أعينوا أولادكم على البر!

منذ 8 ساعات

أعينوا أبناءكم على البر، قبل أن تطلبوه منهم، واغرسوه في قلوبهم، وكونوا لهم عونًا عليه.

برّ الوالدين فريضةٌ محكمة، دلّ عليها الشرع، وشهدت لها الفطرة، وأكدتها مكارم الأخلاق؛ إذ ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، ولا يقابل المعروف إلا بالوفاء.

غير أنّ كثيرًا من الحديث في هذا الباب ينصرف إلى واجب الأبناء، ويغفل جانبًا لا يقلّ أهمية، وهو: أن البرّ يُبنى، ويحتاج إلى من يُعين عليه؛ فهو ثمرة تربية، ونتاج وعي وقناعة، وأثر بيئة محفزة.

ومن هنا، كان من تمام الحكمة أن يعين الوالدان أبناءهم على برّهم، لا أن يطالبوهم به عند احتياجهم إليه.
ومن أبرز صور هذه الإعانة: أن يُبصَّر الأبناء بمعنى البر وحدوده وصوره العملية، قولًا وفعلًا، حال الصغر قبل الكبر، حتى ينشأ واضحًا في نفوسهم.
وأن يُدعى لهم بالهداية والتوفيق، فإن القلوب بيد الله.
وأن يُشكر منهم القليل، ويُثنى عليهم عند الإحسان، فإن النفوس تُربّى بالتشجيع.
وأن يُتغافل عن الزلل، فإن المبالغة في المحاسبة تورث النفور.
وأن يُحذر من الدعاء عليهم، فإن الدعوة قد تخرج ساعة غضب فتوافق إجابة.

غير أنّ هذا الباب يزداد أهمية في زماننا؛ إذ يعيش الأبناء في بيئة تعيد تشكيل القيم، وتدفع إلى التمحور حول الذات، وتعظيم الحقوق الفردية على حساب الواجبات الأسرية، وتلبس ذلك لباس الحرية والاستقلال.
وفي هذا المناخ، قد يُصوَّر البر ضعفًا، والطاعة تبعية، فينشأ الابن مترددًا بين فطرته التي تدعوه إلى البر، وخطابٍ بيئي يهوّن من شأنه.

ويزيد الأمر تعقيدًا ضعف التربية الإيمانية، وفشو الأمية الشرعية، وندرة القدوات؛ مما يقلل حضور هذا المعنى في النفوس، لا عن عناد، بل عن جهل وغياب بناءٍ سابق.
ومن هنا، فإن معالجة هذا الجانب تكون بفهم المرحلة ومؤثراتها، ثم التعامل معها بحكمةٍ وتدرج.
فالأبناء اليوم أحوج إلى خطابٍ يقنع عقولهم، وحوارٍ يفتح قلوبهم، وبيئةٍ تعينهم، وقدواتٍ ماثلة أمامهم؛ لا مبادئ يسمعونها فحسب.
فإذا اجتمع التبصير، والتشجيع، والرفق، والقدوة، نشأ البر طبيعيًا.
وإن غاب ذلك، واتُّكئ على الأوامر والتوبيخ، ضعف هذا الخلق واتسعت دائرة العقوق.
فالولد لا يعق أباه فجأة، بل يبتعد عنه خطوةً خطوة.
ومن هنا، فإن الخطر ليس في التقصير، بل في تجاهل أسبابه.
فأعينوا أبناءكم على البر، قبل أن تطلبوه منهم، واغرسوه في قلوبهم، وكونوا لهم عونًا عليه.
فإن من لم يُربَّ على البر، لن يترسّخ فيه سلوكًا.
والله الهادي. 

  • 0
  • 0
  • 52

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً