خطوات على طريق المسجد

منذ ساعتين

واعلم علم اليقين أنك ما تخطو خطوة على الأرض إلا وكتبت لك بها حسنة ومحيت عنك سيئة - ورحم الله من قال: ستعلم يوما ما بأن خطواتك إلى المسجد كانت هي أجمل لحظات في حياتك!

تأمل يا رعاك الله في هذا الحديث النبوي الماتع: عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة. فقيل له: لو اشتريت حمارًا لتركبه في الظلماء والرمضاء. قال: ما يَسُرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب لي ممشايَ إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد جمع الله لك ذلك كُلَّه» (رواه مسلم).

إنه الإيمان الصادق في قلب ذلكم الأنصاري، الذي لا تعرف اسمه؛ لكنه يكفي أن الله أكرمه بصحبة رسول رب العالمين، وبشره بتلك البشرى السارة! تأملوا وهو يمشي في ذلك الزمن وهو خير القرون، لا سيارة ولا دابة، يأتي من مكان بعيد، ولكنه عظم اليقين بربه أن الله سيكتب له الأجر في تلك الخطى من بيته البعيد، ذاهبًا إلى المسجد ليؤدي هذه الفريضة التي عظمت حقا في قلبه، فلما وصلت الرسالة إلى رسول الهدى بشره بتلك البشرى العظيمة قائلا «قد جمع الله لك ذلك كُلَّه».

إنه ربنا الجليل العظيم السميع البصير الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة، ولا مثقال حبة، ولا حتى أثر قدم سارت في طريقها في مرضاة ربها، إلى المسجد والبر والإحسان والقيام بواجب الوالدين وإصلاح ذات البين ونفع الخلق وبذل المعروف!
قال ربنا الرحمن: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: ١٢].

 

عن جابر رضي الله عنه قال: خلتِ البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قُرب المسجد». قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال : «يا بني سلمة دياركم تكتب آثارُكُم، دياركم تكتب آثاركم». فقالوا: ما يَسُرُنا أنا كنا تحولنا» (صحيح مسلم).
فماذا تريد بعد ذلك أيها المسلم في هذا الزمن وقد توفرت لك وسائل الراحة كلها في ذهابك إلى المسجد الطرقات فسيحة، والسيارات متوفرة، والكهرباء مضيئة، والسبل ،آمنة والمساجد قريبة، فلماذا التأخر عن أداء أعظم فريضة تتقرب بها إلى ربك؟

أيها الغادي إلى خير بقاع الأرض وأحبها إلى الله عَزَّوَجَلَّ!
في المسجد تطمئن القلوب وتسكن النفوس ويذهب العناء، وتتحقق الراحة، وتعظم صلة العبد بربه، فما أعظم أثرها، وما أجل نفعها وفائدتها، فهي قرة عيون المؤمنين، وأُنسُ قلوب المتقين وبهجة نفوس المسلمين (١).

واعلم وفقك الله:
علم اليقين أنك ما تخطو خطوة على الأرض إلا وكتبت لك بها حسنة ومحيت عنك سيئة كما جاء عن رسولنا:
عن أبي هريرة رافعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صلّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة»» (2).

ورحم الله من قال: ستعلم يوما ما بأن خطواتك إلى المسجد كانت هي أجمل لحظات في حياتك!

أخي الحبيب:
إذا لم تتلذذ بصلاتك في حياتك، ركوعا وسجودا ودعاء وتعظيمها لربك ذي الجلال والإكرام، فبأي شيء تتلذذ؟
قال : «يا بلال! أقم الصلاة، أرحنا بها» (3)، إنه وصف رسول الهدى نعم إنها راحة لقلبك راحة لعقلك راحة لفكرك، راحة لمشاعرك و أخلاقك، راحة بكل ما تحمله كلمة الراحة من معنى!

فطوبى لمن وجد تلك الراحة قبل أن يرحل من دنياه، طوبی له و حسن مآب. فهنيئا لنا بهذا الدين العظيم، والثواب الجزيل من الرب الجواد الكريم حتى الخطوة تخطوها بقدمك على الأرض تنال بها أجرًا وحسنة وثوابا؛ والحمد
الله رب العالمين.
قال تعالى: ﴿ {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} ) [يونس: ٥٨].
أسأل الرحمن الذي على العرش استوى أن يغرس في قلوبنا لذة الصلاة وحلاوة المناجاة، وصدق العبودية.

_________________________________

(۱) تعظيم الصلاة للبدر
(2) البخاري (٦٤٧)، مسلم (٦٤٩) انظر: عمدة الأحكام كتاب الصلاة (٥٥).
(3) صحيح الجامع (۷۸۹۲).

_______________________

المصدر: ماذا غرست الصلاة في قلوبنا - للمؤلف فيصل بن سعيد الزهراني.

 

  • 0
  • 0
  • 33

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً