فقه الحيـاة
إنَّ فِقهَ الحياةِ ليس بكثرةِ التجرِبة، ولا بطولِ المُخالطة، ولكن بأن يَعرِفَ العبدُ ربَّهُ معرفةً تُثمرُ في قلبه تعظيمًا، وفي سِرِّه إخلاصًا..
إنَّ فِقهَ الحياةِ ليس بكثرةِ التجرِبة، ولا بطولِ المُخالطة، ولكن بأن يَعرِفَ العبدُ ربَّهُ معرفةً تُثمرُ في قلبه تعظيمًا، وفي سِرِّه إخلاصًا، وفي ظاهره استقامةً؛ فإذا استقرَّ هذا الأصل، سَهُلَت عليه سائرُ الأمور، وصغُرَت في عينه تقلباتُ الدنيا وأحوالُها.
ومن رُزِقَ هذا الفهم في مُقتبل عمره، فقد فاز بكنزٍ عظيم، إذ يشرق قلبُه بنورِ الهداية، فيرى بنور الله ما لا يراه غيرُه، ويُدرِك من المعاني ما تغيب عن كثيرٍ من الخلق؛ فيحيا بين الناس بجسده، وقلبُه معلَّقٌ بالله لا يُزاحِمُ حُبه على فاني، ولا يركنُ إلى زائل.
وكم من عبدٍ طال عليه الأمد، وهو يطلبُ المعنى في الخلق، ويترقَّبُه من الناس، فلا يجده، حتى يفتح الله عليه من لدنه، فيعلِّمه أنَّ الخلقَ كلَّهم فقراء، وأنَّ الغِنى كلَّه في الافتقار إليه، وأنَّ القلوب لا تجتمعُ على شيءٍ كما تجتمعُ على ربها، ولا تسكنُ إلى أحدٍ سكونَها إليه.
فالعبدُ قبل هذا الفتح في وحشةٍ، وإن ضحك، وفي ضيقٍ، وإن اتَّسعَ له العيش؛ لأنَّه جاهلٌ بربه، والجهلُ بالله أصلُ كلِّ ظلمة، كما أنَّ معرفته أصلُ كلِّ نور.
فإذا كشف الله عنه حجاب الجهل، أبصر الأمور على ما هي عليه، وعلم أنَّ كلَّ ما سوى الله دون، وأنَّه سبحانه الملجأُ عند الفزع، والمَنجى عند الكرب.
فاعلم أنَّ في القلب فاقةً لا يملؤها مالٌ، ولا جاهٌ، ولا خُلطةُ أحدٍ من الخلق، وإنما يملؤها الإقبالُ على الله، والصدقُ معه، والفرارُ إليه؛ فمن طلب سدَّها بغيره، ازداد فقرًا على فقره، واحتراقًا في باطنه، وإن تزيَّن بظاهر النعيم.
وإذا مالت البوصلةُ عن الله، وتعلَّق القلبُ بالخلق، عوقب صاحبه بتعبِ التعلُّق، وخيبةِ الرجاء، فإنَّهم ضعفاءُ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يملكونه لغيرهم؟ وإنما يُجري الله على أيديهم ما يشاء، فالعاقلُ من تعلَّق بالمُسبب لا بالسبب.
وقد فطر اللهُ القلوبَ على طلبِ الحياةِ الطيبة، ولا طيبَ لها إلا بالقرب منه، فمن طلب الطيبَ في غير ما فُطر له، أفسد فطرته، ونغَّص عيشه، وكان كمن يطلب الماءَ من السراب.
وتذكَّر أنَّ الدنيا قصيرةُ المدى، سريعةُ الانقضاء، وأنَّ وراءها دارًا لا فناء لها، فيها النعيمُ المقيمُ أو العذابُ الأليم؛ فالعاقلُ من خفَّف من أحماله، وأخذ من دنياه لآخرته، ولم يُطِل الوقوف عند ما لا يبقى.
فلا تَحزَنْ على فائتٍ، ولا تَضِقْ بصعوبةِ طريقٍ، فإنَّك إن عرفت ربّك، استقامت لك دنياك وآخرتك، ومن وُفِّقَ للإنابة إليه، فقد أُعطيَ مفتاحَ الهداية كلِّها .
- التصنيف: