نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

ما سبب انتشار رواية حفص؟

منذ 2017-12-31

وثمة سبب لعله هو أقوى الأسباب وأهمها: أن الله عزَّ جلَّ قد وضع لهذه الرواية القبول والإقبال، لأسباب نعلمها أو لا نعلمها؛ فهي مع ذلك لا تنفي القراءات الأخرى وأهميتها، ولا تحط من شأنها فكلٌّ كلام رب العالمين، وترتيل من حكيم حميد، والله تعالى أعلى وأعلم.

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وسائر رسل الله أجمعين سلام الله عليكم أجمعين.

أود أن أسال سؤالاً عن رواية حفص عن عاصم، هل هي القراءة الأولى للقرآن الكريم؟

ولماذا كان انتشارها أكثر من بقية الروايات في العالم الإسلامي؟

هل رواية حفص هي الأفصح للغة العربية، أم هي الأسهل قراءة للناس في لفظها؟

أم هي التي كان يقرؤها الصحابة الكرام كثيرا؟

علما أنا فيها كلمة واحدة ممالة من الألف الى الكسرة، هي كلمة (مجرايها) فقط، علما اذا قرأناها من غير إمالة هي فصيحة.

وماذا عن رواية شعبة عن عاصم، لماذا أهملت، مع العلم أن قارئها هو نفس الإمام (عاصم)؟

الإجابة:

الحمد لله الكريم المنان، سابغ النعم والإحسان، الرحيم بأوليائه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى سواء السبيل. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وعمل بسنته إلى يوم الدين. أما بعد:

 

لقد اشتهر في كل طبقة من طبقات الأمة جماعة عنيت بحفظ القرآن الكريم وإقرائه، ولما وقع الخلاف على ما يحتمله رسم المصحف العثماني؛ من التشكيل والإمالة والإدغام والهمز والنقل، وغيرها من القراءات، وتمسك القراء بما أخذوه بالتلقي؛ أجمع أهل العلم على اختيار قارئ مشهور بالثقة والأمانة والنقل من كل مصر للأخذ عنه، بشرط التواتر وموافقة رسم المصحف العثمانى وموافقة اللغة العربية ولو بوجه.

 

وكان قد اشتهرت قراءات الأئمة السبعة على رأس المئتين في الأمصار، وفي أوائل المئة الثالثة من الهجرة في بغداد جمع ابن مجاهد قراءات أهل المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة؛ على قراءة القراء السبعة. ثم أضيفت القراءات الثلاث؛ قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف، واختير أربعة قراءات من الشواذ. وأُلفت الكتب الكثيرة في القراءات، حتى وصل الحال إلى اختيار قراءات الأئمة العشرة ورواتهم المشهورة، وجرى العمل على ذلك إلى يومنا هذا.

وأصبحت الآن تؤخذ بالتلقي والإقراء بموجب متن الشاطبية والدرة، وطيبة النشر.

 

وثمة أسباب لانتشار رواية حفص عن عاصم الكوفي منها:

• عدم وجوب القراءة بكل القراءات؛ قال تعالى:{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}.

وجاء في صحيح البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فاقرؤوا منه ما تَيَسَّرَ». وعند مسلم؛ قال جِبْرِيلُ عليه السَّلام للنبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قرأوا عليه فَقَدْ أَصَابُوا". وهذا يفيد اختيار الأيسر، ويفيد عدم وجوب القراءة بكل الروايات، ولو كان واجبًا لوقع الاهتمام الشديد بكل الروايات، وكان لها الانتشار كرواية حفص أو أشد.

 

فهذا سبب قوي يدفع إلى ترك القراءة التي فيها أعمال كثيرة للغالبية من الناس؛ إلا من كانت عنده الهمة والرغبة في تعلم القراءات والقراءة والإقراء بها، وهم كُثر ولله الحمد والمنة، حتى زاد في هذا العصر الاهتمام بهذا العلم الجليل، وإني لأذكر أنه كان في كل مصر معهد واحد لتدريس القراءات، والآن في كل محافظة معهد لتعليم القراءات.

 

ولما كانت قراءة حفص من السهولة واليسر بمكان – كما سيأتي تفصيله في السبب الرابع – لا جرم كَثُر إقبال الناس عليها تلاوة وحفظًا وتعليمًا.

 

• اشتهرت روايته عن عاصم بن أبي النجود في الكوفة وكانت دار الخلافة حينئذ، يفد إليها العلماء وطلاب العلم، وكان حفص متفرغًا للإقراء عن غيره من القراء، ولما انتقلت الخلافة إلى بغداد انتقل حفص إليها، وأيضًا جاور بمكة وأقرأ بها، ومكة محل التقاء علماء العالم الإسلامي، ودار الخلافة بغداد كانت محط العلماء والمتعلمين، وكَثُر فيها الناس لوفرة العيش فيها؛ فاشتهرت روايته في بغداد أيضًا، وكثر عدد الآخذين لرواية حفص، ومن ثم انتشرت في سائر البلدان، وخاصة بلاد المشرق، وكان السائد في بلاد المغرب قراءة ورش وأبي عمرو.

 

فزيادة العناية بقراءة حفص في هذا الوقت؛ بالإقراء والتلقين والتدوين، وكتابة المصحف بما يوافقها وتداوله؛ سببًا قويًّا وعاملاً أساسًا في رواجها وانتشارها.

 

والذي يغلب على الظن أن هذه القراءة ظلت تتنقل مع الدولة في دور الخلافة من عصر إلى عصر؛ قراءة وتعليمًا وكتابة في المصاحف، حتى في عصرنا هذا.

 

• إتقان حفص لروايته عن عاصم، وقوة سنده من الأسباب المهمة في انتشار روايته؛ إذ يقول الشاطبي:

 

فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعَاصِمٌ اسْمُهُ *** فَشُعْبَةُ رَاوِيهِ المُبَرِّزُ أَفْضَلاَ

وَذَاكَ ابْنُ عَيَّاشٍ أَبُو بَكْرٍ الرِّضَا ** وَحَفْصٌ وَبِاْلإتْقَانِ كانَ مُفضَّلاَ

 

 

وذلك أن حفصًا كان ابن زوجة شيخه عاصم بن أبي النجود، وكان معه في دار واحدة.

 

قال أبو عمرو الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة، ونزل بغداد فأقرأ بها، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضًا.

 

وقال ابن المنادي: وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر ابن عياش – يعني: شعبة – ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ على عاصم، وأقرأ الناس دهرًا، وكانت القراءة التي أخذها عن عاصم ترتفع إلى علي رضي الله عنه. يعني: سندًا.

 

فثناء الفقهاء والعلماء على إتقانه وضبط قراءته أدى إلى الإقبال الشديد على روايته.

 

• إن قراءة حفص يسيرة سهلة الأداء، والنفس ترغب في التيسير، والرواية ليس فيها عمل كثير إضافي كغيرها من قراءة الكوفيين؛ فضلاً عن غيرهم، كالإمالة الكثيرة في قراءة حمزة والكسائي وخلف - وهم قراء الكوفة -، وأيضًا المد المشبع في المنفصل والمتصل، والسكت المتكرر على الهمز الذي قبله ساكن موصولاً كان أم مفصولاً، والوقف على الهمز في قراءة حمزة وهشام، وإمالة هاء التأنيث حال الوقف عند الكسائي، والمدود أيضًا في قراءة ورش عن نافع، أو صلة ميم الجمع وسكونها واختلاف المد المنفصل في قراءة قالون عن نافع أيضًا، والصلة المتكررة أيضًا في قراءة ابن كثير المكي وأبي جعفر المدني، أو الإدغام الكثير للمثلين الكبير والمتقاربين في رواية السوسي عن أبي عمرو، أو العمل في الهمز المتتالي سواء كان في كلمة أو كلمتين، عند نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر؛ وهذا يعد عاملاً آخر للإقبال على رواية حفص.

 

• كما تعد أيضًا طباعة المصاحف برسم قراءة حفص؛ عاملاً أساسًا في انتشار هذه الرواية على مر العصور، وخاصة في هذا العصر الذي انتشرت فيه الطباعة بمختلف أنواعها ولا تجد أرضًا إلا والغالب فيها المصاحف المطبوعة برواية حفص عن عاصم، اللهم إلا النذر من بلاد المغرب وإفريقيا؛ الذي بدأ يغزوها هذا الانتشار الواسع لمطبوعات المصاحف الجديدة.

 

• الإذاعات والمرئيات بمختلف أنواعها؛ من القديم إلى الحديث كان الغالب فيها إذاعة رواية حفص، وهذا شيء ملحوظ ومشاهد، وكان أول تسجيل صوتي للقرآن الكريم في العالم الإسلامي بصوت الشيخ محمود خليل الحصري برواية حفص.

 

• تدريس القرآن برواية حفص في المدارس والمعاهد والجامعات والكتاتيب في أغلب الأقطار؛ حتى في معاهد القراءات بداية يدرسون القرآن برواية حفص؛ تلاوة وحفظًا وتجويدًا، ثم يُبنى عليها بقية القراءات العشر المتواترة، والأربعة من الشواذ.

 

• وثمة سبب لعله هو أقوى الأسباب وأهمها: أن الله عزَّ جلَّ قد وضع لهذه الرواية القبول والإقبال، لأسباب نعلمها أو لا نعلمها؛ فهي مع ذلك لا تنفي القراءات الأخرى وأهميتها، ولا تحط من شأنها فكلٌّ كلام رب العالمين، وترتيل من حكيم حميد، والله تعالى أعلى وأعلم.

 

كما ندعو أهل الاختصاص في هذا العلم، إلى العمل على نشره وتداوله بين المسلمين، وتسجيل القراءات وإذاعتها على الناس؛ تلاوة وتعليمًا، وترغيبهم فيها، واتخاذ الطرق التي تيسرها لهم؛ ليتعرفوا كلام الله بحلاوته وطلاوته.

 

الكاتب:  يسري حسين محمد سعد.

  • 8
  • 0
  • 724
i