المروءة العلمية
طلب العلم فيه حقُّ ارتفاقٍ خفي؛ فنحن نرتفق بشروح العلماء، وبتقييدات السابقين، وبفهارس المحققين، وبمجالس الشيوخ، وبأسئلة الزملاء، وبأخطاء من سبقونا حين صارت لنا علامات طريق.
حين نتأمل حقَّ الارتفاق في الفقه، ثم ننقله إلى ميدان طلب العلم، ينكشف لنا أن المعرفة طريقٌ يتجاور فيه السالكون؛ فهذا عنده جدار تجربة، وهذا عنده خشبة سؤال، وثالث يحتاج أن يسند بدايته إلى رسوخ أخيه. وطلب العلم فيه حقُّ ارتفاقٍ خفي؛ فنحن نرتفق بشروح العلماء، وبتقييدات السابقين، وبفهارس المحققين، وبمجالس الشيوخ، وبأسئلة الزملاء، وبأخطاء من سبقونا حين صارت لنا علامات طريق.
ومركز الفكرة قول النبي ﷺ: «لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره»، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري. وهنا تتسع الصورة ويتجلى المعنى؛ فخشبةٌ صغيرة في جدار جار تتحول في باب العلم إلى مدرسة كاملة في تمديد المنافع، وتليين الملكيات، وتربية النفوس على أن الحقوق حين تسكنها المروءة تصير أبوابًا للبركة.
ونحن في بدايات الطلب نكون جميعًا أصحابَ خشبٍ صغيرة نبحث لها عن جدار؛ نحتاج شيخًا يحتمل سؤالنا الأول، وصاحبًا يدلنا على المتن المناسب، وزميلًا يشرح لنا عبارة استغلقت، ومكتبةً تفتح لنا أبوابها، ومجلسًا يربي فينا أدب الإصغاء.
ثم إذا تقدمت بنا الأيام صرنا نحن جدرانًا لغيرنا، وصار من واجب المروءة العلمية أن يجد القادمون عندنا موضعًا لغرس خشبة البداية؛ فيرتفقون بعلمنا، ووقتنا، ومكتبتنا، وملخصاتنا، وطرائقنا في الفهم، وبما فتح الله علينا من مفاتيح.
____________________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء
- التصنيف: