|10| {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم}
أيمن الشعبان
قال تعالى: {{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)}} .
- التصنيفات: التفسير -
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29].
يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.
قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا.
الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ.
فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
قال تعالى: {{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)}} .
اقتلوا يوسف، أو غيِّبوه في أرض بعيدة؛ يَخْلُصْ لكم وجه أبيكم فيحبكم حبًّا كاملًا، وتكونوا من بعد ما تقدمون عليه من قتله أو تغييبه قومًا صالحين، حين تتوبون من ذنبكم. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).
فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:
1- إِذَا اسْتَجَابَ الإِنْسَانُ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ انْحَطَّ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ.
وَيُصَوِّرُ هَذَا المَشْهَدُ اسْتِحْوَاذَ الشَّيْطَانِ عَلَى تَفْكِيرِ إِخْوَةِ يُوسُفَ، حِينَ اخْتَارُوا جَرِيمَةً عَظِيمَةً فِي حَقِّ صَغِيرٍ بَرِيءٍ، لَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا إِسَاءَةَ.
2- مَدَاخِلُ الشَّيْطَانِ شَتَّى، وَمُتَنَوِّعَةٌ بِحَسَبِ حَالِ الإِنْسَانِ
3- يُسْتَفَادُ مِنْهُ وُجُوبُ العَدْلِ بَيْنَ مَنْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ رِعَايَتِكَ.
فَإِذَا كَانَ مَيْلٌ قَلْبِيٌّ قَدْ أَوْصَلَ إِخْوَةَ يُوسُفَ إِلَى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ دُونَ ذَنْبٍ مِنْ أَخِيهِمْ، فَكَيْفَ إِذَا اخْتَلَّ العَدْلُ فِي العَطَاءِ وَالمَنْعِ وَالمُحَابَاةِ؟!
4- فِي حَيَاتِكَ سَتَجِدُ أُنَاسًا لَا هَمَّ لَهُمْ إِلَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُتَحَابِّينَ؛ فَقَدْ عَزَمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ عَلَى قَتْلِهِ لِهَذَا السَّبَبِ.
5- يُعْمِي الشَّيْطَانُ ابْنَ آدَمَ عَنِ الحَقِّ الوَاضِحِ، وَيَصْرِفُهُ عَنْ أَبْسَطِ الحُلُولِ؛ فَلَوْ أَنَّهُمْ وَاجَهُوا أَبَاهُمْ وَطَرَحُوا مُشْكِلَتَهُمْ لَانْحَلَّتْ سِلْمِيًّا وَانْتَهَى الأَمْرُ.
6- يُؤَدِّي التَّنَافُسُ عَلَى حُبِّ الظُّهُورِ إِلَى إِضْمَارِ الشَّرِّ وَالسَّعْيِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الأَقْرَانِ.
7- قَدْ يَضْعُفُ الإِنْسَانُ أَمَامَ سُلْطَانِ الحَسَدِ وَسَيْطَرَتِهِ، فَيَنْدَفِعُ إِلَى مَخَاطِرَ مُهْلِكَةٍ.
8- قَوْلُهُمْ: { {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا}} يَدُلُّ عَلَى بُلُوغِ الحَسَدِ بِهِمْ غَايَتَهُ، وَاشْتِدَادِ عَوَاطِفِهِ السَّيِّئَةِ حَتَّى تَدَفَّعُوا إِلَى الإِهْلَاكِ؛ فَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الحَسَدُ مِنْ قَتْلِ المَحْسُودِ أَوْ إِلْقَائِهِ فِي المَهَالِكِ.
9- الحَسَدُ يُضَخِّمُ الصَّغَائِرَ وَيُهَوِّنُ العَظَائِمَ؛ فَإِذَا اسْتَوْلَتِ الأَحْقَادُ وَالغَضَبُ عَلَى النَّفْسِ فَقَدَتْ تَقْدِيرَ الأُمُورِ، وَدَفَعَهَا ذَلِكَ إِلَى التَّخَلُّصِ مِمَّنْ يُزَاحِمُهَا. لِذَلِكَ يَجِبُ التَّنَبُّهُ لِبَدَايَةِ تَكَوُّنِ المَشَاعِرِ السَّيِّئَةِ فِي النَّفْسِ.
10- الحَسَدُ أَشَرُّ خِصْلَةٍ وَخِتَامُ الأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ؛ وَلِذَلِكَ خَتَمَ اللهُ مَجَامِعَ الشُّرُورِ الإِنْسَانِيَّةِ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {{ومِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}} .
11- فِيهِ أَنَّ عَدَاوَةَ الحَاسِدِ لَا تَنْتَهِي إِلَّا بِمَوْتِ المَحْسُودِ أَوْ غِيَابِهِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَيُقْلِعَ عَنْ حَسَدِهِ.
12- أَعْظَمُ مَا يُسْعِدُ الأَبْنَاءَ أَنْ يَرَوْا وَجْهَ أَبِيهِمْ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالحُبِّ وَالاهْتِمَامِ؛ {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}.
13- الأَفْرَادُ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ جَمَاعَةً قَدْ يَتَوَاطَؤُونَ عَلَى عَظَائِمِ الأُمُورِ القَبِيحَةِ.
14- مَنْ اسْتَطَاعَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الأَجْسَادِ لَا يَسْتَطِيعُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ القُلُوبِ؛ فَإِنَّ الحُبَّ رِزْقٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَفِرَاقُ الجَسَدِ لَا يَعْنِي زَوَالَهُ، إِذْ لَا يَحْجُبُ الحُبَّ الخَالِصَ بُعْدُ مَكَانٍ وَلَا طُولُ زَمَانٍ.
15- طَلَبُ مَحَبَّةِ الغَيْرِ يَكُونُ بِفِعْلِ مَا يُحِبُّ، لَا بِمَا يَضُرُّهُ وَيُحْزِنُهُ وَيُبْكِيهِ.
16- مُزَاحَمَةُ أَهْلِ الفَضْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنَ الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ وَالمُنَافَسَةِ غَيْرِ الشَّرِيفَةِ.
17- المَقَاصِدُ الشَّرِيفَةُ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِوَسَائِلَ شَرِيفَةٍ؛ فَالغَايَةُ النَّبِيلَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ وَسِيلَتُهَا مِثْلَهَا، فَلَا يُعْصَى اللهُ لِتَحْقِيقِهَا. وَمَنْ طَلَبَ مَرَادَهُ بِالمَعْصِيَةِ بَعُدَ عَنْهُ، وَمَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فَاتَهُ الكُلُّ.
18- يَكُونُ دَيْدَنُ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ إِذَا هَمُّوا بِالذَّنْبِ قَالُوا: هَذَا آخِرُ ذَنْبٍ! وَذَلِكَ عِنْدَ ضَعْفِ الإِيمَانِ وَغَلَبَةِ دَاعِي الشَّرِّ؛ فَلَا يُفْسِدِ الإِنْسَانُ حَالَهُ بِحُجَّةِ الإِصْلَاحِ مُسْتَقْبَلًا، بَلْ يُبَادِرْ إِلَى الإِصْلَاحِ مِنَ الآَنِ.
19- السِّينُ وَسَوْفَ مِنْ أَسْلِحَةِ إِبْلِيسَ؛ فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ قَالَ: سَوْفَ أَتُوبُ وَسَوْفَ أَفْعَلُ، وَلَمْ يَفْعَلْ!
20- قَدْ تَنْشَأُ العَدَاوَاتُ وَتَظْهَرُ دُونَ سَبَبٍ مِنْكَ، فَمُجَرَّدُ تَمَيُّزِكَ يَجْلِبُ أَعْدَاءَ الكَمَالِ وَالفَضِيلَةِ وَالنَّجَاحِ. وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ جَمِيلُ الخَلْقِ، صَغِيرٌ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَذِي قَرَابَةٍ وَحَقٍّ، مَعَ ذَلِكَ وَقَعَ مَا وَقَعَ؛ نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.
21- الأَنَانِيَّةُ وَالرَّغْبَةُ فِي الاسْتِحْوَاذِ وَعَدَمُ المُشَارَكَةِ دَاءٌ بَشَرِيٌّ قَدِيمٌ.
22- قَدْ يَنْتُجُ أَعْظَمُ الفَسَادِ الآَنِيِّ مِنْ فِكْرَةِ الصَّلَاحِ المُسْتَقْبَلِيِّ.
23- التَّسْوِيفُ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ مِنْ أَخْطَرِ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ عَلَى القُلُوبِ؛ فَيُؤَخِّرُ الإِنْسَانُ صَلَاحَهُ وَيُؤَجِّلُ رُجُوعَهُ، مُتَعَلِّلًا بِالأَمَلِ، كَمَا قَالُوا: {{وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}} .
24- لَيْسَتِ التَّوْبَةُ الَّتِي يُهَيِّئُهَا الإِنْسَانُ مُسْبَقًا قَبْلَ ارْتِكَابِ الذَّنْبِ تَوْبَةً حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ تَبْرِيرٌ يُزَكِّيهِ الشَّيْطَانُ؛ وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ تَكُونُ عَنْ ذَنْبٍ مَضَى، وَقَعَ بِلَحْظَةِ غَفْلَةٍ أَوْ جَهْلٍ وَنَحْوِهِمَا.
25- كُلُّ فِكْرَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ لَا تُقْبَلُ حَتَّى تُزَخْرَفَ بِوَعْدِ تَوْبَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ، فَاحْذَرُوا تَزْيِينَ القَبِيحِ؛ فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَابٌ وَاسِعٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، جُعِلَ لِمَنْ يَصْدُقُ فِيهَا وَيَسْتَحِقُّ قَبُولَهَا.
26- لَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُوَاقِعَ الذَّنْبَ بِحَالٍ، وَلَوْ أَضْمَرَ التَّوْبَةَ مِنْهُ؛ فَاجْتِنَابُهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ تَبْيِيتُ التَّوْبَةِ مُسَوِّغًا لِارْتِكَابِ المَعْصِيَةِ.
27- فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ القَاتِلِ؛ إِذْ لَمْ يُنْكِرِ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا القَوْلَ مِنْهُمْ.
28- فِيهِ أَهَمِّيَّةُ التَّوَجُّهِ بِالوَجْهِ أَثْنَاءَ الخِطَابِ، وَإِعْطَاءِ الأَوْلَادِ قَدْرًا كَافِيًا مِنَ الاِهْتِمَامِ وَالإِنْصَاتِ؛ لِإِشْبَاعِ حَاجَاتِهِمُ النَّفْسِيَّةِ.
29- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}} فِيهِ دَلَالَةٌ بَلِيغَةٌ تُعَلِّمُ كُلَّ أَبٍ كَيْفَ يُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ أَبْنَائِهِ، وَكُلَّ ذِي سُلْطَةٍ كَيْفَ يَرْعَى مَنْ تَحْتَ يَدِهِ بِالْعَدْلِ وَالِاهْتِمَامِ.
30- ذِكْرُ الوَجْهِ لِتَصْوِيرِ مَعْنَى الإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَى شَيْءٍ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ.
31- يُصَوِّرُ هٰذَا المَشْهَدُ صِنْفًا مِنَ الوُصُولِيِّينَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ العُلُوَّ وَالمَكَانَةَ عَلَى أَنْقَاضِ غَيْرِهِمْ؛ فَهُم لَا يَعْرِفُونَ البِنَاءَ إِلَّا بِهَدْمِ الآخَرِينَ، وَلَنْ يَأْتِيَكَ خَيْرٌ بِإِضْرَارِكَ بِهِمْ.
32- يُغْرِي الشَّيْطَانُ أَتْبَاعَهُ بِالمَعْصِيَةِ، وَيُزَيِّنُهَا لَهُمْ، وَيُسَوِّلُ وَيَعِدُ وَيُمَنِّي بِالتَّوْبَةِ، حَتَّى يَضْعُفَ دَاعِي الإِيمَانِ وَيَقْوَى دَاعِي الهَوَى؛ فَيَقُولُ لِلصَّالِحِ: اعْمَلِ المَعْصِيَةَ ثُمَّ تُبْ، فَيُهْلِكُهُ بِذٰلِكَ.
33- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {{وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}} ، يُبَيَّنُ أَنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ لَا تُصْلِحُ عَمَلًا فَاسِدًا، فَلَا يَكْفِي حُسْنُ القَصْدِ مَعَ خَطَإِ الفِعْلِ؛ بَلِ العِبْرَةُ بِصِحَّةِ العَمَلِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلشَّرْعِ.
34- يَنْبَغِي لِمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَسْتَشْعِرَ مُرَاقَبَتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا يَلِيقُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ وَيَرَى، وَقَدْ أَظْهَرَ سُبْحَانَهُ مَا أَخْفَوْهُ وَفَضَحَهُمْ فِي كِتَابٍ يُتْلَى، فَتَأَمَّلُوا ذٰلِكَ.
35- قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى: إِذَا حَفِظَ اللَّهُ عَبْدَهُ وَرَعَاهُ، فَلَا يَضُرُّهُ أَحَدٌ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَنْ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ.
36- لَيْسَ كُلُّ مَا يَقَعُ مِنَ المَعَاصِي مِنَ الشَّيْطَانِ فَقَطْ؛ بَلْ تُسَاهِمُ فِيهِ النَّفْسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، فَهِيَ تَسُولُ وَتَأْمُرُ، وَالشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ وَيُمَنِّي {{وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ}} ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ الذَّنْبُ قِيلَ: {{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا}} ، فَيَبْقَى دَاعِي النَّفْسِ وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ مَعًا، وَلَا يَكْفِي فِي ذٰلِكَ سَلْسَلَةُ الشَّيَاطِينِ فِي رَمَضَانَ لِانْتِفَاءِ المَعْصِيَةِ.
37- لَا تَسْتَغْرِبْ إِنْ حَاوَلَ أَحَدُ الوُجَهَاءِ أَوِ المَشْهُورِينَ العَبَثَ بِالدِّينِ، فَهَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ نَبِيٍّ، وَأَوْشَكُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيٍّ!
38- لَيْسَتِ الجَرِيمَةُ حَلًّا لِأَيِّ مُشْكِلَةٍ، بَلْ تُؤَدِّي إِلَى نَتَائِجَ عَكْسِيَّةٍ؛ فَلَمْ يَجِدْ إِخْوَةُ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِمْ بَعْدَ جَرِيمَتِهِمْ إِلَّا التَّوَلِّي وَالإِعْرَاضَ عَنْهُمْ.
39- صَلَاحُ الحَالِ وَالمَآلِ، وَسَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، لَا تَكُونُ إِلَّا بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، لَا بِارْتِكَابِ الجَرَائِمِ.
40- قَدَّمُوا العَزْمَ عَلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنْهُمْ؛ تَسْهِيلًا لِفِعْلِهِ، وَإِزَالَةً لِشَنَاعَتِهِ، وَتَنْشِيطًا لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا.
41- يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}} عَلَى أَنَّ فِي النُّفُوسِ خَيْرًا، إِذْ أَضْمَرُوا التَّوْبَةَ، فَلَيْسَ فِيهَا شَرٌّ مَحْضٌ.
42- العَزْمُ عَلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الذَّنْبِ؛ قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: «وَفِي قِصَّتِهِمْ نُكْتَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ الذَّنْبِ».
43- يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْ شُؤْمِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ إِلَى ذُنُوبٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَقَدْ كَذَبُوا وَمَكَرُوا وَاحْتَالُوا وَزَوَّرُوا عَلَى أَبِيهِمْ.
44- الإِنْسَانُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِ نَفْسِهِ وَتَحْصِيلِ مَنَافِعِهِ؛ وَلِذٰلِكَ قَالَ تَعَالَى: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}، فَفِي لَفْظِ «لَكُمْ» إِشَارَةٌ إِلَى هٰذَا المَعْنَى.
45- إِيرَادُ النَّتَائِجِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {{يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}} يُقَوِّي قَبُولَ المُقَدِّمَاتِ {{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا}} ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ فِي الشَّرِّ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الخَيْرِ بِذِكْرِ المَنَافِعِ لِتَحْفِيزِ النُّفُوسِ عَلَى العَمَلِ.
5 ذو القعدة 1447هـ
23/4/2026م
