القيادة بين النموذج الإسلامي والنموذج العلماني
- وفي يوم العسرة تقدم عثمان بماله؛ وكان خالد على رأس الجند يوم مؤتة مع أنه ليس الأقدم ولا أسبق، وهكذا.
بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله
القيادة هي التأثير.. بمعنى إيجاد فعل ثابت (ظواهر مجتمعية) يتصاعد (ينمو)([1]). وليست حشدًا للجماهير وتوجيههم في لحظة تاريخية ثم الانفكاك عنهم بعد تحقيق أهداف جزئية خاصة بالنخبة (القادة)، كتغيير مؤسسي أو سلطوي أو بعض الإصلاحات في جوانب الحياة العامة أو الفردية.
مهمة القادة (النخبة) ليست مجرد التغيير، بل صناعة واقع جديد يتوافق مع إرادة الله في خلقه([2]).
وإن الذين يعتقدون ضرورة التنسيق بين قادة التغيير (النخبة المؤسسة والفاعلة) مسكونون بفكرة الجماعة (التنظيم).. مسكونون بالسائد من المعرفة، أعني: القول بوجوب العمل من خلال تنظيم في الجزء المعارض للسائد.. الذي يستهدف الإصلاح أو التغيير.
يُخيَّل إليهم أن النخبة لابد أن تكون تنظيمًا أو تعمل بتنسيق مشترك فيما بينها، مع أن هذا مفقود في السيرة النبوية، ومفقود في الفتوحات الإسلامية، ومفقود في حركة الإسلام (مجتمع وسلطة)، ومفقود في كل مواطن التأثير التي غير الله بها واقع الناس إلى ظهور الجماعات المنظمة بصيغتها المعاصرة!!
الأفضل والأنسب هو النموذج الإسلامي.. وذلك أن الإسلام أوجد توجهات (تخصصات) بها تنوع كثير ولم يعمد لإيجاد حالة من الضبط التام في حركة الناس (ومن ثم المجتمعات)؛ ولذا لا يشترط أبدًا أن تتوافق النخبة في كل شيء، بل لا يشترط أن تتوافق إلا في أركان الإسلام التي لا يُسمح بالتخلي عنها (الشهادتين/ التوحيد، والصلاة وليس فيهما ترخص؛ والصيام، والزكاة، والحج لمن يقدر عليهم). وقد شرحت هذا وفصلت فيه في الطبعة الثانية من كتاب عمارة الأرض بالعابدين تحت عنوان "سياق عام به تنوعات"([3]).
القيادة الثابتة هي القيادة العليا.. السياسية.. الخليفة أو العامل (الأمير/ الحاكم). مع الأخذ في الاعتبار أن صلاحية القيادة العليا (الخليفة/ العامل/ الأمير) محدودة جدًا. وذلك أن الدولة في الإسلام دولة الناس لا دولة الملأ (الأوليجارشية).
وفي التفاصيل لا توجد قيادة ثابتة وإنما يُستدعى لكل موقف من يناسبه؛ وإن وجد من هو أفضل منه خلقًا وتدينًا. بمعنى: المشهد متحرك. كل حيث يحسن أو حيث يحب على أن يبذل قصارى جهده تنفيذًا واتقانًا ([4]).
وفي النموذج الإسلامي يتواجد الفرد بحالتين (هيئتين): مرة كمختص، وذلك فيما يحسن من الفعل أو القول؛ ومرةً كأحد العوام.. يكثر السواد ويعمل خادمًا لمختصٍ آخر.
في النموذج الإسلامي لا يوجد قيادة واحدة ثابتة تتصدر كل مشهد.
تتحرك النخبة مصحوبة بمن يتبعها من الجماهير حسب المواقف.. كل موقف يستدعي صاحبه.. أو يتقدم فيه الأنسب؛ وتدبر هذه النماذج:
- في بداية البعثة سارع آل بيت النبي r للإيمان بالله وما أرسل به محمدًاr، ولحق بهم الصديق والسابقون الأولون من المهاجرين ومَن وفد عليهم من القبائل كأبي ذر والطفيل، ومن ناصرهم من أهل المدينة.
- وفي وقت الدعوة السرية والاستضعاف تقدم الأرقم بن أبي الأرقم باستضافته للدعوة في بيته.. على صغر سنه، لأنه كان الأنسب، فمن بني مخزوم (عشيرة أبي جهل)، وبيته قريب من الحرم (حيث التواجد الطبيعي للجميع)، وصغير السن.. لا يظن أن مثله يأوي الذين يبلغون رسالة ربهم. أو يغيرون واقع الجاهلية كله بما أرسل الله به محمدً r.
- وفي الهجرة تقدم أبو بكر بصحبته، وعلي ببياته في فراش النبي r، ورد الأمانات لأهلها، وصهيب بتركه لماله.
- وفي يوم الأحزاب تقدم سلمان الفارسي برأيه، وعلي بسيفه، ونعيم بن مسعود بحداثة إسلامه وعلاقته برؤوس الكفر وقتها.
- وفي يوم العسرة تقدم عثمان بماله؛ وكان خالد على رأس الجند يوم مؤتة مع أنه ليس الأقدم ولا أسبق، وهكذا.
وهو أمر معروف في الشريعة= إسناد الأمر لأهله.
والمقصود هنا القول بأنه لا يوجد عندنا مشهد ثابت.. المهام عندنا تسند في كل مرة لمن يستحقها، والقيادة العليا (الثابتة) محدودة الصلاحية جدًا، كأنها تنسيق..
في كل موقف يستدعى الأنسب ويصطف الجميع خلفه… والأفراد عاديون قبل المشهد وبعده لا منظمون بشكل دائم تحت قيادة ثابتة.. انتماؤهم للإسلام.. علاقتهم بالله وحده لا شريك له، وكل حدث يعالج من خلال إطاره الخاص. وهذا بيّن جدًا في الصلاة، وفي الجهاد، وفي كل الشعائر، ونضرب مثلًا بالجهاد- باعتبار أنه هو الذي يظن فيه التنظيم أكثر من غيره-: يتجمع الناس كل بسلاحه ونفقته وتُنصب القيادة حال إرادة الجهاد.. يعين أمير الجيش وقت الخروج للجهاد.. بعد أن يتجمع الناس.. ممن تجمعوا؛ ثم يَنفضّون بأربعة أخماس ما غنموه إلى حيث جاءوا.. أو إلى حيث شاءوا([5]). هكذا،،،
ولك أن تتدبر أنه في حضور سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، برز بعض الصحابة بالرأي والفعل.. وبرزوا في كل المواطن.. وليس حدثًا عابرًا.. بمعنى سياق.. اضطراد.. قاعدة كلية، أو "نظرية".
إن نموذج القيادة القائم اليوم، أو الذي تطالب به جماهير الصحوة في واقعنا المعاصر (قيادة فرد للجماهير في كل المواطن) هو النموذج العلماني.. نموذج الثورات العلمانية.. أو: رغبة- من العوام- في أن يحمل العبء فرد (قائد).
والقيادة ليست أبدًا مشكلة، فدائمًا يوجد من له القدرة- أو رغبة- على القيادة بالمعنى السائد اليوم (التحرك بالجماهير في اتجاه معين). ولكن القيادة بالرغبة، أو بالقدرة على حشد الناس وتوجيههم مؤقتًا، لا تستطيع تغيير الواقع دون نخبة مختصة في أكثر من مجال، تعالج الواقع لتصير به -بحول الله وقوته- من حال لحالٍ آخر، ولذا فإن الثورات لا تعدو حشد من أجل إزاحة القديم ويأتي جديد يعمل وفقًا للمؤسسات ومن فيها.. ولذا يكون التغيير شكليًا، أو تبعًا للقابعين في الخلفية يحركون الجماهير وعامة النخبة.
يبدأ تصنيع النخبة المختصة، بدوافع ذاتية من خلال الحاجة أو من خلال معرفة شائعة بين من يريدون التغيير. وكل مرحلة لها نخبتها، وكل نخبة لها تخصصها، فقوم يؤسسون معرفيًا (الأطر النظرية)، وقوم بين الناس (الجماهير)، وقوم في المؤسسات؛ وقوم لتأسيس الدولة، وقوم آخرون لسياسة الناس بعد تأسيس الدولة؛ وقد كان الرسول r وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ثم كان بنو أمية، وهكذا.
د. محمد جلال القصاص
مستخرج من كتاب "الكتلة المحرّكة".
([1]) النمو صفة الفرد المؤمن والجماعة المؤمنة،(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وشرحت هذا وفصلت فيه في كتاب "عمارة الأرض بالعابدين: كيف أحدث الوحي هذا التحول الهائل في الإنسان والمجتمعات؟"
([2]) أفضل من تحدث عن هذا- من وجهة نظري- الدكتور جميل أكبر في أطروحته "قص الحق".
([3]) كان هذا في باب كامل بعنوان "التغيرات التي أوجدها الإسلام في المجتمع". ينظر للكاتب: "عمارة الأرض بالعابدين: كيف أحدث الوحي هذا التحول الهائل في الإنسان والمجتمعات؟"
([4]) شرحت هذا وفصلت فيه في كتاب "عمارة الأرض بالعابدين..."
([5]) الجيش النظامي الثابت مما استحدث بعد الراشدين، وبالوقت أصبحت له مهام أخرى قضمت من النفقات.
- التصنيف: