عَرْشٌ مِنْ زُجَاجٍ

منذ 14 ساعة

ثم يستلبُ الموتُ روحَه، أو روحَ حبيبٍ لديه، فأنّى له أن يستردّها؟ بل إنه ما زال عاجزًا – حتى الآن – أمام الروح، لا يدري عن كنهها شيئًا

كتب أ- محمد ونيس 

خلقَ اللهُ الكونَ، فأودعَه نظامًا دقيقًا، وقوانينَ مُحكَمة، وسننًا ثابتةً لا تتحوّل ولا تتبدّل:

{{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}}

[سورة فاطر: ٤٣]

فالكونُ لا عشوائيّةَ في حركته، ولا اضطرابَ في سيره، ولا خللَ في جريانه:

{{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}}

[سورة يس: ٤٠]

فالنجومُ تسيرُ وفق مساراتٍ محدّدة، والكواكبُ تدورُ بتقديراتٍ محسوبة، والكونُ منضبطٌ بميزانٍ لا يختلّ؛ تنتظمُ فيه الذرّةُ كما تنتظمُ المجرّة، وكلُّ ذلك يجري بحكمةٍ بالغة، وتدبيرٍ مُحكَم، وتسخيرٍ إلهيٍّ متين.

وقد جعلَ اللهُ الكونَ كتابًا مقروءًا، أودعَه أسرارًا، وأسدلَ عليه أستارًا، واكتنفه بشيءٍ من الغموض. وقد أباحه اللهُ لكلِّ من أعملَ العقلَ، واستنفرَ الفكرَ، وأدامَ النظرَ والتأمّل؛ ليفتحَ مغاليقَ هذا الكون، ويقتفيَ آثارَ سننه، ويستكشفَ خباياه.

فانبرى الإنسانُ يفتّشُ ويبحثُ، ويُجرّبُ ويستقرئُ، حتى أخذَ يهتكُ الحُجُبَ، ويرفعُ الأستارَ، ويبدّدُ شيئًا من الغموض.

فأماطَ اللثامَ عن المادّة، فكشف عن ذرّاتها، وشطر نواتها، واستخرجَ منها طاقةً هائلةً للسِّلم والحرب.

ومسحَ الأرضَ، فحصرَ جبالَها وتلالَها وهضابَها، وعامرَها وغامرَها، وشادَ الدُّورَ والقصورَ، حتى ناطحتْ بناياتُه السحابَ.

وشقَّ باطنَ الأرضِ، فاستخرجَ دفائنَها وكنوزَها، وحصلَ على طاقاتها ومعادنها، فأقامَ بهما ثورةً صناعيّةً تصمُّ الآذان.

وأنشأ آلاتِه ومعدّاتِه، وأنظمتَه وشبكاتِه، ومعاملَه ومختبراتِه، فقرّبَ البعيدَ، وألانَ الحديدَ، وحلّلَ العناصرَ، وغاصَ في الأعماق.

لقد أنشأ القرى الذكيّة، وصنعَ أنظمةً ذكيّةً تشاركُ العقولَ البشريّةَ في القرارات المصيريّة، وجلسَ خلف شاشاته يراقبُ الشاردَ والواردَ، والحركةَ والسكونَ، كلَّ ذلك بضغطةِ زرٍّ واحدة.

وأطلق مركباتِه لتغزو الفضاء، فسلّطَ أرصادَه، فرصدَ حركةَ الشمسِ والقمرِ، والكواكبِ والنجومِ، وحدّدَ مساراتِها، وقاسَ أبعادَها، ونصبَ موازينَه، فقدّر كتلَ الأرضِ والكواكبِ والأفلاكِ والمجرّاتِ، ووقفَ على أعتابِ المريخِ منتفخَ الصدر، رافعَ الرأس، شامخَ الأنف، متوشّحًا رداءَ الغطرسةِ والغرور، متوَّجًا بتاجِ العظمةِ والكبرياءِ؛ ظانًّا أنّه قرأ كتابَ الكون صفحةً صفحةً، وأنّه تخطّى كلَّ الحدود، وكسرَ كلَّ القيود، وملكَ الزمانَ والمكانَ، وطأطأت له الطبيعةُ برأسها، وخضعت له قوانينُها، وأحكمَ نظمَها، وأسلسَ قيادَها، فصار الملكَ المهابَ، والسيّدَ المطاعَ؛ الذي شادَ عرشَ مملكته بكتلٍ من الصخر، وقطعٍ من الفولاذ.

فهل حقًّا شادَ الإنسانُ عرشَه من فولاذ؟

رأى الإنسانُ صورتَه في مرآةٍ مكبِّرة، فضخّمت له ذاتَه وإنجازاتِه؛ فبدت الصورةُ على غير حقيقتها، ولو أنّه أزاح المرآةَ قليلًا عن ناظريه لأبصر الحقيقةَ في وضح النهار؛ لكنه تنكّر لذاته حتى لا يرى الحقيقة: حقيقةَ عجزه وضعفه:

{{وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}}

[سورة النساء: ٢٨]

فالإنسانُ الذي خُيِّل إليه أنّه قهر الطبيعة، هزّةٌ أرضيّةٌ واحدةٌ كفيلةٌ بأن تهدمَ له كلَّ ما بنى، وإعصارٌ عنيفٌ يبعثرُ له كلَّ ما جمع بعثرةَ أوراق الخريف، بل سيلٌ جارفٌ قد يدمّرُ له مدنًا بأكملها، ورغم أنّه يتنبّأ بالسيولِ والأعاصيرِ والزلازلِ والبراكين قبل حدوثها؛ فإنه لا يقوى على منعها، ويقفُ مكتوفَ اليدين عند وقوعها؛ فأين قهرُ الطبيعة؟

وهل قهرَ الطبيعةَ، أم الطبيعةُ قهرته؟

إنه لا يزالُ قزمًا أمام نفسه، لا يقوى على قهرها فضلًا عن قهر غيرها؛ فهو ضعيفٌ أمام شهواته، لا يتحكّم في ميوله ورغباته، وتستبدّ به المشاعر؛ فلا هو بمانعِ الحزنِ إذا هاجمه، ولا بدافعِ الفرحِ إذا اكتنفه، وقد يعتريه هاجسٌ يقضُّ مضجعَه، أو يمتلكه خوفٌ أو قلقٌ ينغّص حياتَه.

إنه – حتى اللحظة – تائهٌ في دروب النفس ومسالكها، فحريٌّ بمن لم يُحكم السيطرة على نفسه ألّا يُحكمها على غيره.

بل إنه يسكن جسدًا لا سلطان له عليه؛ فقلبُه ينبض دون إذنه، والنَّفَسُ يتردّد في رئتَيه دون اختياره، وتُفرَزُ هرموناتٌ لا يعلمُ عنها إلا آثارَها، وتنقسم خلاياه دون إرادته، ويتدفّق الدمُ في عروقه لا يملك من أمره شيئًا.

إن وباءً من الأوبئة، أو جرثومةً من الجراثيم، كفيلان بأن يُعجزا الطبَّ، وينهيا حياته، بل إنه كلما أحكم قبضته على مرضٍ استجدّ له آخر؛ فأين معاملُه ومختبراتُه؟

إن الشيخوخةَ تزحف إليه زحفًا حثيثًا فلا يملك حيالها شيئًا، فتتبدّل حالُه من بعد قوّةٍ ضعفًا:

{{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}}

[سورة الروم: ٥٤]

ثم يستلبُ الموتُ روحَه، أو روحَ حبيبٍ لديه، فأنّى له أن يستردّها؟ بل إنه ما زال عاجزًا – حتى الآن – أمام الروح، لا يدري عن كنهها شيئًا:

{{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}}

[سورة الإسراء: ٨٥]

فما هي الروح؟ وكيف تسري في الجسد؟ وأين مكانها؟ وكيف تدخل الجسد؟ وكيف تخرج منه؟

وهل يعرف الإنسان كُنهَ عقله الذي يدرك به الأشياء؟

وكيف تنشأُ الفكرةُ في الذهن؟ وكيف تتحوّل الخواطرُ إلى إرادة، ثم إلى عمل؟

وما سرُّ الوعي الذي يُميّز الحيَّ من الجماد؟ وكيف يشعر الإنسانُ بنفسه؟

أسئلةٌ لا تُعدّ ولا تُحصى، تنمّ عن فرط جهلٍ وقلّة علم:

{{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}}

[سورة الإسراء: ٨٥]

فما أوتيه الإنسانُ من علمٍ؛ قطرةٌ في محيط، أو حبّةُ رملٍ في صحراء، أو ومضةُ برقٍ في ليلٍ دامس؛ فلا يكاد يفتح بابًا إلا وجد دونه أبوابًا، ولا يسلك طريقًا إلا تشعّبت به المسالك، ولا يرفع سترًا إلا دونه أستار، ولا يكشف سرًّا إلا دونه أسرار.

وكأنّ العلم لا يقوده إلا إلى الاعتراف بجهله، واكتشاف عجزه، وضعفه.

فهل خُلِقَ الإنسانُ بهذا الضعف والعجز مقصودًا؟ ولماذا؟

نعم، هو ضعفٌ مقصود، ونقصٌ مراد؛ ليبقى الإنسانُ عبدًا لا ربًّا، ومحتاجًا لا مستغنيًا، ومفتقرًا لا مكتفيًا. خُلِق كذلك ليعرف حدَّه، فلا يطغى إذا قوي، ولا يغترّ إذا عَلِم، وليدرك أنّ ما بيده عارية، وما عنده زائل، وأنّ الكمال لله وحده.

ولو أُعطي القوّة المطلقة، أو أُفيض عليه العلم الكامل، لاستعلى واستكبر، ولنازع ربَّه في صفات الكمال؛ ولكنّه خُلِق على ضعفٍ يذكّره، وعجزٍ يردعه، ونقصٍ يكسر حدّة غروره؛ فإذا وعى ذلك اهتدى، وإذا غفل عنه طغى.

فإذا نظر إلى ما في يده من قدرةٍ، علم أنّ وراءها قدرةً أعظم، وإذا أبصر ما عنده من علمٍ، أيقن أنّ فوقه علمًا أوسع، فينحني قلبُه قبل رأسه، ويخضع لربّه طوعًا لا كرهًا.

وحينئذٍ فقط، يسقطُ ذلك العرشُ الذي شاده وهمُه، ويتبيّن أنّه لم يكن يومًا من فولاذ، بل كان – ولا يزال – عرشًا من زجاج؛ يلمع في الأبصار، ويخدع النُّظّار، فإذا مسته يدُ الحقيقة تكسّر، وإذا لامسته سننُ الله تصدّع، وإذا ارتطم بالأقدار تهشّم

 

  • 1
  • 0
  • 71

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً