حقيقة تجديد الدين
فما حقيقة تجديد الدين، وكيف جعل هذا التجديد سبباً إلى إفساد الدين، وهو ما يسمى بتطوير الإسلام وتطويعه للواقع؟
فما حقيقة تجديد الدين، وكيف جعل هذا التجديد سبباً إلى إفساد الدين، وهو ما يسمى بتطوير الإسلام وتطويعه للواقع؟
أقول، ومن الله وحده أستمد العون والتوفيق:
إن تجديد الدين مطلب ديني وضرورة شرعية، يحتمها تجدد الوقائع وتكاثر النوازل.
أما لفظ التجديد فهو مصطلح شرعي أصيل؛ إذ دلّ عليه قول المصطفى ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (1).
وقد بنى أهل العلم على هذا الحديث وما في معناه وأسسوا قاعدة جليلة، وهي: أنه لا يجوز أن يخلو عصر عن قائم لله بحجته (٢). وقد بوّب لذلك الخطيب البغدادي بقوله: «ذكر الرواية أن الله تعالى لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه (۳).
وفي معنى حديث التجديد: قوله : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (4). وقوله : « «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (٥).
إلا أن الإشكال القائم يأتي من جهتين:
1- من جهة تفسير معنى التجديد وبيان المراد منه.
٢ ـ من جهة التلبيس والخلط المتعمد من أهل الزيغ والضلال بين التجديد الصحيح وبين التجديد الفاسد.
أما التجديد المطلوب، وهو الذي وردت النصوص بالدعوة إليه والثناء على أهله فإنه يتحقق بإحياء ما اندرس من أحكام الشريعة، وما ذهب من معالم السنن، وخفي من العلوم الدينية الظاهرة والباطنة.
وإنما يقوم بهذا المطلب الشريف ويوفّق إليه في كل عصر خلق من العدول الثقات؛ ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد. وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وهو من أعلام نبوته.
وقد اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم (6).
وأما التجديد الفاسد فإنما يقوم به ويسعى إليه أهل الزيغ والضلال، ولهم في ذلك مسالك ومداخل.
وقد عظم شأنهم في هذا العصر، وراجت بضاعتهم؛ حيث قضت خطة الإعلام المعاصر بإظهار بعض الرموز على أنهم حماة الدين والفضيلة، مما أسهم في قلب الحقائق وصناعة الإفك وتأنيس المنكر وإذاعته وبث الفساد وإشاعته.
وخطة الاستعمار والصهيونية العالمية في ذلك كانت تقوم - ولا تزال - على السيطرة على أجهزة النشر التي نسميها الآن (الإعلام)، وإلقاء الأضواء من طريقها على كتاب ومفكرين من نوع خاص، يبنون ويُنشئون بالطريقة التي يُبنى بها نجوم التمثيل والرقص والغناء، بالمداومة على الإعلان عنهم والإشادة بهم، وإسباغ الألقاب عليهم، ونشر أخبارهم وصُوَرِهم. وذلك في الوقت الذي يُهمل فيه الكتاب والمفكرون الذين يصوِّرون وجهات النظر المعارضة، أو تشوّه آراؤهم آناً بعد آن لا يملون من التكرار لأنهم يعلمون أنهم يخاطبون في كل مرة جيلاً جديداً، أو هم يخاطبون الجيل نفسه، فيتعهدون بالسقي البذور التي ألقوها من قبل (7).
ومن هنا فقد ظهرت دعوة مشبوهة تنادي بالاجتهاد في تجديد الإسلام وتطويره حتى يوافق الأمر الواقع في حياتنا العصرية.
وقد سرت هذه الدعوة الخطيرة بأسلوب متدرج، متصاعد، وانطلقت بخطی مدروسة.
فمن ذلك (8):
- اقتراح وضع مدوّنة قانونية (قضائية) عصرية شاملة، تقوم على تنقيح الأقضية والأحكام الشرعية بما يوافق مزاج العصر بدون شذوذ.
- المطالبة بإعادة النظر في الأحكام المترتبة على العادات والأعراف إذا تغيرت.
- الدعوة إلى الاجتهاد وأن يكون هذا في أضيق الحدود، فهي دعوة مقتصدة غاية الاقتصاد، تتقيد بحدود المذاهب الفقهية الأربعة، ولا تتجاوزه إلى الاجتهاد المطلق؛ حيث إن أهل هذا العصر ليسوا أهلاً لهذا الاجتهاد.
ثم إن الدعوة أصبحت من بعد على يد محمد عبده ومدرسته ولا سيما رشيد رضا، دعوة عامة تهاجم التقليد وتطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد؛ فانفتح الباب على مصراعيه للقادرين ولغير القادرين، ولأصحاب الورع ولأصحاب الأهواء، حتى ظهرت الفتاوى التي تبيح الإفطار لأدنى عذر، توسعاً في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ} [البقرة: ١٨٤]، واستناداً إلى إباحته في غزوة الفتح.
وظهرت الفتاوى التي تبيح المعاملات التي تقوم على الربح، وتقسم الربا إلى رباً ظاهر وهو ربا النسيئة، الذي يتضاعف فيه الدين أضعافاً مضاعفة، ورباً خَفِيّ وهو ربا الفضل، ولا تحرم إلا ربا النسيئة، أو تحرم الربا في أصناف معينة.
وظهرت الفتاوى التي تحظر تعدد الزوجات وتحظر الطلاق وتجيز تدخل القضاء فيهما. وظهرت الآراء التي تجعل الإسلام داخلاً في هذا المذهب أو ذاك من المذاهب السياسية والاجتماعية التي ابتدعتها الحضارة الغربية الحديثة.
وبذلك تحول الاجتهاد في آخر الأمر إلى تطوير للشريعة الإسلامية يهدف إلى مطابقة الحضارة الغربية أو الاقتراب منها إلى أقصى ما تسمح به النصوص من تأويل على أقل تقدير.
وخطر التطوير على الإسلام وعلى المجتمع الإسلامي يأتي من وجهين. فهو إفساد للإسلام يُشوِّش قيمه ومفاهيمه الأصيلة بإدخال الزيف على الصحيح، ويُثبت الغريب الدخيل ويؤكده.
فبعد أن كان الناس يشاركون في تصاريف الحياة، وهم يعرفون أن هذا الذي غُلبوا على أمرهم فيه ليس من الإسلام، والأمل قائم في أن تجيء من بعد نهضةٌ تَرُدُّ الأمور إلى نصابها عند الإمكان؛ يصبح الناس وهم يعتقدون أن ما يفعلونه هو الإسلام. فإذا جاءهم من بعد من يريد أن يردهم إلى الإسلام الصحيح أنكروا عليه ما يقول، واتهموه بالجمود والتمسك بظاهر النصوص دون روحها.
أما الوجه الآخر لضرر التطوير - وهو الذي يعني أعداء الإسلام - فهو أن هذا التطوير ينتهي بالمسلمين إلى الفرقة التي لا اجتماع بعدها، لأن كل جماعة منهم سوف تذهب في التطوير مذهباً يخالف غيرها من الجماعات.
ومع توالي الأيام نجد إسلاماً تركياً وإسلاماً هندياً وإسلاماً إيرانياً وإسلاماً عربياً، بل ربما وجدنا في داخل هذا الإسلام العربي ألواناً إقليمية تختلف باختلاف البلاد (9).
_________________________________________
(۱) رواه أبو داود في سننه) (١٠٩/٤) برقم (٤٢٩١) وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة» (٢/ ١٥٠) برقم (٥٩٩).
(۲) انظر: مفتاح دار السعادة» (۱٤۳/۱ ، (١٤٤) ، وإعلام الموقعين» (٢٧٦/٢).
(۳) (الفقية والمتفقه) ("1-30")
(4) (رواه مسلم 1-56).
(5) (رواه البيهقي، وصححه الألباني).
(6) انظر: فيض القدير: ٩/١.
(7) الإسلام والحضارة الغربية : ٤٨ - ٤٩
(8) انظر المصدر السابق ٥٠
(9) الإسلام والحضارة الغربية. 50-53
- التصنيف: