خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا

منذ 2026-04-09

العناصر الأساسية  العنصر الأول: من سنة الله في خلقه التفاوت.  العنصر الثاني: تلاوة القرآن وحفظه فقط لا يكفي، لابد من المدارسة.  العنصر الثالث: من مقاصد الشريعة حفظ النفس من الهلكات.  العنصر الرابع: صلاة فاقد الطهورين.

 
أما بعد:  فيقول رب العالمين سبحانه وتعالى: {{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ }}

أيها الإخوة الكرام : جرت سنة الله تعالى في خلقه أن يجعل بين خلقه ( تفاوت) فليس الناس على حال واحدة.. 

فكما أن من الناس مؤمن من الناس كافر، وكما أن من الناس خبيث من الناس هو طيب، وكما أن من الناس سهل من الناس من هو حزْن، وكما أن من الناس فاضل من الناس من هو مفضول.. 

{{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}}

أفضل الخلق الأنبياء، ويأتي بعد الأنبياء رجل أوتي العلم النافع، درجته ومقداره وفضله بين الناس كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. 

بين الإنسان الذي اوتي علماً نافعاً وبين الإنسان الذي لم يؤتى علماً كما بين السماء والأرض، بين الإنسان الذي فهم عن الله تعالى وبين الإنسان الذي تجمد عند حدود النص كما بين المشرق والمغرب.. 

ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة قال:   «« سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّمَ : أيُّ الناسِ أَكْرَمُ ؟ قال : أَكْرَمُهُمْ عندَ اللهِ أَتْقَاهُمْ . قالوا : ليس عن هذا نَسْأَلُكَ ، قال : فَأَكْرَمُ الناسِ و في روايةٍ : إنَّهُ الكريمُ ابنُ الكريمِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نبيِّ اللهِ ابنِ نبيِّ اللهِ ابنِ خَلِيلِ اللهِ . قالوا : ليس عن ذلكَ نَسْأَلُكَ ، قال : فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلونِي ؟ قالوا : نَعَمْ ، قال : فَخِيارُكُمْ في الجاهليةِ خِيارُكُمْ في الإسلامِ إذا فَقِهوا »»  

من فضل الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل نصوص القرآن ( مرنة متجددة مناسبة ) للناس من يوم أن نزلت وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. 

قال الله تعالى: {{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}}

تدبر آيات القرآن الكريم (رحمة) تورث الفهم عن الله تعالى وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، إعمال العقل والتفكر في آيات الله تعالى يزرع الأمل في النفوس البائسة، وتفتح أمام الناس أبواب الأمل في رحمة الله التي وسعت كل شيء، فما دام في الإنسان عرق ينبض فله أن يتوب إلى الله تعالى،وله أن يتوب الله تعالى عليه، مهما عظم ذنبه، وهذا قد لا يفطن آليه إلا الموفقون.. 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ««كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لَا، فَقَتَلهُ، فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وكَذَا، فإِنَّ بِهَا أُناسًا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى فاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَمًا - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أيَّتِهِمَا كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا، فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلَى الْأرْضِ الَّتِي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»»  

أيها الإخوة الكرام: إن تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وآناء النهار وحدها قد لا تكفي، وإن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وحده قد لا يكفي، لابد من مدارسة الآيات، لابد من تعلم ما في الآيات من علم وفقه ومقاصد وهكذا كان حال سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم كانوا مع القرآن الكريم يرتلون ويحفظون ويتدبرون ويتدارسون فصاروا بذلك أسعد الناس بما أنزل الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. 

قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله:
"حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كـ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا."

فهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن أهم مقاصد الشريعة حفظ( النفس) من الآفات والهلكات، وأن حفظ النفس مقدم على حفظ الدين، فما جاء الدين إلا ليحفظ النفس من الهلكات كما في الآية {﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾} وكما في غيرها {﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾}

 في غزوة ذات السلاسل موقف فقهي عظيم إن دل على شيء دلّ على رفع الحرج عن الناس ودلّ على فقه التيسير في الإسلام.. 
في العام الثامن من الهجرة كانت غزوة ذات السلاسل أمّر رسول الله على هذه الغزوة عمرو بن العاص رضي الله عنه غزا فيها بعض القبائل التي تحالفت مع الروم في غزوة مؤتة ضد المسلمين.. 

وفي ليلة من ليالي تلك الغزوة نام عمرو بن العاص فاحتلم وأصبح جنباً في غداة باردة.. 

وكان عمرو إمام الناس في تلك الغزوة فلما أصابته الجنابة كان عليه أن يغتسل وكان الماء بين يديه،  لكن عمرو رضي الله عنه خاف إن اغتسل بالماء أن يموت من شدة البرد، فتيمم عمرو بالتراب بدلًا من الغُسل مع وجود الماء ، ثم صلى بالناس إمامًا بهذا التيمم الذي أحدثه مع وجود الماء.. 

فلما رجع الناس إلى النبي ﷺ من تلك الغزوة ، ذُكروا له ما فعل عمرو وقالوا تيمم مع وجود الماء، فاستدعى النبي ﷺ عمراً 
 فسأله: "يا عمرو، أصليت بأصحابك وأنت جنب؟"
فقال عمرو رضي الله عنه يا رسول الله خشيت إن اغتسلت أن أموت من شدة البرد وذكرت قول الله تعالى:﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت وصليت. فـ ضحك النبي ﷺ ولم ينكر على عمروٍ فهمه وفقه واجتهاده.. 

الدروس المستفادة من هذا الموقف: 
أولاً: جواز التيمم عند الخوف من الضرر (كالبرد الشديد).
ثانياً: أن شريعة الإسلام تقوم على رفع الحرج والتيسير على الناس. 
ثالثاً: جواز اجتهاد الصحابي إذا لم يجد نصًا مباشرًا.
رابعاً: إقرار النبي ﷺ لعمرو يُعد دليلًا على صحة الفهم الذي تمتع به عمرو .
خامساً: جواز إمامة المتيمم للمتوضئين عند الحاجة.

وفي الأخير تيمم عمرو بن العاص مع وجود الماء خوفاً أن يموت من شدة البرد بيان واضح العنوان أن من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. 

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 

الخطبة الثانية 
بقي لنا في ختام الحديث أن نقول: 
إن آيات القرآن الكريم خير شاهد على عظمة هذا الدين، فحياة الإنسان وسلامته هي المقصود الأول للشرع الحنيف ف(لا ضرر ولا ضرار) 
ومن القواعد الفقهية العظيمة 
أن الضرر يُزال، وأن الضرر لا يُزال بمثله، 
وأن الضرر الخاص يُتحمّل لدفع الضرر العام. 
ومن أوضح ما يدل على أن مقاصد الشريعة تهدف إلى سلامة الإنسان وحفظ حياته ما يعرف في أبواب الفقه بصلاة (فاقد الطهورين) 

فاقد الطهورين هو إنسان مبتلى ( نسأل الله بأسماءه الحسنى وصفاته العلا أن يشفي كل مريض وأن يعافي كل مبتلى). 

فاقد الطهورين هو إنسان مبتلى يشتكي مرضاً في جلده، أو أنه إنسان حرق جسده، أو هو في حالة سريرية لا تسمح له بالحركة، فهو لا يستطيع أن يتوضأ بالماء أو يغتسل لأن الماء يضره ، ولا هو يستطيع التيمم بالتراب من حدثه أو من جنابته لأن التراب أيضاً يضره.. 

فاقد الطهورين تحضره الصلاة وهو غير قادر على الوضوء وغير قادر على التيمم ولو توضأ أو تيمم هلك.. 

هنا تتدخل سماحة الإسلام فتسمح لفاقد الطهورين أن يصلي على حسب حاله (من غير أن يتوضأ ومن غير أن يتيمم) يكتفي فاقد الطهورين فقط بصلاة الفريضة ولا يقرأ في صلاته إلا بفاتحة الكتاب فقط وتجزأه صلاته على هذا الحال ولا يعيدها.. 
الدليل: 
حديث ورد في صحيح مسلم 
 أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ (قِلَادَةٍ) أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وهم على غير ماء ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ لأنهم لم يجدوا الماء ، وصلوا بغير تيمم لأن التيمم لم يكن قد فرض بعد.. 

فلما رجعوا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أنهم صلوا بغير وضوء ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ.. 

{{ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}}  

الشاهد:  أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما رجعوا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أنهم لم يجدوا ماء فصلوا بغير وضوء فلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم أن صلوا بغير وضوء، وَلَا أَمَرَهُمْ، بِإِعَادَةٍ الصلاة لأنها قد رفعت.. 

قلت: وصلاة فاقد الطهورين حال ضرورة والضرورة تقدر بقدرها،  أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفي كل مريض وان يعافي كل مبتلى إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 
 

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 3
  • 0
  • 263

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً