هَمَسات .. في كلمات ... (40)
(هَمَسات .. في كلمات) في نسختها الـ (40) بمنة الله وفضله، أسأل الله أن ينفع بها الكاتب والقارئ والناشر:
➊ تنتشر المقاهي والأسواق هنا وهناك، كما أن الغفلة وتعاطي المضرات من دخان وربما حشيش وما يدور فلك هذه القاذورات وأيضًا الغيبة حاضرة بقوة فيها، ولها رواد كثر منهم من يبيع أو يعمل ومنهم من يشتري، وآخرون لا هذا ولا ذاك بل فقط يضيع وقته وحتى حسناته، المصيبة أن صنف من رواد هذه الأماكن من كبار السن أحيلوا للتقاعد أو عجزوا عن العمل، وهذا ما يدعو للعجب والحسرة على هؤلاء، فلماذا لا يشغلون أنفسهم بما ينفعهم بعد موتهم، أو على الأقل يحفظوا حسناتهم لأن مجالس الأسواق والمقاهي فاكهتها لحوم البشر وقلما تخلوا من اغاني بصوت منكر، فأي غفلة يقع فيها هؤلاء، وأي ندم سيلحقهم بعد تمكن المرض منهم فقعدوا في البيوت أو داهمهم هادم اللذات، فماذا عليهم لو جلسوا في بيوت الله، أو حتى في بيوتهم وكفوا أنفسهم من الأماكن الموبوءة هذه، ويمكن أن يعملوا لهم مجالس في غير المقاهي والأسواق يتذاكرون فيها علما نافعاً، أو يستمعوا ويتناقشوا في مادة مفيدة، فكبير السن عادة عنده فراغ كبير إذا لم يستغله في الخير ربما صرفه في الشر والعياذ بالله، والواقع أن كثير هؤلاء لهم قلوب رقيقة ومحبون للخير فلو نصحهم ناصح لاستجاب له كثير منهم، فهم في خريف العمر، ونهاية الطريق، وثمار نضجت وحان قطافها وحصادها.
********
➋ المستقبل غيب لا يعلمه إلا الله، لكن الله تعالى جعل للكون سننا، وبين الأيام تشابه، وبين الأحداث تقارب، فالكثير من قصص التاريخ لو نزعت منها تاريخ وقوعها وأسماء الأماكن والأشخاص لظن الظان أن القصص تكرر، وأن الأحداث تدور في حلقة مفرغة، وبالتالي يمكننا معرفة الخطوط العريضة لأمور مستقبلية، من خلال التأمل في مجريات التاريخ، والنظر في الفتن السابقة وما حل بأصحابها، وقبل ذلك التفكر في قصص القرآن، ولكن أكثر الناس لا يفقهون، والتاريخ لمن تأمّل، أعظم مدرسة في الحياة، وأكبر ينبوع لاكتساب الحكمة، وأسمى طريق لمعرفة العواقب لتجنبها، وتحاشي الوقوع في أخطاء الذين مضوا، الجميل أن القراءة في كتب التاريخ فيها متعة، فليست مادة جافة صعبة الفهم، عسيرة الهضم، وإنما هي قصص وما أجمل القصص، فاستمتع بقصص التاريخ وابحث بين السطور على العبر والعظات، لتنير لك الدرب وتسلك سواء الصراط.
********
➌ { (الْبَرِيَّةِ) } كلمة وردت في القرآن مرتين فقط وفي سورة واحدة، ومعنى البرية: الناس، أما الآيتين فكلنا تقريبًا يحفظها {(أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) } {(أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)} إذن الناس (الْبَرِيَّةِ) قسمان: أهل الخير وأهل الشر، فأما أهل الخير فهم (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وأما أهل الشر -أعاذنا الله من الشر وأهله- فهم (الَّذِينَ كَفَرُوا) هذه الحقيقة غابت أو كادت أن تغيب عن أذهان الكثير من المسلمين والله المستعان، انظروا كيف يلمع الكفار تلميعًا فاحشًا، ويعظمون تعظيم مفرط لا سيما (نجوم) الفن والرياضة، فضلًا عن أكبر المجرمين والظلمة من الحكام وأصحاب المناصب العليا، بل وصل التعظيم إلى فلاسفتهم ومفكريهم مع أنهم يُنَظِّرون لأفكار هدامة ومدمرة وغارقة في الظلم والفحش، وتجد من شباب وشابات المسلمين يتخذون أمثال هؤلاء قدوة ومثَلا أعلى، ويتمنون فقط اللقاء بهم ولو لمرة واحدة، وهناك من يبحث عن أي نقطة إيجابية في مجتمعات هؤلاء ويضخمها ويعمى أن يتعامى عن الكم الهائل والمخيف من الفساد العقدي والأخلاقي فضلًا عن الظلم الذي يمارسونه على المستضعفين، لذا علينا أن نتدبر ونتذكر كثيرًا ودائما أن هؤلاء ليسوا إلا (شَرُّ الْبَرِيَّةِ)
********
➍ {(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)} سبحان الله! (الذنوب أنقضت ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - فما بالك بباقي الخلق؟!) ما أشد شؤم الذنوب، لذا وجب الابتعاد عن تعاطي أسبابها، والمبادرة للتوبة منها، لأن ضررها يشمل الدنيا والآخرة، والهلاك إنما يكون بسبب الذنوب، وأخطار الذنوب أكثر من أن تعد، وأعظم ما يبعد المسلم عن الذنوب ويجعله يؤوب سريعًا إن اقترب منها شيء، هو تعظيم الله جل وعلا، وتعظيمه سبحانه يحمل المسلم على الاستيحاء منه سبحانه والخوف والخشية، ولكي يعظم الله في نفسك عليك بالتأمل في آيات الله الكونية والشرعية، خصوصًا أسماء الله الحسنى وصفاته العلى .. {{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}} .
********
➎ حفظ القرآن أمنية غالية، وهبة ربانية عالية، وتوفيق إلهي محض، ولعل كل مسلم يتمنى حفظ كتاب الله عز وجل وأن يحوي كلام الله في قلبه، وهناك الكثير والكثير بدأوا في رحلة الحفظ وانقطعوا، منهم من انقطع في أول أسبوع وبعضهم في أول شهر، وآخرون فترت عزيمتهم بانتهاء رمضان، وغالب من بدأ وترك أنه كان بمفرده، ولو أن الشخص ارتبط بغيره سواء كان صديق أو عدة أفراد، فإن بعضهم يشد البعض الآخر وتستمر سفينة الحفظ إلى أن تصل إلى الغاية المنشودة، فأهم سبب للاستمرار في حفظ القرآن بعد توفيق الله تعالى هو التعاون والتكاتف بين اثنين فأكثر، وإذا عجز أحدنا أيجد رفيقًا يجالسه ويسلك معه سبيل الحفظ لكتاب الله، فلا أقل أن يجعل له رفيقًا ينطلق معه بالحفظ بالاستعانة بالتقنية الحديثة، مثل أن يسمّع أحدهما للآخر عن طريق الهاتف، والله تعالى يقول : {( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ )} فتأمل هذه الآية وكذلك حديث بُرَيْدَةَ رضي الله عنه: قال: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْتُهُ يَقُول: «((وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ، فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ بِالْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلا))» «» [رواه أحمد وابن ماجة وصححه الهيتمي والالباني]
- التصنيف: