أهلي يجبرونني على حياة لا أريدها

منذ 2017-11-11

فتاة تُعاني مِن أهلها ورفضهم إكمالها للدراسة الجامعية، وإذا ناقشتْهم في الموضوع يكون ردهم: دورُك يجب ألَّا يتجاوزَ تدريس إخوتك والطبخ! وتسأل: ماذا أفعل مع أهلي؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أنا فتاةٌ أعاني مِن مآسٍ كثيرةٍ، فقبلَ إنهاء مرحلة الثانوية أخبرني والدي بعدم إكمال دراستي الجامعية كَوني فتاة، وأنَّ الأَوْلَى بالدراسة الأكاديمية إخوتي الذُّكور!

أثَّر هذا الخبرُ عليَّ بالسلب نفسيًّا وجسديًّا، وشعرتُ بأنَّه قد تمَّ استغلالي؛ إذ كنتُ أعتني بدراستي كما أعتني بدراسة إخوتي أيضًا الذين لا ينكرون فضلي عليهم بمُساندة من والدتي التي كانتْ تُوَبِّخني أنا إذا حصلوا على درجات منخفضة، مُدعيَةً أنني أُلقِّنهم الدروس بشكل خاطئ!

كنتُ أبذُل مجهودًا دراسيًّا مضاعفًا ليس لي فيه نصيب، ومِن بعدها قرَّرْتُ صرْفَ المزيد مِن وقتي لهم ولدروسهم، بدلاً من صرفها عليَّ، وكنتُ آمل أن يُساعدوني في إكمال دراستي لاحقًا بعد إتمام دراستهم وحصولهم على وظائف جيِّدة.

أنْهَى إخوتي دراستهم، وترقَّبتُ لحظة دخولهم الجامعة، لكنهم صرَّحوا لأهلي بأنهم لا يريدون الدراسة الأكاديمية، ولا يهتمون بذلك أصلاً، مما جعلني أفاتح أهلي من جديد بأحقيتي في التقديم للجامعة؛ فالشهادةُ الجامعيةُ أصبحتْ ضرورةً مِن ضروريات الوظائف المعتبَرة، وتعد الورقة الرابحة لتحسين الوضع المعيشي للأُسَر الكادحة، لكن كان ردُّهم بالرفض؛ لعدم وُجود كفايات مادية، لأنهم قاموا بتأسيس منزل جديد، وشراء سيارة، وغير ذلك مِن لَوازِم البيت.

مرَّ على تخرُّجي سبع سنوات، وأنا كما أنا في مكاني لم أتحرَّك ولم أتقدَّم، حتى الزواج أصبحتْ فُرَصُه قليلةً أو نادرةً لأني مريضة بمرض نادر، يجعل فُرَص الارتباط بي قليلة.

زميلاتي جميعهنَّ لديهنَّ حرية في الاختيار، ودور الأسرة الكفالة المادية فقط، ولديهنَّ علاقات واجتماعيات طيبة، وعيشة هنِيَّة.

تتَّجه أمي إلى الاهتمام بأختي الصُّغرى، وتشجيعها على دراستها؛ لأملها أن تدخُلَ الجامعة، وعندما أجد ذلك أقول لها: فُرصتي لم تَفُتْ بعدُ، ويمكن أن أتقدَّم وأتفوَّق، خاصَّة مع قلَّة فُرَص الارتباط إن لم تصلْ إلى انعدامِها، فيكون الرد: دورك يجب ألَّا يتجاوزَ تدريس إخوتك والطبخ!

أحاول أن أطوِّرَ نفسي، وأشترك في بعض المنتديات بالكتابة، لكن للأسف هذا غير مستمر؛ لأن الإنترنت غير متوفِّر في بيتي إلا أيامًا قليلة في العام، أقرأ الكُتُب من خلال (PDF)، والحمد لله فهذه نعمةٌ كبيرة، لكنها تسببتْ في ضعف نظري!

للأسف الأهل يَرَوْن ذلك مادَّةً جيدةً للسُّخرية، فإذا ما طلبتُ كتابًا من جارتي يكون ذلك مدْعاة للاستهزاء بي، وطلبي بالسماح للذهاب إلى المكتبة العامة القريبة من منزلنا يُعتبر مَطلبًا ساذجًا، لا يسعهم أخذُه أو النظر فيه.

عزيزتي الألوكة، سئِمْتُ الإنجاز في العالم الافتراضي، سئمتُ الإنجاز بيني وبين نفسي، سئمتُ الطقطقة على لوحة المفاتيح، فمتى أسمو واقعيًّا وأكون صاحبة درجة علمية ومكانة عملية؟! مَن يضمن لي الأيام إلاَّ شهادة أتكئ عليها لتصريف بعض أموري، بدلاً مِن رميي بدون مؤهلاتٍ (جمالية، مالية، علمية) وكلها في مهبِّ الريح.

أرغب في الحُصول على مِنحةٍ دراسيةٍ في دولة أوروبية، وإنقاذ حياتي ممَّن يرغبون في أن يجعلوها هباءً منثورًا، سأهرب ممن يُريدون أن أكون تبعًا وعالةً ومحتاجة لإخوتي الذُّكور، الذين اعتادوا ضربي وسبابي وإلقاء اللوم عليَّ، والاستهزاء بمرضي، بمُبارَكة من والدتي.

لا أريد أن أكونَ عَجوزًا عانسًا يفنَى عُمرها في بيت أهلها، تستجدي لقمتها من إخوتها.

الحمدُ لله وجدتُ فرصًا فعلاً، لكنني في مرحلة اتخاذ القرار لأخْذ الخطوات اللازمة للسَّعي في بناء مستقبلي.

فساعدوني وأروني ما لا أرى، وجزاكم الله خيرًا.

 

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فكان الله لك أيتها الابنةُ النابهة المباركة، وبلَّغك ما تطلُبين، ورَزَقك زوجًا صالحًا يُعينك على أمرَيِ الدنيا والدين.

وبعدُ، فنحن نُقدِّر ما تشعرين به مِن مأساة سببُها تفشِّي الجهل في مجتمعاتنا والأمية الثقافية، واللهُ المستعان وعليه التُّكلان، وكلُّ هذا يتطلَّب مِن شباب الأمة الأذكياء أمثالك جهدًا متواصِلاً دَؤوبًا في معركة الإصلاح، ومتابَعة المحاولة المرة بعد الأخرى، مع الوُثوق في قدراتك، والاستمرار في الكتابة، والاستِكثار من تحصيل علومٍ ومواهب مختلفة تُمَكِّنك من المضيِّ على طريق النجاح، فليست الثقافةُ والتعليمُ مُنحصرةً ولا قاصرةً على التعليم الجامعي، كما أن التعليم الأكاديمي نفسه أصبح يُحَصَّل عن بُعدٍ عن طريق الإنترنت كما تعلمين.

وكاملُ العقل لا يستسلم للأمر الواقع أبدًا إن كان لا يرضاه، بل يدفع قدَر الله بقدَر الله، بالبحث عن وسائل متجدِّدة لتحقيق الحلم، وتحصيل العلوم، ويدْفَع عن نفسه القهْرَ بأسباب الحرية المشروعة للفتاة، فالمؤمنُ القويُّ لا يضيع عمره في حَمل الهم وتجرُّع القهر، بل يُجاهِد في الأخْذ بالأسباب الصحيحة لبناء مُستقبله، ويدفع عن نفسه وقلبه الخوف والقلق، مما يأتيه في المستقبل.

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله مِن المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تعجز، وإن أصابَك شيء فلا تقلْ: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قلْ: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان»؛ رواه مسلم (2664).

فخُذي أيتها الابنةُ الكريمةُ بالأسباب التي خلَقها الله عز وجل في الكون، مع مراعاة شرع الله عز وجل فيها، بالابتعاد عما نهى عنه سبحانه، وفِعْل ما أمر، فهناك أسبابٌ كثيرةٌ يمكنك أن تدفعي بها ما وقع عليك مِن ضررٍ أسريٍّ وقيَمٍ اجتماعية جائرة، وقد سبق أن ذكرتُ لك القاعدة النفيسة التي ذكرَها الشيخ عبدالقادر الجيلاني عندما قال: "نحن ندفع قدَر الله بقدَر الله"، وهي مِن أعظم القواعد الشرعية في هذا الباب.

فتوكَّلي على الله، واستعيني به، واستمدِّي منه القوة فيما تشعرين به مِن ضعفٍ أو خوفٍ وتثبيطٍ من الشيطان، واستعيني بالدعاء، وصِدْق الالْتجاء إلى الله تعالى والإلحاح عليه عز وجل، فهو قريبٌ مجيبٌ - أن يشرحَ صدر أسرتك للحق، وأن يَهدِيَهم سواء السبيل، واجتهدي في كلِّ ما يقربك إليه، واستعيني بالله، وأحْسِني التوكُّل، ودافعي عن حقِّك في التعليم، ولا تَمَلِّي مِن المحاولات المتكرِّرة مع والدتك بالحسنى، والكلمة الطيبة حتى يتحسَّن وضعُك.

قد يُستشعر مِن رسالتك عدم التفاؤُل والخوف مِن المستقبل، والشك في الحُصول على زوج مناسب، فاحرصي على التحلِّي بضد ذلك، فهو مِن حُسن الظنِّ بالله القريب المجيب، والزوج الصالح مِن رِزْق الله، الذي يأتي في الزمان والمكان المحدَّد، وإنما عليك أن تأخُذي بأسباب تيسيره من حُسن التوكُّل، والإقبال على الله تعالى، والإكثار من التضرُّع، والالْتجاء إليه، فهو حسْبُك وكافيك ونِعْمَ الوكيل.

وأخيرًا: احذري أيتها الابنةُ الكريمةُ أن تُخطئي السبيل، وتظني أن ما ليس بسبب سببٌ، أو أن هجرةَ الأهل ومُغادرة البلاد أحد الحُلُول المشروعة التي تعوِّضين بها ما فاتك مِن التعليم ومن الحنان والمودة المفقودة، فتسلكين بذلك طُرُقًا يغضب اللهُ تعالى منها، وما كان كذلك لا خير فيه، فلا راحة للقلب ولا طمأنينة إلا في ظِلِّ طاعة الله، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]، وراجعي لزامًا على موقعنا استشارة: أكره الحياة وأخاف الموت.

وفقك الله لكل خير.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/fatawa_counsels/0/92039/#ixzz4y88SqiO0

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 19,406

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً