الأضحية والتضحية

منذ 9 ساعات

إن المقصدَ الأعظم من الأضحية هو ترسيخُ معاني التضحية في حياة المسلم، وجِماعُ أمرِ التضحية يرجع إلى التضحية بالنفس والمال.

الأضحية شعيرةٌ من شعائر الإسلام، وهذه الشعيرة لا يقوم مقامَها مجردُ توزيع اللحوم المبردة أو المجمّدة، على افتراض استمرار توفرها في السوق إلى يوم عيد الأضحى في ظل هذا الواقع الإبادي؛ كما أن الصلاة لا تُجزئ عنها قراءةُ القرآن مثلًا.

غير أن الأضحية سُنّة عند جمهور الفقهاء، وحتى على القول بوجوبها ـ كما هو مذهب الأحناف ـ فإن إغاثةَ المرابطين في غزة، بمختلف ألوان الإغاثة، فرضٌ (لا سُنّة)، وفوريٌّ (لا يقبل التأخير)، وهو مقدَّمٌ عليها وفق ما تقتضيه أبجدياتُ فقه الأولويات، فإن إحياء النفس التي ﴿ {مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} ﴾ أعظمُ عند الله أجرًا من الأضحية.

ثم إن المقصدَ الأعظم من الأضحية هو ترسيخُ معاني التضحية في حياة المسلم، وجِماعُ أمرِ التضحية يرجع إلى التضحية بالنفس والمال.

ومن هنا تنشأ ثنائيةُ: الأضحية والتضحية، وهي تُنتج أربعةَ احتمالات:

1) اجتماع الأضحية مع التضحية:
وذلك بأن يؤدي المسلم -خارج غزة- الأضحية، ويبذل ما يستطيع من ماله ونفسه في وجوه النصرة والواجبات الكبرى، كإغاثة أهل الرباط في القطاع المنكوب؛ وهذه أكملُ المراتب، إذ اجتمع فيها أداءُ الشعيرة وتحقيقُ مقصدها.

2) أداء الأضحية دون التضحية:
وهذا قائم برسم العبادة دون مقصدها، فغلب عنده جانبُ العادة جانبَ العبادة، وهذا حال كثير من الخلق.

3) التضحية دون أداء الأضحية:
وذلك فيمن ترك الأضحية لعذرٍ معتبرٍ شرعًا، مع بذله ما يستطيع من نفسه وماله في سبيل الله؛ كأن عجز عن الأضحية، كما هو حالُ كثيرٍ من أهل قطاع غزة، الذين يعيش أكثر من 93% منهم تحت خط الفقر، بينما يعاني أكثر من 75% منهم من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا لوزارة العمل في قطاع غزة (2026)، فضلًا عن الارتفاع الهائل في أسعار الأضاحي؛ إذ يبلغ ثمن الشاة الواحدة نحو 5000 دولار تقريبّا، أما العجول والبقر فتكاد تكون منعدمة. أو كان من غير أهل القطاع، لكنه قدَّم عليها فرضًا متعيّنًا ناجزًا، كدعم أهل القطاع المنكوب وإغاثتهم؛ فهذا -إن شاء الله- له أجرُ الأضحية جزاء صدقِ قصده.

وهذا حالُ من فقه الدين على وجهه، فقام بمقصد العبادة وإن غاب رسمها، فرجح عنده جانبُ العبادة على جانبِ العادة.

4) انتفاء الأضحية والتضحية معًا:
فلا هذه تحققت، ولا تلك، وهذه أسفلُ المراتب.

والخلاصة: أن من لم تتيسر له الأضحية لعذرٍ معتبرٍ شرعًا، وهو قائمٌ برسالة الأضحية ومقصدها، باذلٌ ما استطاع من نفسه وماله في سبيل الله؛ فإن أعظمَ سلوانٍ له أن أضحيةَ النبي ﷺ تشمله، فقد ضحّى عمَّن لم يُضحِّ من أمته، وأن نية المرء أبلغ من عمله. 
وكما يقول ابن تيمية: «النيةُ المجردةُ عن العمل يُثاب عليها، ومن نوى الخير، وعمل من مقدوره، وعجز عن إكماله، كان له أجرُ فاعله».

_________________________________________
الكاتب: بلال جميل مطاوع

  • 0
  • 0
  • 41

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً