزين الباطن، وذلك بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه، وانكسار القلب بين يديه، فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا؛ قال سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]، وقد قيل:
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التُّقى تقلَّب عريانًا وإن كان كاســـيَا
والله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صوركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التقوى.
نسألك اللهم أن تُزيِّنَّا بزينة الإيمان، وأن تُعتقنا في هذا الشهر الكريم من النيران، وأن تجعلنا ممن قُبل صيامه وقيامه، ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
______________________________________
الكاتب: الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
- التصنيف: