تعلم الشكر تفلح
ليس كل الناس يعرفون قدر النعم، وإن كانوا يعيشون في ظلالها، ويتقلبون بين جنباتها. فكم من إنسانٍ يغدو ويمسي غارقًا في عطايا الله وكريم جوده، ثم لا يكاد يشعر بها؛ لأنه ألفها، أو شُغل بتتبع المفقود عن شكر الموجود، أو أطال النظر إلى من فوقه، فنسي ما بين يديه.
ليس كل الناس يعرفون قدر النعم، وإن كانوا يعيشون في ظلالها، ويتقلبون بين جنباتها. فكم من إنسانٍ يغدو ويمسي غارقًا في عطايا الله وكريم جوده، ثم لا يكاد يشعر بها؛ لأنه ألفها، أو شُغل بتتبع المفقود عن شكر الموجود، أو أطال النظر إلى من فوقه، فنسي ما بين يديه.
ولهذا كان الشكر قليلًا بين الناس، مع أنه من أجلّ مقامات العبودية، ومن أعظم أبواب الفلاح.
والشكر ليس مجرد كلمة تقال، بل هو بصيرةٌ ترى النعمة، وتتأمل في عظيم نفعها وضرر فقدها، وقلبٌ يمتلئ امتنانًا للمنعم المتفضل، فيذكره على الدوام وينسب فضله إليه، ونفسٌ تخضع للمنعم، وتبذل الوسع في طاعته، ولسانٌ يكثر من حمد الجواد المتفضل والثناء عليه، وجوارح تستعمل نعمه فيما يرضيه.
ولهذا كان الشكر من أعظم بواعث العبادة؛ فنحن نعبد الله محبةً له، لما له من الجلال والجمال والكمال والإحسان، ونعبده خوفًا من سخطه وعقابه، ونعبده رجاءً لرضاه وثوابه، ونعبده كذلك شكرًا لواسع فضله، وكريم إحسانه، وإقرارًا بنعمه التي لا تحصى ولا تنقطع.
ومن هنا كان ديننا دين الحمد كما هو دين البرهان والتوحيد، ودين الشكر كما هو دين الخضوع والطاعة.
وقد أشار الله إلى هذا الأصل العظيم بقوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}، فجعل الناس أمام نعمه قسمين: شاكرًا عرف الفضل فأقرّ به واستعمله في مراضيه، وكفورًا جحد النعمة وصرفها في مساخطه.
ولهذا كان أهل الإيمان أسبق الناس إلى الشكر وأدومهم عليه؛ لأنهم أكثر الخلق رؤية للنعمة وأبصرهم بفضل المنعم، وأعلم الناس بأن كل ما بهم من نعمة فمن الله سبحانه وحده.
أما الغافل، فتراه لا يتحرك قلبه بحمد، ولا يلهج لسانه بشكر، ولا يستعمل النعم في ما وضعت له. ولذا فأنت تراه يستيقظ صحيح البدن، ويمشي على قدميه سليما معافى، ويبصر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتنفس بيسر، ويشرب بلا عناء، ويعيش في وفرة وأمان، ثم تمر به هذه النعم وغيرها وكأنها أمر معتاد لا يستحق رؤية والتفاتًا، مع أنه لو سُلب واحدةً منها فقط لبذل في سبيل رجوعها كل ما يملك.
وقد جاء نبينا الكريم ﷺ بهذا الميزان الدقيق فقال: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، والمعنى أن من طبع النفس الكريمة أن تقر بالفضل لأهله، وتشكر من أحسن إليها من الخلق، فمن عجز عن شكر من يرى معروفه بعينه، ويلمس أثره بيده، كان عن شكر الله – وكثير من إحسانه خفيّ – أبعد.
ولهذا كان الشكر ثمرة عقلٍ حاضر، وقلبٍ حي، ونفسٍ تعرف قدر ما أُعطيت.
وهذا نهج الأنبياء والمرسلين، وسنة الصالحين. فهذا النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وهو عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلما قيل له في ذلك قال: «أفلا أكون عبدا شكورا»، فجعل العبادة شكرًا، وجعل التقلب في النعم المعنوية والمادية موضع حمد وامتنان لله سبحانه.
ومن تأمل في واقع كثير من الناس رأى أنه لا ينقصهم رزق، بل ينقصهم شكر، وأن يروا ما عندهم من فضل الله وكريم جوده.
ولهذا كان من الحكمة أن يسأل العبد نفسه دائمًا: كم نعمة أعيش فيها ولا أشعر بها؟، وكم أمر لو فقدته اليوم لاضطربت حياتي كلها؟
فإنه متى صدق في سؤاله هذا، انفتح له باب الحمد.
فيا سعد من تقلب في مطالعة منن الله عليه، فإنه لا سكينة له في الدنيا، ولا فلاح له في الآخرة، إلا بفضل الله وإحسانه.
ولولا الله ما وُجدنا، ولا تعافينا، ولا استقامت أمورنا، ولا اهتدينا، ولا صلينا.
فلله الحمد أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وجهرًا، على ما أعطى، وعلى ما منع، وعلى ما علمنا، وعلى ما ستر عنا، وعلى ما صرف عنا، وعلى ما أبقى لنا.
والله الهادي.
- التصنيف: