بعض الأسباب الجالبة لمحبة الله

مَحَبَّةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ أَجَلُّ نِعْمَةٍ يَتَفَضَّلُ بِهَا الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ هَوَّنَ عَلَيْهِ كُلَّ عَسِيرٍ، وَيَسَّرَ لَهُ الْأَسْبَابَ وَأَقْبَلَ بِقُلُوبِ الْعِبَادِ عَلَيْهِ فَأَحَبُّوهُ.

  • التصنيفات: الطريق إلى الله -

إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُحَصِّلُهُ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، أَنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ فَسَوَّاهُ. وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ أَجَلُّ نِعْمَةٍ يَتَفَضَّلُ بِهَا الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ هَوَّنَ عَلَيْهِ كُلَّ عَسِيرٍ، وَيَسَّرَ لَهُ الْأَسْبَابَ وَأَقْبَلَ بِقُلُوبِ الْعِبَادِ عَلَيْهِ فَأَحَبُّوهُ. وَخُطْبَتِي الْيَوْمَ يَا مَعَاشِرَ الْفُضَلَاءِ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا الْعَبْدُ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَرْعُونِي سَمْعَكُمْ وَاعْمَلُوا بِمَا تَسْمَعُونَ؛ فَمَنْ عَمِلَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ اللَّهُ نَالَ بِهَا مَحَبَّةَ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ:

أَوَّلُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: اتِّبَاعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَحْيِ الْعَظِيمِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْإِنْسَانُ أَشَدَّ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمكَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..} [آلِ عِمْرَانَ: 31]، وَهُوَ شَرْطٌ يَسِيرٌ لِمَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَمَحَبَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تُنَالُ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلمفِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ سَوْفَ تَنَالُهُ، وَهَذَا فَضْلُ اللَّهِ مِنَ الْكَرِيمِ سُبْحَانَهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
 

وَهُوَ الْوَدُودُ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّهُ   **  أَحْبَابُهُ، وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ 

 

ثَانِيًا: مَنْ تَقَرَّبَ بِكَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ، مَعَ حِرْصِهِ الدَّائِمِ عَلَى الْفَرَائِضِ نَالَ بِهَا مَحَبَّةَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ عَنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: «... وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ...»  (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

ثَالِثًا: مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ، أَنْ يُكْثِرَ الْعَبْدُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ أَعْظَمِ الذِّكْرِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ. فَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمبَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ». فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»  (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). فَاقْرَؤُوا الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَخَصِّصُوا وِرْدًا يَوْمِيًّا لِكِتَابِ اللَّهِ يَا مَنْ أَرَدْتُمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ: "إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَ اللَّهِ، فَانْظُرْ قَدْرَ الْقُرْآنِ عِنْدَكَ".

 

رَابِعًا: مَنْ أَحَبَّ شَخْصًا أَوْ زَارَهُ لِلَّهِ لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، بَلْ لِطَاعَتِهِ وَقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ نَالَ بِهَذَا الْأَمْرِ مَحَبَّةَ اللَّهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ»  (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»  (صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

خَامِسًا: مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ، خِدْمَةُ النَّاسِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَحَثَّ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [الْبَقَرَةِ: 195]، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ...»  (حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ). 

سَادِسًا: مِنَ الْأَسْبَابِ تَقْوَى اللَّهِ وَمُرَاقَبَتُهُ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَ تَعَالَى:{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 76]، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ»  (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ ذَكَرْتُ لَكُمْ بَعْضًا مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ وَتَرَكْتُ الْبَعْضَ حَتَّى لَا أُطِيلَ عَلَيْكُمْ، وَخِتَامُ الْقَوْلِ: مَنْ حَافَظَ عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَابْتَعَدَ عَنْ كُلِّ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَأْبَاهُ نَالَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرِضَاهُ.

عِبَادَ اللَّهِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ أَمْرُهَا عَظِيمٌ. وَالْمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَجَعَلَ مَحَبَّتَهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّتِهِ. وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا دَائِمًا أَنْ يَجْعَلَ مَحَبَّتَهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَالطَّاعَاتِ لَعَلَّهُ يَكُونُ مِمَّنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ.

 

أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَمْلَأَ قُلُوبَنَا جَمِيعًا بِخَوْفِهِ وَتَقْوَاهُ، وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْحَقِّ حَتَّى نَلْقَاهُ.

____________________________________
الكاتب: خالد سعد الشهري

المصدر: الألوكة