نعمة الأم والأب

منذ 6 ساعات

كل كلمة طيبة أدخلت بها سرورا علي قلب والديك حتما ستسمعها يوما ما من أحد أولادك وسوف تسر بها .


أما بعد فيقول رب العالمين سبحانه { (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) }
وقال عز من قائل {{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ} }
وعند البخاري وغيره من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلى اللهِ قَالَ: الصَّلاةُ عَلى وَقْتِها قَالَ: ثُمَّ أَيّ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوالِدَيْنِ قَالَ: ثُمَّ أَيّ قَالَ: الْجِهادُ في سَبيلِ اللهِ قَالَ ابن مسعود حَدَّثَنِي بِهِنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي )»

أيها الإخوة الكرام: اليوم موعدنا لنتحدث عن نعمة جليلة لا نشعر بها ولا نعرف قيمتها إلا بعد زوالها.. 
هذه النعمة هي أن يكون لك في هذه الحياة الدنيا أما وأبا نسأل الله بأسماءه الحسني وصفاته العلي أن يبارك في الحي منهما وأن يرحم الأموات بواسع رحمته .

اسمحوا لي أيها الكرام في مستهل هذا اللقاء أن أقول إن ابن العشرين منكم قبل عشرين سنة لم يكن شيئا مذكورا وابن الأربعين منكم قبل أربعين سنة لم يكن له ذكر ولم يكن له وجود وهذا يقال لابن الخمسين وابن الستين وابن الثمانين.

{(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا )} ؟ هذا سؤال { (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا )} ؟ جواب السؤال نعم يا رب أتي علي كل انسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا لم يكن له وجود .. 

ثم ماذا أيها المؤمنون ثم منحك الله تعالي نعمة الإيجاد فخلقك من عدم ووهبك الحياة فصرت بفضل الله تعالي حي ترزق وفي هذه الأثناء تفضل الله تعالي عليك بنعمة الإمداد فأمدك بأم وأب كنعمة من أجل النعم نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا علي برهما في حياتهما وبعد وفاتهما .

لأن البر بالوالدين عمل عظيم رفع الله تعالي درجة الإحسان إليهما إلي مستوي التوحيد فقال {(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )}

لأن الإحسان إلي الوالدين لا يُتصور إلا من الكرام فقد رفع الله درجة الإحسان إلي الوالدين إلي مستوي العبادة وما أمرنا به ربنا أمر به المؤمنين من قبلنا {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  

ورد في شعب الإيمان من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «« من أصبح مطيعًا لله فِي والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة وإن كان واحدًا فواحدًا ومن أمسى عاصيًا لله فِي والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار وإن كان واحدًا فواحدٌ » فقال رجل يا رسول الله وإن ظلماه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام « وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه » »

مائة وأربعة عشر سورة هي عدد سور القرآن الكريم .. 
ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية هي عدد آيات القرآن الكريم لا يوجد في سورة واحدة ولا في آية واحدة أن الله تعالي قال وبالأولاد إحسانا .. لا لشيء إلا لأن رحمة الوالد بولده مستمدة من رحمة الله تعالي ورحمة الوالدة بولدها رحمة مستمدة من رحمة الله تعالي قال الله عز وجل لموسي عليه السلام { (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ) }

الله سبحانه وتعالي يوم خلق الرحمة قسمها فجعلها مائة جزء أمسك عنده تسعة وتسعين جزءا يرحم بهم عباده يوم القيامة وأنزل في الأرض من رحمته جزءا واحد بين الإنس والجن والبهائم والهوام فبها يتراحمون وبه يتعاطفون حتي ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه .

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما قالت عائشة رضي الله عنها فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت المسكينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إن الله قد أوجب لها الجنة أو أعتقها بها من النار» " 

من أعظم نعم الله تعالي عليك أن يكون لك أبوين علي قيد الحياة وأن يشرح الله صدرك إلي الإحسان إليهما إلي إكرامهما , من أعظم نعم الله تعالي عليك أن يكون لك أبوين علي قيد الحياة وأن يهديك الله تعالي لهما فتسمع لهما وتطيع في كل ما يأمرانك به وفي كل ما ينهيانك عنه إلا أن يأمراك بإثم أو بقطيعة أو معصية لله عز وجل فلا طاعة وقتها لمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالي ويبقي عليك بعد هذا أن تصاحبهما في الدنيا بالمعروف {( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )}  

عند تفسير سورة الممتحنة أورد المفسرون أن قُتَيلة بنت عبد العزي .. وكانت زوجة لأبي بكر قبل أن يفرق الإسلام بينهما قدمت المدينة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ببعض الهدايا قدمت وهي مشركة قدمت وهي لا تزال علي دين آبائها فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأبت أن تدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم عما فعلت أختها أسماء فأنزل الله عز وجل {{ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }} فأمرها النبي أن تصل أمها وأن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها.

البطولة كل البطولة أن تُحسن صحبة والديك 
قَالَ النبي عليه الصلاة والسلام «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ الْبِرُّ كَذَلِكَ الْبِرُّ وَكَانَ حارثة أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» .

أن يخرج أبوك من الدنيا وهو يدعو لك أن تخرج أمك من الدنيا وهي عنك راضية أنت بهذا تخرج من الدنيا مغفورا لك فالله تعالي يبارك في عمرك بسبب إكرامك لوالديك الله تعالي يبارك في مالك وعيالك بسبب إحسانك إلي أبويك الله تعالي يعصمك الله يحفظك الله يسترك الله ينجيك من المهالك الله تعالي يسلمك من الفتن بسبب إحسانك وإكرامك لهذين الشيخين الكبيرين فهما أحق بخيرك من غيرهما فهما أولي بالمعروف من أي أحد وفي الذكر الحكيم : 

{(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ )}

تودد إليهما وتحبب إن كانا ميسورين وأنفق عليهما إن كانا فقيرين فالنفقة عليها تحسب في خانة النفقة في سبيل الله.. 

أن يخرج أبوك من الدنيا وهو يدعو لك أن تخرج أمك من الدنيا وهي عنك راضية أنت بهذا في نعيم مقيم أنت تضمن الجنة بفضل الله سبحانه وتعالي.. 

في حديث الإسراء والمعراج ورد أن النبي صلي الله عليه وسلم مر برجل مغيب في بحار من النور في ظل العرش فقال يا جبريل من هذا ؟ أي نبي هذا ؟ أي ملك هذا ؟ أي شهيد هذا ؟ أي صديق هذا ؟ فقال جبريل هذا مَثَلٌ لرجل في الدنيا قلبه معلق بالمساجد ولسانه رطب بذكر الله تعالي وكان بارا بوالديه . 

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا علي برهما أحياءا وأمواتا إنه ولي ذلك ومولاه .

الخطبة الثانية
بقي لنا في ختام الحديث عن الوالدين في حياتنا كنعمة من أجل النعم ببرهما تغفر ذنوبنا وتستر عيوبنا وبالإحسان إليهما ندخل جنة ربنا بقي لنا في ختام الحديث أن نقول:
 إن الإحسان إلي الوالدين رواية .. أنت بطلها، أنت مؤلفها، أنت تكتبها، ثم تنساها، ليأتي أولادك بعد حين من الدهر ليقرؤوها إليك .. يعني إيه ؟؟

يعني كل كلمة طيبة أدخلت بها سرورا علي قلب والديك حتما ستسمعها يوما ما من أحد أولادك وسوف تسر بها .

كل معروف صنعته لوالديك سيصنع لك علي أيدى أولادك .. ثواب الإحسان إلي الوالدين هو أسرع ثواب تراه في الدنيا قبل الآخرة . 

وكذلك عقوق الوالدين شؤمه وشره يراه صاحبه في الدنيا قبل الآخرة كل كلمة قالها العاق لوالديه سوف تقال له وكل نظره وكل تصرف سيئ سوف يراه قبل الممات .. 
من سب والديه سيلعنه أولاده ومن أهمل والديه سيهمله أولاده فالجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان فمن نفس الكأس الذي سقيتهما منه ستشرب حتي تتضلع . 

الذنوب منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير من أكبر الكبائر المهلكات الموبقات أن تعق والديك قال النبي عليه الصلاة والسلام ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا بلي يا رسول الله قال الإشراك بالله و عقوق الوالدين ألا و قول الزور ألا و شهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

 نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك في الأحياء من آبائنا وأمهاتنا، وأن يتغمد أمواتنا بواسع رحمته إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 
-------------------------------------
جمع وترتيب : الشيخ / محمد سيد حسين عبد الواحد.
إمام وخطيب ومدرس أول .
إدارة أوقاف القناطر الخيرية.
مديرية أوقاف القليوبية . مصر 
 

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 1
  • 0
  • 53

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً