نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

هل يغفر الله لي ويتقبل صيامي إن تبت إليه؟

منذ 2017-05-09

هل يقبل الله لي صيام الأيام الباقية من رمضان؟ وهل أكون من الفائزين بليلة القدر؟ وهل يغفر لي الله الأيام الماضية من الذنوب التي عملتها؟

السؤال:

أنا كنت إنسانا مستهترا في الأمور الدينية ولكن شاء الله أن يرسل لي من ينقذني من غفلتي، والآن أرى نفسي في رمضان غير موفق، وأنظر إلى نفسي في خجل على أنني متهاون في الأمور الدينية بدرجة كبيرة.

 وسؤالي هل يقبل الله لي صيام الأيام الباقية من رمضان؟

 وهل أكون من الفائزين بليلة القدر؟

 وهل يغفر لي الله الأيام الماضية من الذنوب التي عملتها؟

 هذا سؤالي أرجو الرد عليه سريعا، وتحياتي لكم.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم. الأخ الفاضل حفظك الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 وبعد: فإليك هذا الخبر الصادق الذي قصه علينا نبينا - صلوات الله وسلامه عليه – ليكون نبراسًا لك تستضيء به ونورًا تهتدي به: رجلٌ قتل تسعة وتسعين نفسًا، سفك هذه الدماء المعصومة وأهرقها بغير وجه حق، ثم بعد ذلك أراد أن يتوب، أراد أن يعود إلى ربه بعد أن قتل كل هذا العدد من الناس؛ فذهب إلى راهب من الرهبان فيه جهالة وإن كان عنده عبادة، فقال له: أريد أن أتوب وقد قتلت تسعة وتسعين نفسًا بغير حق، قال: لا يقبل الله توبتك؛ فكمَّل به المائة وقتله وسفك دمه، وظل بعد ذلك يسأل، يُساءل نفسه هل يتوب الله عليَّ، فسأل عن أعلم الناس وأفقههم، فذهب إلى رجل عالم بصير بدينه، فسأله فقال له: ومن يمنعك من التوبة؟ فأمره بالتوبة وحثه عليها، ثم حثه أن يترك قريته التي هو فيها لأنها قرية فساد وأمره بأن يلحق بقرية أخرى فيها أهل خير وفضل ليعبد الله معهم وليعينوه على طاعة الله، فخرج ثائرًا طالبًا وجه الله تائبًا فأدركه الموت في منتصف الطريق فوقع ميتًا، فأنزل الله جل وعلا ملائكته لأجل هذا الأمر العظيم، فنزلت ملائكة العذاب تريد أن تأخذ هذا العبد الذي سفك الدم الحرام وأسرف فيه، ونزلت ملائكة الرحمة تريد أن تأخذ هذا العبد التائب الذي أقبل على الله وتنازعوا فيه، فأرسل الله جل وعلا من يفصل بينهم على صورة إنسي فقال: قيسوا ما بين المسافتين، قيسوا ما بين موضعه إلى موضع قريته السيئة وما بين موضعه وموضع القرية الطيبة التي خرج إليها، فأيهما كان أقرب فهو منهم، فقاسوا ما بين المسافتين؛ فإذا هو أقرب إلى أهل الخير وأهل الفضل، فغفر الله له فدخل الجنة.. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وهو من خير ما يبدأ فيه معك.

 

فنقول ما قال ذلك العبد الصالح العالِم الرباني: ومن يمنعك من التوبة، من يمنعك أن تُقدم على ربك تائبًا وقد نفض عن نفسك غبار المعاصي ونزهت نفسك من قذرها، ونصت نفسك من دنسها فطهرت نفسك من وحل المعاصي لتخرج نقيًّا طاهرًا إلى ربك، إلى رب رحيم كريم يقبل توبة العبد إذا تاب ولو أسرف على نفسه، فانظر إلى هذه الآية الكريمة كيف يناديك ربك ويقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[الزمر: 53].

إنه يناديك بأحبِّ الأسماء وينسبك إلى نفسه فيقول:  {يَا عِبَادِيَ}.

ثم يقول:  {الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي أكثروا في الخطايا،   {لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} لا تيأسوا من رحمة الله {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} أي أنه يغفر الذنوب جميعًا عظمت أم صغرت كثرت أم قلت؛ فتب إلى الله يا أخي، أقبل على ربك، أقبل على الله جل وعلا لتخرج من الظلمات إلى النور، لتخرج إلى الطمأنينة والسكينة، ألا تريد طمأنينة القلب؛ إنها ها هنا في التوبة، ألا تريد فرحة الروح وسعادتها، إنها هنا في التوبة، ألا تريد أن تعيش قرير العين سعيدًا في دينك سعيدًا في دنياك، إنها ها هنا في الإنابة إلى الله؛ قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[النحل: 97].

 

وأبشر أيضًا، أبشر بأعظم من هذا كله؛ فليس فقط تغفر ذنوبك بل ويبدِّلها الله حسنات، فيا لكرم الله تبدل السيئات والموبقات إلى حسنات كريمات فاضلات، قال الله جل وعلا: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً[الفرقان: 70]. فهذا هو سبيلك.

 

وأما سؤالك هل يتقبل الله صيامك ويتقبل طاعتك ولعلك تدرك فضل ليلة القدر فنفس السؤال يكرر عليك: ومن يمنعك من ذلك، إن الله كريم عظيم حليم لا يرد عبدًا تقرب إليه وأناب إليه ولو أسرف على نفسه بالخطايا، فباب التوبة أمامك مفتوح يا أخي، فعليك أن تُقبل على ربك، ونقول لك ما أشار به ذلك العالم الصالح؛ فنقول لك: اهجر رفقة السوء وأقبل على رفقة الخير، ليس المطلوب منك الآن أن تغادر بيتك ولا أن تغادر قريتك ولا بلدك، ولكن المطلوب منك أن تفارق رفقة السوء لتصاحب الأخيار، لتصاحب أصحاب الصلوات، أصحاب الوجوه النيرة، لتصاحب الوجوه المتوضئة، لتصاحب من كان كلامه يدلك على الله، وتهجر أهل الفجور وأهل العصيان وأهل الخنا وأهل الفحش وأهل الكذب وأهل الغدر، فهذا هو سبيلك يا أخي وهذه هي طريقك، فالحمد لله الذي شرح صدرك للإقبال على ربك، وها أنت الآن مقبل على الله، وأبشر بقول الله جل وعلا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[الطلاق:3 - 2]، وأبشر بقوله جل وعلا أيضًا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}[ الطلاق: 4].

 

وأبشر بقول حبيبك ونبيك - صلوات الله وسلامه عليه -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (رواه الطبراني) في المعجم، وأبشر أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»  (رواه الترمذي) في سننه.

 

ونوصيك وصية خاصة بالمحافظة على صلاتك والمحافظة عليها قدر استطاعتك في بيوت الله؛ قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[العنكبوت: 45]. وقال تعالى:  {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[هود: 114]. وقال تعالى:  {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[البقرة: 238].

ونوصيك أيضًا بدوام الدعاء فقد قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» ( أخرجه الترمذي في سننه). وأيضًا فنود أن تعيد الكتابة إلى الشبكة الإسلامية بعد أسبوع أو أسبوعين لتبشرنا بالخطوات العملية التي قمت بها في هذا الباب ولتجد الإرشاد والمعونة في أمور أخرى تعينك على الثبات على طاعة الله جل وعلا، ونسأل الله لك التوفيق والسداد وأن يشرح صدرك وأن يتوب عليك وأن يغفر ذنبك وأن يطهر قلبك وأن يحصن فرجك. وبالله التوفيق.

  • 0
  • 0
  • 1,593
i