(ولا تكن من الغافلين)

منذ 3 ساعات

ذكرُ الله تعالى من أعظم العبادات، وأَجَلِّ القربات، هو خير ما أُمضيت فيه الأوقات، وصُرفت فيه الأنفاس، منشور ولاية أهل الإيمان، ومِفتاح خيرهم وفلاحهم، سلاحُهم الذي به يقاتلون، وسببهم الذي به يصلون، ورأس مالهم الذي به يتَّجرون.

ذكرُ الله تعالى من أعظم العبادات، وأَجَلِّ القربات، هو خير ما أُمضيت فيه الأوقات، وصُرفت فيه الأنفاس، منشور ولاية أهل الإيمان، ومِفتاح خيرهم وفلاحهم، سلاحُهم الذي به يقاتلون، وسببهم الذي به يصلون، ورأس مالهم الذي به يتَّجرون. 
أمر الله تعالى بالإكثار منه، والإتيان به في كل حال؛ لشدة الحاجة إليه، وعدم الاستغناء عنه، ووعد على ذلك بالأجر العظيم، والثواب الجزيل.

ومن أجمع الآيات التي جاء الأمر فيها بالذكر وبيَّنتْ طرفا من آدابه وأحكامه: قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 205-206].

وهذا بيان جملة مما اشتملت عليه الآيتين من المسائل والآداب:

- أما قوله سبحانه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} فالخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه عموم أمته، والمقصود هنا: ذكرُ القلب، أو ذكرُ اللسان سرًّا بحيث يُسمع الذاكر نفسَه. ذكر القولين ابن جُزيٍّ في "التسهيل"، وابن القيم في "المدارج" في آخرين. 
واستوجَه بعضهم في معناها: أن يذكر ربه خاليا بعيدا عن مَجامع الناس. وهو قول حسن.

- وقوله: {تَضَرُّعًا}: أي حال كونك خاضعا متذللا منكسرا مُشهدا قلبَك عظمة ربك سبحانه، والضراعة روح الذكر لا تقوم ساقه إلا عليها.

- وقوله: {وَخِيفَةً}: أي حال كونك خائفا منه سبحانه.

وفي آية الدعاء قال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، فاجتمع الذكر والدعاء في الضراعة لأنها روحهما لا يقومان إلا بها، وافترقا في الخيفة والخُفية، "وخُصَّ الذكر بالخِيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف؛ فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بدَّ، فمن أكثر من ذكر الله تعالى أثمر له ذلك محبته، والمحبة ما لم تقترن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره؛ لأنها توجب الإِدْلال والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنَوا بها عن الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له وتألُّهه له، فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل" [مجموع الفتاوى (15/20) لشيخ الإسلام، ونقله عنه ابن القيم في "بدائع الفوائد" (3/849-850 ط عالم الفوائد)].

- وقوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ}: المقصود منه أن يكون الذكر باللسان وسطا بين رفع الصوت وخفضه، لا يكون نداءً وجهرا بليغا، ولا يكون سرًّا لا يُسمع.

فيكون هنا قد أشار إلى ذكر اللسان، وأشار فيما تقدم إلى ذكر القلب، هذا إن حملنا قوله: {فِي نَفْسِكَ} على ذكر القلب، وعليه: تكون الآية قد جمعت بين ذكر القلب واللسان، وهو أكمل الذكر.
وإن حملناه على المعنى الثاني المذكور أعلاه كان الكلام هنا أقرب إلى بيانه وتفسيره، ويكون الأول أقرب إلى الإسرار، وهذا وسط بين الجهر والإسرار، فتكون الآية أشارت إلى أكثر من نوع من ذكر اللسان. وقد يجهر الذاكر بالذكر في مواطن كما جاءت بذلك السنة، فيكون هذا نوعا آخر، وهكذا تختلف الأنواع باختلاف الأحوال، والأكثرُ الأغلبُ الإسرار أو التوسط بين الجهر والإسرار.
وحمل الموضعين على الذكر اللساني لا ينفي الذكر القلبي؛ لأنه مُشارٌ إليه ضِمنا في قوله: {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}، والله أعلى وأعلم. 
والذكر على هذه الحال (الغالبة) أقرب إلى الخوف والضراعة والتفكر والاتعاظ.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا، وَلاَ نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا».

- وقوله: {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: الغُدُو: جمع غُدْوة، وهي أول النهار (من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس)، والآصال جمع أصيل، وهو آخر النهار (من العصر إلى المغرب)، وهو بمعنى: بُكرة وأصيلا، وبُكرة وعَشِيًّا، فالغُدوة والبُكرة بمعنًى، والأصيل والعشي بمعنًى كذلك، فالغدو والآصال: البُكَر والعَشِيَّات. 

وهذان الوقتان أفضل أوقات الذكر وأحبُّها إلى الله تعالى، وقد جاء مدحُ الذكر فيهما والحثُّ عليه في مواضع من كتاب الله؛ لما فيهما من السكون والراحة الانقطاع عن الشواغل. ولأنهما محل صعود الأعمال إلى الله تعالى، فتصعد أعمال الذاكر وهو على حال طيبة. ولأنهما أول النهار وآخره، فيُرجَى لمن أحياهما بالذكر أن يُحفظ ويعان سائرَ يومه.

وقوله: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} أي عن ذكر ربهم سبحانه، الذين نسُوا الله فأنساهم أنفسَهم، وانفرَط أمرُهم. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم أذكرُ الناس لله وأبعدهم عن الغفلة، فهذا نهي لأمته وأتباعه من بعده.

- ثم قال يصف ملائكته: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}، وفي الختْم بذكر حال الملائكة تحفيزٌ لأهل الإيمان بأن الملائكة مع عِظم قدرهم وجلالة مكانتهم عند الله على هذه الحال من المداومة على العبادة والذكر، فأنتم أولى بهذا منهم، وفيه كذلك بيان استغناء الله عن عبادتنا وذكرنا، فإن غفلنا وأعرضنا فإن لله عبادا لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون.

بسام بن خليل الصفدي

مدير اللجنة العلمية بفرع غزة المدينة لجمعية ابن باز راعية العمل السلفي بقطاع غزة

  • 0
  • 0
  • 33

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً