خُلُق الرِّفْق ‏معناه، أهميته، تطبيقاته في الحياة‏

منذ 5 ساعات

يُعَدّ إرساء الأخلاق ركيزةً أساسية من ركائز دين الإسلام، ومقصدًا رئيسًا من مقاصد الشريعة السمحاء. يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق».

مقدّمة:

يُعَدّ إرساء الأخلاق ركيزةً أساسية من ركائز دين الإسلام، ومقصدًا رئيسًا من مقاصد الشريعة السمحاء. يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق». وخُلُق الرِّفْق أحد أهَمّ الأخلاق التي أَوْلَاها القرآنُ والسُّنة النبوية عنايةً كبيرةً، وتخلَّق بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في معاملاته مع القريب والغريب، والعدوّ والصّدِيق. وفي هذه المقالة نبيِّن معنى الرِّفْق، وأهميته في القرآن والسُّنّة، وسُبُل تعزيزه وتطبيقه في حياة المسلم المعاصر. 

أولًا: في معنى الرِّفْق: 

يقول أهل اللغة: «رَفَقَ: الراء والفاء والقاف أصلٌ واحدٌ يدلُّ على موافَقةٍ ومقاربةٍ بلا عُنْف، فالرِّفق: خِلافُ العُنْف». ويقول ابن منظور: «رَفَقَ بالأَمرِ وَلَهُ وَعَلَيْهِ يَرْفُق رِفْقًا: لطَفَ. وَيُقَالُ: أَرْفقْته، أَي: نَفَعْته، وأَوْلاه رافِقةً، أَي: رِفْقًا، وَهُوَ بِهِ رَفِيق لَطِيف. قال اللَّيْثُ: الرِّفق: لِين الجَانِبِ ولَطافةُ الفِعْلِ».

وقال ابن حجر في تعريف الرفق: «هو لِين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، وهو ضدّ العنف».

وقال القاري: «هو المداراة مع الرفقاء، ولِين الجانب، واللُّطف في أخذِ الأمرِ بأحسنِ الوجوه وأيسرها».

ويبيّن أبو حامد الغزالي حقيقة الرّفق، فيقول: «اعلم أنّ الرّفق محمود، ويضادّه العنف والحِدّة، والعنف نتيجة الغضب والفظاظة، والرّفق واللّين نتيجة حُسْن الخُلق والسلامة».

ثانيًا: أهمية الرِّفْق من خلال القرآن والسُّنة:

1- تأليف قلوب المؤمنين:

أَرسَلَ الله -عز وجلّ- نبيَّه الخاتم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- مَفطُورًا عَلى الرِّفق والتيسير، وأَودع في قلبه لينًا ورحمة تعمّ الناس أجمعين، وفي اللُّطف مع المؤمنين والرفق بهم واحترام مشاعرهم تأليفٌ للقلوب وجمعٌ للكلمة. يقول الله عزّ وجلّ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: ١٥٩]. «يَقُولُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} الفَظُّ: الغَلِيظُ، والـمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا غَلِيظُ الكَلَامِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {غَلِيظَ القَلْبِ} أَيْ: لَوْ كُنْتَ سيِّئَ الكَلَامِ قَاسِيَ القَلْبِ عَلَيْهِم لَانفَضُّوا عنكَ وَتَرَكُوكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَمَعَهُم عَلَيْكَ، وَأَلَانَ جَانِبَكَ لَهُمْ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِم، كَمَا قَالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو: إِنَّهُ رَأَى صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: (أَنَّهُ لَيْسَ بفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخّاب فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ). قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَذَا خُلُقُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ».

وأمّا الغِلْظة مع الناس والقسوة عليهم وعدم الاكتراث بمشاعرهم فمن شأنها أن تجافي بين القلوب وتشتّت الجموع وتُذهب بالتراحم بين أفراد الأسرة والمجتمع، وهذا مما حذَّر منه القرآن والسُّنة، ولم يرتضِه الله -عزّ وجلّ- لعباده المؤمنين. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه».

2- مِلاكُ الخير:

الرفق مِلاكُ الخير؛ ولا يُكتَسبُ أمرٌ فيه خير إلا بالرفق والتأنّي. يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحرَمِ الخَـيْرَ». وبقدر نصيب المسلم من الرفق يكون نصيبه من الخير، قال النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أُعْطِيَ حَظَّهُ من الرِّفْقِ فقد أُعْطِيَ حَظَّهُ من الخيرِ، ومن حُرِمَ حَظَّهُ من الرِّفْقِ فقد حُرِمَ حَظَّهُ من الخيرِ»، فكلّما زاد حظّ المؤمن من اللُّطف واللِّين زاد حظّه من الخير الوفير، وما شيء أشدّ مَضيعةً للخير والأرزاق من العنف والاستعجال.

3- زينة الأمر:

والرفق زينة الأمور وتاجها، وما من شيء يدخل فيه الرفق إلا وكان التيسير سبيله، فأصاب صاحبه هدفه وأتمّ بلوغه. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه».

وهو ليس مقتصرًا على أمرٍ دون أمر، أو قريب دون غريب، أو حتى صَدِيق دون عدوّ، بل زينته وخيره ممتدّ إلى كلّ الأمور وشامل لكافة خَلْق الله، وقد استعمل -صلى الله عليه وسلم- الرفق مع اليهود -وهم ألدّ الأعداء-، فلم يقابل الإساءة بالإساءة، بل تمسّك بحظِّه من الخير ومكارم الأخلاق، وقد قال السلف: «مكتوبٌ في الحكمة: "الرفق رأس الحكمة"». عن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ يَهودَ أتَوُا النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: السَّامُ علَيكُم -يقصدون الدعاء على النبي صلى الله عليه وسلم بالموت-، فقالت عائِشةُ: علَيكُم، ولَعَنَكُمُ اللهُ، وغَضِبَ اللهُ علَيكُم. قال: «مَهلًا يا عائِشةُ، عليكِ بالرِّفقِ، وإيَّاكِ والعُنفَ والفُحشَ» ، قالت: أولَم تَسمَعْ ما قالوا؟ قال: «أولَم تَسمَعي ما قُلتُ؟ رَدَدتُ عليهم، فيُستَجابُ لي فيهم، ولا يُستَجابُ لهم فيَّ» ».

4- مَنْجَاة من النار:

والرفق وقاية من عذاب الله ومنجاة من النار. يقول النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أُخبرُكم بمن يُحرَّمُ على النارِ، أو بمن تحرُمُ عليه النارُ؟ على كلِّ قريبٍ، هيِّنٍ سهلٍ». وأهل الجنة ثلاثة -كما ورد في الحديث الشريف-: «ذو سُلْطَانٍ مُقسِطٌ مُتَصَدِّقٌ موفَّقٌ، ورَجُلٌ رَحيمٌ رَقيقُ القَلبِ لكُلِّ ذي قُربى ومُسلِمٍ، وعَفيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عيالٍ». فانظر كيف حدَا الرفق بأهله إلى جنّات النعيم، وأبعدهم برحمة الله عن غضبه وعقابه.
 

5- تأَسٍّ برسول الله صلى الله عليه وسلم:

يقول الله عزّ وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرجُو اللَّهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ٢١]، وفي التخلّق بخُلُق الرفق امتثال لأمر الله -عز وجل- بالتأسِّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والسَّيْر على هَديه الكريم؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم. عن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- قال: «أتَيتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في نَفَرٍ مِن قَومي، فأقَمْنَا عِندَه عِشرينَ لَيلةً، وكان رَحيمًا رَفيقًا، فلَمَّا رَأى شَوقَنا إلى أهالينا، قال: «ارجِعوا فكونوا فيهم، وعَلِّمُوهم، وصَلُّوا» ». وتقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «ما خُيِّرَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بينَ أمرَيْنِ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهما، ما لَم يَكُنْ إثمًا، فإنْ كان إثمًا كان أبعَدَ النَّاسِ منه. وما انتَقَمَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لنَفْسِه إلَّا أن تُنتَهَكَ حُرمةُ اللهِ، فيَنتَقِمَ للَّهِ بها».

ثالثًا: تطبيقات الرِّفْق في حياة المسلم المعاصر:

للرفق صورٌ كثيرةٌ ودوائر متعدّدة بالإمكان تعزيز تطبيقها في حياة المسلم المعاصر، وسنبدأ في تقسيمها من الأوسع والأشمل إلى الأدنى والأخصّ. وسنقسمها كالآتي:

أ- دائرة العمل.

ب- دائرة الدعوة والإرشاد.

ج- دائرة الأسرة.

د- مع الكائنات مِن حولنا.

هـ - دائرة نفسية (مع الذات).

أ- دائرة العمل:

- الرؤساء والمُديرون وذوو المناصب:

من المهمّ أن يتعامل المُديرون وأصحاب الأعمال مع عُمَّالِهم وموظّفيهم برِفْق، وأن يلتمسوا لهم من الأعمال ما لا يشقّ عليهم بدنيًّا أو ذهنيًّا. يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أمْرِ أُمَّتي شيئًا فشَقَّ عليهم فاشْقُقْ عليه، ومَن وَلِيَ مِن أمرِ أُمَّتي شيئًا فرَفَقَ بهِم فارفُقْ به».

وقد بلغ أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا أنّ جماعةً من رعيّته اشتكوا من عمّاله، فأمرهم أن يوافوه، فلما أتوه قام فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، أيتها الرعية، إنّ لنا عليكم حقًّا: النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير. أيتها الرعاة، إنّ للرعية عليكم حقًّا: فاعلموا أنه لا شيء أحبّ إلى الله ولا أعزّ من حِلْمِ إمامٍ ورِفْقه، ليس جهل أبغض إلى الله ولا أغمّ من جهلِ إمامٍ وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه».

- المعلِّمون وأساتذة الجامعات:

يتطلّب مقامُ التعليم رفقًا بطلبة العلم وبخاصّة الأطفال والناشئة؛ فإنّ التعامل مع الطلاب باللُّطف والحنوّ يحببهم في المادة العلمية، واستيعاب أخطائهم بالصبر وتداركها بالرِّفق مما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: «كان رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِن أحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فأرسَلَني يَومًا لحاجةٍ، فقُلتُ: واللَّهِ لا أذهَبُ، وفي نَفسِي أنْ أذهَبَ لِمَا أمَرَني به نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فخَرَجتُ حتَّى أمُرَّ على صِبيانٍ وهم يَلْعَبونَ في السُّوقِ، فإذا رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قد قَبَضَ بقَفايَ مِن ورائي، قال: فنَظَرتُ إليه وهو يَضحَكُ، فقال: «يا أُنَيسُ، أذَهَبْتَ حَيثُ أمَرتُكَ» ؟ قال: قُلتُ: نَعَم، أنا أذهَبُ يا رَسولَ اللَّهِ»، فلم يغضب -صلى الله عليه وسلم- من أنس -وكان بعدُ طفلًا- بل استوعب حداثة سِنِّه وتدارَك خطأه بالضحك والدعابة.

ب- دائرة الدعوة والإرشاد:

- الدعاة:

يقول الله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ} [النحل: ١٢٥]، فمِن الضروري أن يتحلّى الدعاة إلى الله بالرِّفْق والحِلْم؛ لأنهم سفراء الإسلام ومبلِّغو كلام الله عز وجل، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرينَ، ولم تُبعَثوا مُعَسِّرينَ».

وهذا ديدن الأنبياء جميعًا عليهم السلام، وكذا العلماء والدعاة المخلصين من بعدِهم، فحتى مع أعتى العتاة؛ فرعون، يأمر اللهُ تعالى نبيّيَه: هارون وموسى -عليهما السلام- بالتماس الرِّفْق في دعوته، قال الباري جلّ وعلا: {فَقُولَا لَهُ قَولًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: ٤٤]؛ «فإن الكلام السهل اللطيف من شأنه أن يكسِر حِدّة الغضب، وأن يُوقظ القلب للتذكُّر، وأن يحمله على الخشية من سوء عاقبة الكفر والطغيان».

ويقول الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: «واللِّينُ مِن شِعارِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ} [النحل: ١٢٥]، وقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: ١٥٩]. ومن اللِّين في دعوة موسى لفرعون قَوْلُهُ تَعالى: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: ١٨- ١٩]، وقَوْلُهُ: {وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى} [طه: ٤٧]؛ إذ المقصود من دعوة الرّسل حصول الاهتداء لا إظهار العَظَمة وغِلْظة القول بدون جدوى. فإذا لم ينفع اللّين مع المدعوّ وأعرض واستكبر جاز في موعظته الإغلاظ معه، قالَ تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أهْلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: ٤٦]، وقالَ تَعالى عَنْ مُوسى: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: ٤٨]».

- أئمة المساجد:

على أئمة المساجد أن يرفقوا بالمصلِّين؛ فإنّ منهم المريض وكبير السِّنّ والضعيف، فلا يتعنّتوا في القراءة ولا يُطيلوا في الصلاة، وليعلموا أنهم متى ما يَسَّروا على المسلمين صلواتهم فقد حَبّبوهم في حضور الجماعات وظفروا بتعمير بيوت الله.

وقد غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا حين جاءه رجل يشتكي ما يلاقيه من عنت الإمام في الصلاة. عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري -رضي الله عنه- قال: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنِّي لأتَأخَّرُ عن صَلاةِ الصُّبْحِ مِن أجلِ فُلانٍ؛ ممَّا يُطيلُ بنا، فما رَأيتُ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- غَضِبَ في مَوعِظةٍ قَطُّ أشَدَّ ممَّا غَضِبَ يَومَئذٍ! فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ، فأيُّكُم أمَّ النَّاسَ فليوجِزْ؛ فإنَّ مِن ورائِه الكَبِيرَ والضَّعيفَ وذا الحاجةِ» ».

ج- دائرة الأسرة:

لا شك أنّ الرِّفْق هو عنوان الأسرة السعيدة والبيت السعيد. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خَيرًا، دَلَّهم على بابِ الرِّفقِ». والرِّفْق أحد أبواب التراحُم والمودّة التي جعلها الله -عزّ وجلّ- بين الزوجين. قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١].

وأَوْلَى الناس ببرّ المرء ولُطفه وطلاقة وجهه ورفقه هم أهل بيته، غير أنّنا نرى بعض الناس يبذل إحسانه ولُطفه خارج البيت مع الغرباء، حتى إذا ما وافَى أهله أظهر من الغلظة والفظاظة ما هو أصلب من الحديد وأشدّ من الجبال، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أبعدَ الناس عن العنف وأحسنهم وأرفقهم مع الأهل. قال -صلى الله عليه وسلم-: «خَيْرُكم خَيْرُكم لأهلِه، وأنَا خَيْرُكم لأهلي».

كذلك أوصَى -صلى الله عليه وسلم- بالرفق بالنساء، وجعله آكد في حقّهن؛ وذلك لِمَا فُطِرْنَ عليه من الرِّقّة والضعف. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في مَسيرٍ له، فحَدَا الحادي، فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «ارفُقْ يا أنجَشةُ، ويحَكَ بالقَواريرِ». ويعني بالقوارير: النساء.

ويحسن بالآباء والأمهات أن يرفقوا بعيالهم وأن يحنوا عليهم، فيلاعبوهم ويلاطفوهم ويمسحوا على خدودهم كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «صَلَّيتُ مع رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ الأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إلى أهلِه وخَرَجتُ معهُ، فاستَقبَلَه وِلدانٌ، فجَعَلَ يَمسَحُ خَدَّي أحَدِهم واحِدًا واحِدًا، قال: وأمَّا أنا فمَسَحَ خَدِّي، قال: فوجَدتُ ليَدِه بَردًا أو ريحًا كَأنَّما أخرَجَها مِن جُؤْنَةِ عَطَّارٍ».

د- مع الكائنات من حولنا:

المؤمن لا يقتصر رِفقه على بني الإنسان، بل يمتدّ إلى ما حوله من سائر الكائنات، وقد حثّ الإسلامُ على الرفق بالحيوان، ورتّب الشارع على الإحسان إلى هذه الكائنات الثواب الجزيل. يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ»، وغفر اللهُ تعالى لبَغِيِّ بني إسرائيل حين أخذتها الرأفة بكلبٍ فسقته، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بينَما كَلبٌ يُطِيفُ برَكيَّةٍ - [أي: بئر] - قد كادَ يَقتُلُه العَطَشُ، إذْ رَأتْه بَغِيٌّ مِن بَغايا بَني إسرائيلَ، فنَزَعَت مُوقَها - [أي: خُفَّها] - فاستَقَت له به، فسَقَتْه إيَّاه، فغُفِرَ لها بهِ»

وبإمكان الفرد المسلم أن يضع أمام بيته بعض أواني الماء الصافي وبعض الطعام من أجلِ الحيوانات، أو إذا كان صاحب زراعة أن يحتسب ما يُؤخَذ من ثمرِه لأجل الدوابّ والطير صدقةً عند الله تعالى. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن مُسلِمٍ يَغرِسُ غَرسًا إلَّا كانَ ما أُكِلَ منه له صَدَقةٌ، وما سُرِقَ منه له صَدَقةٌ، وما أكَلَ السَّبُعُ منه فهو له صَدَقةٌ، وما أكَلَتِ الطَّيرُ فهو له صَدَقةٌ، ولا يَرزَؤُه - [أي: ينقصه] - أحَدٌ إلَّا كانَ له صَدَقةٌ». وكذا ألا يُحمِّل حيوانات المزرعة (كالحمار والحصان وثور الساقية وغيرها) من العمل ما لا يطيقون، وأن يهتمّ بإطعامهم وعلاجهم بواسطة الطبيب البيطري إذا لزم الأمر، عن عبد الله بن جعفر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخلَ حائِطًا لرجُلٍ منَ الأنصارِ، فإذا فيهِ جملٌ، فلمَّا رأى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حنَّ إليْهِ وذَرَفَت عيناهُ، فأتاهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فمسحَ ذِفْرَيْهِ فسَكنَ، فقالَ: مَنْ ربُّ هذا الجملِ؟ فجاءَ فتًى منَ الأنصارِ، فقالَ: هوَ لي، فقالَ: «ألا تتَّقِي اللَّهَ في هذِهِ البَهيمةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللَّهُ إيَّاها، فإنَّهُ شَكَا إليَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ)» .

ولا بدّ من توجيه ناشئة المسلمين إلى أهمية الرِّفق بالحيوان، وهذا دورٌ منوط بكلٍّ من المدرسة والبيت، فكم نرى -بكلّ أسف- من أطفالٍ في الشوارع يضربون الهِرَرَ، أو يأخذون صغارها للّهو، فيفجعون تلك الأمّهات في أولادها، وهو سلوك خاطئ رفضه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونهَى عنه. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ في سفَرٍ فانطلقَ لحاجَتِهِ، فرأَينا حُمَّرةً معَها فرخانِ، فأخَذْنا فرخَيْها فجاءت تعرِشُ، فجاءَ النَّبيُّ، فقالَ: مَن فجَعَ هذِهِ بولدِها؟ ردُّوا ولدَها إليها. ورأى قريةَ نملٍ قد حرَّقْناها. فقالَ: مَن حرَّقَ هذِهِ؟ قُلنا: نحنُ، قالَ: «إنَّهُ لا ينبَغِي أن يُعَذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ» ».

هـ- دائرة نفسية (مع الذات):

والمسلم أيضًا يرفق بذاته، فلا يُحمِّل نفسَه من الأعمال ما لا يطيق، وقد سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا عن أحبِّ الأعمال إلى الله، فقال: «أَدْوَمُهَا وإِنْ قَلَّ، اكْلَفُوا مِنَ الأعمالِ ما تُطِيقونَ». والله -عز وجل- يقول في كتابه العزيز: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]، «فاللّهُ لا يعذّب الشّاكرَ المؤمن، {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} أَيْ: للقليل من أعمالكم، عليمًا بنيّاتكم». وقد رأى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذات يومٍ رجلًا قائمًا في الشَّمسِ، فسأل: مَن هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيلَ؛ نذرَ أن يقومَ في الشَّمسِ ولا يقعُدَ، ولا يستظِلَّ، ولا يتكلَّمَ! فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مُرُوه فلْيَتكلَّمْ، ولْيَجلِسْ، ولْيَستظِلَّ، ولْيُتِمَّ صومَه». ومَرَّ -صلى الله عليه وسلم- بشيخٍ طاعِنٍ في السن يتهادى بين ابنَيْه لا يستطيع المشي، فقال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نَذَرَ أن يَمشِيَ، قال: «إنَّ اللهَ عن تَعذيبِ هذا نَفسَه لَغَنيٌّ»، وأمَرَه أن يَركَبَ.

وحِفْظ النفس من مقاصد دين الإسلام، وضرورة من الضرورات الخمس التي تتمثّل في: (الدِّين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، والتي تهدف إلى إقامة حياة مستقرة كريمة للإنسان المسلم، ولا تَوازُنَ لحياة المؤمن بغير الرفق. وقد جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أمّا أنا فإنّي أصلّي اللّيل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدًا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمَنْ رَغِبَ عن سُنّتي فليس مِنّي».

الخاتمة:

طوَّفْنَا في هذه المقالة حول معنى الرفق، وأهميته في القرآن والسُّنة، وتطبيقاته في حياة المسلم، وقد انتهينا إلى أنّ الرِّفق ليس مجرّد خُلُقٍ عابر أو حادثٍ في حياة المؤمن بل منهج حياة يأخذ بيده إلى تحصيل السعادة في الدنيا والآخرة؛ ولذلك نُوصي الوعّاظ وعلماء النفس والاجتماع إلى ضرورة الدعوة إليه بين جماهير المجتمع المسلم، وذلك من خلال إقامةِ الندوات وعَقْد الدورات، وبخاصّة للناشئة والشباب المُقْبِلين على الزواج، والأهَمّ من ذلك كلّه هو أن يتخلّقوا بهذا الخُلُق الفاضل قبل غيرهم ليكونوا قدوات لِمَن حولهم.

______________________________________________

 

  1.  

     أخرجه أحمد (8952) واللفظ له، والحاكم (4221)، والبيهقي (21301) باختلاف يسير.

  2.  

     معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ت: عبد السلام هارون، الناشر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة: الثانية، 1392هـ= 1972م، (2/ 418).

  3.  

     لسان العرب، ابن منظور، دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة، 1414هـ، (10/ 118) [باختصار].

  4.  

     فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ت: محب الدين الخطيب، الناشر: المكتبة السلفية - مصر، الطبعة: الأولى، 1390هـ، (10/ 449).

  5.  

     مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، الناشر: دار الفكر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ= 2002م.

  6.  

     إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي الطوسي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، طبعة: 1402هـ= 1982م، (3/ 185).

  7.  

     البخاري (4558).

  8.  

     اليسير في اختصار تفسير ابن كثير، اختصره وحققه: صلاح عرفات وآخرون، دار تفسير للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى: 1443هـ= 2021م، (1/ 374).

  9.  

     متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (6401).

  10.  

     مسلم (2592).

  11.  

     أخرجه الترمذي (2013).

  12.  

     أخرجه مسلم (2594).

  13.  

     كتاب الزهد، هنَّاد بن السري، ت: عبد الرحمن الفريوائي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، الطبعة: الأولى: 1406هـ، (2/ 653).

  14.  

     متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (6030).

  15.  

     أخرجه الترمذي (2488) واللفظ له، وأحمد (1/ 415)، وابن حبان (2/ 216).

  16.  

     مسلم (2865).

  17.  

     متفق عليه: البخاري (628)، ومسلم (674).

  18.  

     متفق عليه: البخاري (3560)، ومسلم (2327).

  19.  

     مسلم (1828).

  20.  

     إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي الطوسي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، طبعة: 1402هـ= 1982م، (3/ 185- 186).

  21.  

     مسلم (2310).

  22.  

     البخاري (6128).

  23.  

     التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة، الطبعة الأولى: فبراير 1998م، (9/ 108).

  24.  

     التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى 1443هـ= 2021م، (7/ 146- 147).

  25.  

     متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (466).

  26.  

     أخرجه أحمد (24734) واللفظ له.

  27.  

     الترمذي (3895) واللفظ له، والدارمي (2260)، وابن أبي الدنيا في «مداراة الناس» (154).

  28.  

     الحادي: الرجل الذي يسوق الإبل.

  29.  

     متفق عليه، واللفظ للبخاري (6209).

  30.  

     (جُؤنةِ عَطَّارٍ)، أي: سَلَّته الَّتي يضَعُ فيها عُطورَه، والعطَّارُ هو مَن يَبيعُ العِطرَ. انظر: الموسوعة الحديثية للدرر السنية: https://dorar.net/hadith/sharh/152190

  31.  

     أخرجه مسلم (2329).

  32.  

     متفق عليه: البخاري (6009)، ومسلم (2244).

  33.  

     متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (2245).

  34.  

     مسلم (1552).

  35.  

     أخرجه أبو داود (2549)، وأحمد (1745)، وابن سعد في (الطبقات الكبرى)، (6/ 464).

  36.  

     أخرجه أبو داود (2675) واللفظ له، وأحمد (3835) باختلاف يسير مختصرًا.

  37.  

     متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (6465).

  38.  

     انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ت: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الأولى: 1422هـ، (1/ 490).

  39.  

     البخاري (6704)، وأبو داود (3300).

  40.  

     متفق عليه: البخاري (1865)، ومسلم (1642).

  41.  

     متفق عليه: البخاري (5063)، ومسلم (1401).

    --------------------------------------------
     الكاتب: هند الورداني

  • 0
  • 0
  • 45

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً